ليفربول العتيد وتوتنهام العنيد.. أيهما يكسب الحرب النفسية الأنجلوساكسونية؟

تحليل- محمد العولقي

لا يمكن بأي حال من الأحوال جس نبض نهائي دوري أبطال أوروبا بين الغريمين الإنجليزيين ليفربول وتوتنهام هوتسبير دون الإشارة إلى أنها مباراة نفسية في المقام الأول، بعيدا عن الحشود الفنية و التكتيكية المتاخمة لمفكرة المدربين الألماني يورغن كلوب و الأرجنتيني بوتشيتينو.

ستكون العوامل الفنية و التكتيكية مجرد هوامش وربما عوامل مساعدة في تحديد اتجاهات المباراة المرتقبة سهرة السبت في المترو بوليتانو بالعاصمة الاسبانية مدريد، لكن الثقل النفسي في تصوري هو من سيلعب دور البوصلة التي ستحدد أين سترسو سفينة البطولة الأوروبية الكبرى، في ميناء ليفربول أم على الشاطئ الضبابي لمدينة لندن؟

ترى ما الذي يدفعنا في (توووفه) إلى الرهان على الحرب النفسية والتقليل من شأن الأسلحة الفنية و التكتيكية للفريقين ..؟

الإجابة ببساطة يا سادة: إنها عقلية الكرة الإنجليزية، وثوابت المدرسة الأنجلوساكسونية التي لا يمكن الخروج عن قواعدها، لهذا السبب الجوهري والحيوي قد لا تفيد لاتينية الأرجنتيني بوتشيتينو مدرب توتنهام في رسم معالم تكتيك لا يمكن السيطرة عليه دون النظر إلى دلالات نفسية اللاعبين أنفسهم، ثم عقلية مسيري الناديين الكبيرين.

حتى الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول قد تتحلل مدرسة الاستحواذ التي يلجأ لها بحكم أن الضوابط النفسية في مباريات الجوار تلغي أبهة التكتيك والفوارق الفنية أو التقنية.

بوتشيتينو

شرارة الحرب النفسية بين الفريقين اشتعلت مبكرا، ليست لمحة ذكاء من بوتشيتينو أنه تجرأ ووصف المباراة بأنها نفسية في المقام الأول، فهو بهذه الواقعية كأنما يقول لكلوب: لا حاجة لك لأن تحشد أسلحتك التقليدية، ولا داعي للإسهاب في فرز منظومة اللعب، فالأصل أن مباراة الجيران مختلفة تماما، ومن الصعوبة بمكان ترجيح كفة فريق على آخر.

أي نعم يبدو ليفربول أكثر نضجا من العام الماضي، كما أنه يبدو أكثر تمرسا على أنسجة النهائيات الأوروبية، عكس توتنهام الذي وجد نفسه فجأة مدعوا لمنازلة بلدياته في النهائي لأول مرة في تاريخه، بعد مسار مضطرب ومحفوف بالمخاطر ، لكن كل هذا التناقض بين الفريقين قد لا يعني شيئا في الحرب النفسية التي تدمر كل قواعد الفريق الأقوى ، لذا ليس أمام توتنهام للتفوق على ليفربول سوى إحسان توظيف العامل النفسي للاعبيه ..

الذي تغلب به ألعب به ..

كلوب

هذه المرة لا يريد يورغن كلوب أن تفلت منه شعره واحده ، لا يريد أن يلدغ من جحر النهائيات للمرة الثالثة (الأولى كانت مع بروسيا دورتموند قبل ست سنوات، والثانية العام الماضي مع ليفربول نفسه).

المتتبع لتصريحات كلوب يلاحظ أن الرجل كما لو أنه يحاصر جميع الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة ، لا يريد أن يصطدم في النهائي بسيناريو كبيس كالذي عاشه مع دورتموند أمام بايرن ميونخ ، أو كالذي تعاطاه أمام ريال مدريد ، لقد وضع قبضته الفولاذية على كل الاحتمالات مهما بدت تافهة للعيان.

ولا شك أنه يعلم أن خصمه الثعلب بوتشيتينو يحاول التحايل لجرجرة لاعبي ليفربول إلى حرب نفسية تنتزع قليلا من المحاسن الكثيرة التي تطوق ليفربول، من هنا قد لا تهم المفكرة التكتيكية كثيرا عند بوتشيتينو ، على أساس أن عناصر الحسم عند توتنهام محدودة للغاية، من هنا سيكون شعار بوتشيتينو في الليلة الكبيرة: “الذي تغلب به ألعب به”.

لا يحتاج المدربان إلى دراسة أساليب اللعب، الفريقان مثل أي كتاب مفتوح يستبعد تماما أن تأتي اللحظات الحاسمة على فوارق تكتيكية، ولأننا هنا نستبعد أي مفاجأة تكتيكية فلن يكون أمام بوتشيتينو تحديدا سوى هز نفسيات لاعبي ليفربول لنسف التحصينات الفنية التي تصنع الفارق دائما، سواء كان عبر القزاح الهجومي المائل صلاح وماني وفرمينيو أو أوريجي ، أو عن طريق القادمين من الخلف فينالدوم و هندرسون و ميلنر.

يسعى بوتشيتينو إلى إفراغ ليفربول من حصانته الفنية ، وعندما يراهن على الحرب النفسية فإنه بذلك يستثمر حالات السلطنة التي يمر بها الكوري الجنوبي سون والبرازيلي لوكاس مورا والدنماركي أريكسون صانع الألعاب والمهاحم المتنقل ديلي آلي.

كيف يفوز ليفربول؟

لكي يفوز ليفربول ويعانق لقبه الأوروبي السادس، ليختتم به موسما كرويا ناجحا، لا بد من مراعاة ما يلي:

أولا: الجانب الهجومي

1- استثمار حالة الغليان التي يمر به مهاجمه السنغالي سيدو ماني ، والعمل على تحريره بحيث يجد فرصة ومساحة كي يشق طريقه من العمق مستغلا مهارته وجرأته معا.

salah

2- منح محمد صلاح الكثير من الصلاحيات في الثلث الهجومي ، ثم الضغط بشكل مستمر على الظهير الأيسر داني روس ، ميزة ستعمل على التهام مساحة مع خنق روس في أدوار دفاعية قاتمة ، الأسلوب عينه يمكن أن يجدي مع ظهير توتنهام الأيمن تريبير.

3- التركيز على العمق الدفاعي لفريق توتنهام الذي يفقد هويته الانضباطية في الكرات الساقطة (بليسنج) في ظهر الدفاع ، ويمكن لكلوب أن يزيد من العمق الهجومي أما بتحرير فينالدوم ليشكل زيادة عددية مع أوريجي أو فرمينيو ، أو عن طريق, ديناميكية خاطفة تتيح لصلاح وماني الدخول إلى العمق خصوصا عند الكرات الهاتفية (هات وخذ).

4- عملية الاستحواذ الإيجابية على الكرة يجب أن تثمر سيطرة فعالة مع الضغط على وسط ميدان توتنهام الذي يتألف من خمسة لاعبين في الغالب، ولكي يحقق كلوب مبدأ التفوق النفسي على خصمه يجب أن تكون الحالتان البدنية والذهنية في القمة.

تشكيلة ليفربول

5- كالعادة يتأسس لعب ليفربول على قناعة فنية تستمد قوتها من مرونة الشاكلة التقليدية 4/3/3 ، وهي شاكلة تعتمد على مبدأين أساسيين:

الأول: قدرة المدافع فان ديك على احتواء المنافس ، ثم تنشيط الوسط عبر إجهاض محاولات الخصم ..

الثاني: ثلاثي الهجوم المرعب محمد صلاح وسيدو ماني و ربوبيرتو فيرمينيو أو أوريجي ، وهذا الثالوث يجب أن يتميز بانتهازية أمام مرمى العملاق الفرنسي هوغو لوريس ، لأن أي اهدار للفرص معناه أن بوتشيتينو سينجح في ضرب ليفربول بالسلاح النفسي الذي يراهن عليه..

إذا كانت هناك نقطة سلبية في طرح ليفربول التكتيكي، فهي أن الفريق يهوى العرضيات والاقتحام من العمق فقط، لكنه نادر ما يسدد من بعيد، وقد شاهدنا ليفربول يختنق كثيرا عندما لا يجد المساحات التي تخول له الاختراق أو إرسال الكرات البالونية من الرواقين.

ثانيا: الجانب الدفاعي 

1- على خط دفاع ليفربول ألا يبالغ في التقدم للأمام على حساب مساحات العمق ، ففريق توتنهام يمتلك عبقرية في الكرات المرتدة ، وعندما يكون رأس الحربة هاري كين (تحوم شكوك حول مشاركته) أو البرازيلي لوكاس مورا الذي تمخض جبله أخيرا أمام أياكس الهولندي فولد هاتريك ساحق ماحق قاد به توتنهام لتحقيق معجزة كانت أقرب إلى المستحيل، فإنه إلى جانب مشاكسة ديلي آلي يكون مرعبا في اللحظات القاتلة ، وهنا تأتي شخصية توتنهام التي تساهم في إخراج الفريق من عنق زحاجة الأوقات الحرجة.

2- سيكون على الظهير الأيسر لليفربول روبرتسون الحذر كل الحذر من خطورة شمشون الكوري المدعو سون، فهذا الفتى ذو العينين الضيقتين والمشقوقتين طوليا مثل السهم القاتل الذي يتوغل على الرواق بسرعته وطريقة فتحه للمساحات في العمق.

3- سيضطر لاعب ارتكاز ليفربول فانبينيو إلى التحفظ في العمق الدفاعي لمراقبة صانع ألعاب توتنهام أريكسون ، فهذا اللاعب خارق بدنيا وفي الغالب يساهم في ضبط رمانة وسط الميدان وشد الوثاق التكتيكي لضمان الزيادة العددية في وسط الملعب ، وفي الغالب تبدأ مرتدات توتنهام من قدم أريكسون وليس موسى سيسيكو.

كيف يفوز توتنهام ..؟

أولا: الجانب الهجومي 

1- الاعتماد على سرعة الامتداد ومباغتة دفاع ليفربول بسرعة وفاعلية، مع استغلال مهارات لوكاس مورا في العمق و سون وديلي آلي في الرواقين إلى جانب اندفاعات الظهيرين روس وتريبير.

2- لا يجيد حارس ليفربول إليسون بيكر التصدي للكرات المسددة من بعيد ، فهو يتصدى لهذه الكرات على دفعتين ، وهو أمر يجب أن يتفطن له مهاجم الصندوق مورا أو كين في حال تأكدت مشاركته أساسيا.

3- في وسع الكوري سون منح توتنهام تفوقا على الجهة اليمنى إذا عرف كيف يستغل تقدم ظهير ليفربول الأيسر روبرتسون المندفع كثيرا، والذي يترك خلفه مساحة يمكن للكوري سون أن يحعل منها محطة تهديد لا تنتهي.

4- يحتاج توتنهام لتفعيل الكرات العرضية كما أنه بحاجة إلى تسديدات أريكسون المركزة من العمق ، عملية الاختراق قد تتركز على جويل ماتيب نقطة ضعف ليفربول في عمق الدفاع.

5- التعويل على الحرب النفسية التي يعتنقها بوشيتينو ترتكز على قدرة هجوم توتنهام على استغلال الكرات المرتدة ، كما أن نجاح الخطة يتطلب وعيا وهدوءا من وسط الميدان وقدرته على تغذية المهاجم بالكرات الحاسمة والمفاجئة.

ثانيا: الجانب الدفاعي

لن يهرب مدرب توتنهام بوتشيتينو من قدر شاكلته الرمادية 4/5/1 أو 4/2/3/1 ، سيحاول تعبئة الوسط والتشويش على حيوية لاعبي ليفربول الأكثر خبرة ونضجا، ولكي يتحقق المراد يجب مراعاة ما يلي:

1- تشديد الرقابة الدفاعية على صلاح وماني تحديدا والقضاء على تسرباتهما الطرفية، ولكي يخنق هذا الثنائي وجب عليه اللعب بدفاع ثابت ، والأهم أن يتخلص بوتشيتينو من الدفاع الخطي ، فهذا الأسلوب سيجعل من الدفاع لقمة سائغة أمام براعة ماني و سرعة صلاح و انتهازية أوريجي أو فرمينيو حال تأكدت مشاركته ..

2- الحذر كل الحذر من غزوات روبرتسون من اليسار وانطلاقات أرنولد من اليمين ، ولعل تعبئة الوسط بخمسة لاعبين ربما يكون حلا لإغلاق المساحات أمام ظهيري ليفربول الطائرين.

3- الضغط الجماعي على دفاع ليفربول أثناء الكرات المرتدة سيولد أخطاء في تمركز ماتيب بالذات ، لذا توجب على سون وسيسيكو ومورا وأريكسون وآلي الاندفاع في المساحات الخالية بسرعة السهم.

4- إذا كان بوتشيتينو يراهن على الحالة النفسية للاعبي ليفربول ، فهو يدرك أن على لاعبيه قتل الوقت وامتصاص فنيات لاعبي ليفربول ، وكلما مر الوقت دون أن يسجل ليفربول هدفا سيكون الأمر متاحا أمام بوتشيتينو لاستخدام سلاحه النفسي.

5- لاشك أن بوتشيتينو يدرك أن فان ديك يشكل الثقل الحقيقي لخط دفاع ليفربول ، ولابد من طريقة إغراء يمارسها توتنهام لاستدراج فان ديك ليفقد حذره ، ربما كانت الفرصة الوحيدة لضرب دفاع الليفر عندما يتقدم فان ديك في الركنيات أو الكرات الثابتة المنحرفة ، وهنا يأتي دور مورا وسون وسيسيكو وديلي آلي.

6- يمتلك توتنهام حارسا كبيرا وقائدا مؤثرا هو الفرنسي الكبير هوغو لوريس، لكن مشكلته أنه أحيانا يتأثر سلبا بأجواء المباريات التي يطغى عليها الشد النفسي والعصبي ، وهو يختلف عن حارس ليفربول ايلسون أنه أكثر مجازفة وأكثر تأثيرا على فريقه ، في رأيي أن لوريس واليسون قد يكونا أهم ورقتين في الحرب النفسية ، كيف؟ هذا مرده الى متغيرات المباراة نفسها.

ترى من يكسب الحرب النفسية في ملعب المترو بوليتانو، ليفربول العتيد المتمرس على أنسجة هكذا مباريات أم توتنهام العنيد القادم من غياهب المجهول ..؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin