ريمونتادا العادة..ليفربول يُبعث من جديد!

تحليل- محمد عصام

توقف عن العبث بعينيك، نعم أنت مستيقظ تماماً، أنت في كامل قواك العقلية وقد حدث هذا حقاً، وشهدته بالفعل، وستتناقل حديثاً عنه لأولادك وأحفادك، أو قد لا تفعل إن كنت مشجعاً لبرشلونة، في كلتا الحالتين، نعم إنه الواقع.

يتطلب تحليل هذه اللحظات الكروية قدراً كبيراً من التوازن العقلي، وهو ما لا يتوفر سواء كنت تميل لأحد الفريقين أو كنت محايداً، لن تستطيع تبسيط هذه المشاعر لأفكار منطقية متسلسلة، الأمر أقرب لإشعال عود ثقاب وسط عاصفة جليدية.

لكن يمكن البدء بكلمات كلوب “اطلب منكم أن تحاولوا فقط، إن فعلناها، رائع، إن لم يحدث، فلنفشل بأجمل طريقة ممكنة”، بدلاً عن ذلك نجح الفريق بأجمل طريقة ممكنة.

بدأ ليفربول بالتشكيل التقليدي المنطقي، ولم يساير تكهنات الصحف بتغيرات راديكالية، فلم يتحول لخطة 3-5-2 أو يدفع بالشاب برويستر أساسياً، بل وضع خطته المعتادة 4-3-3، واستبدل صلاح، فيرمينيو، نابي كيتا بالثلاثي شاكيري، أوريجي، وهندرسون.

في حين لم تسفر إجازة فالفيردي الطويلة للتفكير في هذه المباراة عن أية تغييرات، فدخل بنفس تشكيل الذهاب بدون تعديل.

انطلقت المباراة كما هو متوقع، ليفربول سيضغط، وبرشلونة سيدافع، لكن هذه المرة امتلك ليفربول الحدة الكافية لتحويل الأخطاء الناجمة عن فوضى الضغط لهدف أول مبكر، أوريجي يسجل هدفه الأول في دوري أبطال أوروبا بعد خطأ ساذج من جوردي ألبا انفرطت بسببه حبات عقد دفاع برشلونة.

استخدم كلوب استراتيجية مختلفة عن الذهاب، حين بحث عن تفوق ثنائية ماني-روبيرتسون المتوقعة ضد روبيرتو على اليمين، والتي لم تحدث، هذه المرة قرر عدم مواجهة ماني لروبيرتو، بل الدفع به في عمق الملعب، ووضع المواجهة على اليمين بين شاكيري وألبا، مع التركيز على ضرب عمق دفاع برشلونة بسرعات ماني وأوريجي، ومع سوء شاكيري وألبا ألغى كلاهما تأثير الآخر ليعطي التفوق لليفربول في مناطق أكثر تأثيراً من الملعب.

من العسير أن تقتنع بأن برشلونة في الحقيقة قدم شوطاً أولاً جيداً، وكان له نفس نصيب ليفربول من التسديدات على المرمى، ورغم استقبال الهدف المبكر كان متماسكاً نسبياً، وصنع الفرص الأخطر، تفنن كوتينيو وألبا في إهدارها بعد تمريرات من أقدام ميسي، مع تسديدتين أقل خطورة جانبتا القائم الأيسر لأليسون من البرغوث، وأضاع الأرجنتيني الفرصة الأوضح بسذاجة عجيبة لكن راية التسلل ارتفعت في النهاية في كل الأحوال.

قل ما تريد من الكليشيهات (من يضيع يستقبل، وثمن الإهدار غالِ..الخ)، لكن أثبتت الدقائق القادمة بالفعل أن هذا الاستهتار كان باب المتاعب الذي فتحه برشلونة على نفسه.

خرج روبيرتسون بين شوطي المباراة متأثراً بإصابة تسبب فيها سواريز، والتي ربما كانت أغلى هدية قدمها سواريز لليفربول، حيث دخل البديل فينالدوم، مع نقل ميلنر إلى يسار الدفاع.

كانت هذه رخصة فالفيردي للتدخل، تلك اللحظة التي خرج فيها أهم مصدر إمداد لليفربول منذ بداية الموسم، نافذة الفرصة التي انفتحت ليدفع فالفيردي بمالكوم على اليمين، ويعطي ميلنر المسن “كروياً” متاعب حقيقية، مع نقل فيدال يساراً ناحية الجبهة الأخطر حالياً والأجدر بحراسته، ويتحرك برشلونة هجومياً لتسجيل هدف سيأرجح خيط البندول ناحية فريقه، لكن الشلل الفكري وفالفيردي في مثل هذه اللحظات الحاسمة توأمان لايفترقان.

حين قدم ليفربول أعظم عودة تاريخية في نهائي أسطنبول، سجل في الدقيقتين الرابعة والخمسين والسادسة والخمسين، دقيقتان ساحرتان سجل فيهما فينالدوم هدفين اختلفت بعدهما جغرافيا المواجهة بالكامل.

تحول ليفربول من فريق ليس لديه ما يخسره، لفريق مرهق لعب وسط الأسبوع، وبذل مجهوداً طويلاً لمدة ساعة كاملة ليعادل الأمور، هنا قرر أن من الحكمة التهدئة والانتظار حتى لحظة الرياح التي تهب فيغتنمها.

فالفيردي قرر الدفع بتغييره المعتاد رغم حاجته لهدف، سيدفع بسميدو بدلاً من كوتينيو، وسيتابع مشاهدة المباراة من مسافة أقرب منا للملعب.

هدأت عاصفة ليفربول بعد أن خلفت الأضرار المطلوبة، وسيطر برشلونة على المباراة دون فرص، ليتدخل فالفيردي للمرة الأولى بتغيير فعلي قبل ربع ساعة من النهاية، حين سحب أفضل لاعب من جانب برشلونة أرتورو فيدال ليدخل الشاب البرازيلي أرتور بدلاً عنه.

انتهت لحظات ترقب ليفربول لغفلة برشلونة قبل عشر دقائق من النهاية، حين استغل ركنية نفذها أرنولد بسرعة بديهة، وأسكنها أوريجي الشباك لتكتمل “الريمونتادا”.

نعم، لقد حدث ذلك مجدداً لبرشلونة، وهاهي أشباح روما تلقي بظلالها على المباراة، دفع فالفيردي بطبيعة الحال بمالكوم “بعد خراب مالطة”، وقام بالأسوأ حين نقله بعد دقائق قليلة لليسار بدلاً من اليمين حيث صنع بعض الخطورة اللحظية، في إصرار عجيب نحو تكرار سيناريو روما.

اكتسحت شخصية ليفربول الدقائق الآخيرة، مع أقدام غلب عليها الاضطراب والذعر من جانب برشلونة، وبعد أن تحطمت نفسيتهم نتاج هذا العدوان، وألقى ضغط ليفربول اللامتناهي لاعبي البلوجرانا خارج مسار المباراة.

آمن ليفربول بحظوظه حتى النهاية، رغم الغيابات، رغم ضغط المباريات، رغم نتيجة الذهاب، وعكس كل التوقعات، واستهتر برشلونة بالفرص المتاحة له، وأهدى الريدز ثلاثة أهداف مجانية، وهنا في “أنفيلد” المعجزات، وفي ليلة دروي الأبطال، ستعاقب على ذلك أقسى عقوبة ممكنة، ولو للمرة الثانية توالياً.

مقالات ذات صلة

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin