عفواً هذا زمن الأظهرة.. الثنائي الذي رسم موسم ليفربول

تحليل- أحمد مختار

انتشرت فكرة البناء من الخلف منذ سنوات في ملاعب الكرة، وظهر ما يعرف بالمدافع الممرر صاحب مهارة التمرير والمراوغة. معظم فرق أوروبا تحاول جاهدة التعاقد مع مثل هذه النوعية، رفقة الأسماء الأخرى التي تجيد تسجيل الأهداف من الكرات الثابتة كراموس، وبالتالي أصبح هناك مدافع هداف وآخر صانع للفرص من الخلف، لينعكس هذا الأمر على لاعبي الوسط وطريقة لعبهم حول الدائرة.

يجب التأكيد على ندرة لاعبي الارتكاز الذين يقومون بالتحكم في نسق المباريات كما كان يفعل تشافي وبيرلو سابقا، لذلك اشتدت الحرب على لاعب بقيمة فيراتي في وقت سابق، مع حفاظ الريال على كروس وعدم بيعه لأي فريق آخر، بالإضافة للحرب الأخيرة على دي يونج نجم أياكس وهولندا.

وقابلت هذه الندرة عودة خصائص لاعب الوسط المتحرك المباشر، لذلك بطل أوروبا الحالي “ليفربول” يضم بين صفوفه ثلاثة إلى أربعة لاعبين وسط يفضلون الركض والعدو والتحولات، عوضاً عن البناء المنظم ولعب التمريرات البينية.

ونتيجة لقوة المدافعين بالكرة وميل لاعبي الوسط إلى لعبة التحولات ومشتقاتها، صار اللعب الهجومي قائم على استراتيجية الكرات الطولية، رفقة الاختراق العمودي من الخلف إلى منطقة الجزاء.

وبالتشديد على قوة الخطط الدفاعية وميل معظم المنافسين الحاليين إلى غلق مناطقهم أولا قبل التفكير في الهجوم، باتت الحاجة إلى استغلال الأطراف ملحة وضرورية لأقصى درجة ممكنة، مع رفع شعار واحد صريح، العمق سهل غلقه ويُصعب اختراقه، لذلك الحل في صعود الأظهرة إلى الثلث الهجومي الأخير.

وصل ريال مدريد إلى القمة في وقت سابق بسبب قوة الثنائي كارفخال ومارسيلو، وأعاد يورجن كلوب فريقه إلى الأجواء بفضل ثنائية أرنولد وروبرتسون على اليمين واليسار. فزعيم ميرسيسايد عانى كثيراً هذا الموسم في فترات عديدة، بسبب ضعف إنتاج خط الوسط على مستوى الصناعة والابتكار، بالإضافة إلى انخفاض مستوى ومردود مهاجميه في بعض الأحيان، خصوصاً الثنائي صلاح وفيرمينو على فترات متباعدة، لتتضاعف الحاجة إلى مجهودات الأظهرة.

واجه الليفر صعوبات بالغة في حسم عدة مباريات محلية، أفقدته الصدارة وجعلت مان سيتي يخطف لقب البريمرليج، كذلك لم يكن مشواره سهلاً وهيناً في الشامبيونز بسبب المعاناة في مباريات خارج الأرض لنفس السبب، حيث أن الأظهرة تكون ملتزمة في الشق الدفاعي، لذلك فإن العمل الهجومي يقع على كاهل لاعبي الوسط وثلاثي المقدمة، مما يجعل اللعب متوقعاً ورتيباً بعض الشيء، عكس ما يحدث عندما يعطي الألماني الحرية الكاملة لثنائي الأظهرة.

لقد قلب كلوب الآية الخططية قليلاً، مع خط وسط يدافع ويركض ويجري، وهجوم يسجل أكثر مما يصنع، مع ثنائي من الأظهرة السريعة دفاعاً وهجوماً، ومعهما ثنائي دفاعي قادر على لعب الكرات الطولية من الخلف إلى الأمام، لذلك بدأت هجمات عديدة من ماتيب وفان دايك مروراً بأرنولد وروبرتسون قبل أن يخطف ماني وصلاح الأضواء من الجميع بالتسجيل وقنص اللمسة الأخيرة أمام المرمى.

بعيدا عن قصته الغريبة بالبحث عن عمل في 2012، والجلوس بدون مال لفترات طويلة، إلى كونه لاعبا أساسيا ضمن أحد أقوى المرشحين للحصول على لقب الدوري الإنجليزي هذا الموسم، فإن أندرو روبرتسون يستحق كلاما أكثر، على مستوى الخطط والتكتيكات.

ما يميز هذا الظهير حقا ثلاثة أمور:

التمريرات القطرية من الطرف إلى العمق

يلعب ليفربول بثلاثي هجومي صريح، مع خط وسط متحرك أكثر منه ثابت، ضعيف بالكرة وأقوى من دونها، لذلك لا يساهم كثيرا في خلق الفرص. هجوم الريدز متكفل بالتسجيل والصناعة، لكن بعد انخفاض مستوى بعضهم، أو حتى قوة المنافسين في الرقابة، أصبحت الحاجة ماسة لوسط قادر على الخلق والابتكار.

في حالة عدم حدوث ذلك، يأتي الحل دائما من الأظهرة، أرنولد أو أندرو، في لعب الكرات القطرية والتمريرات المباشرة، من الطرف مباشرة إلى قلب الهجوم، إما للاعب الوسط الثالث، أو فيرمينو، أو الجناح الداخل للعمق.

ظهير مباشر للغاية

يصنع روبرتسون أهدافا عديدة، لأنه يصعد باستمرار إلى حافة منطقة الجزاء، لديه قدم قوية تعرف التمرير الأرضي والعالي، لذلك مع دخول ماني إلى الداخل كمهاجم إضافي، أو حتى لاعب وسط عند التحول من 4-3-3 إلى 4-4-2.

يأتي دور الظهير الأيسر في الصعود من الخلف إلى الأمام، شغل دور الجناح الصريح، وصناعة الفرص والأهداف للمهاجمين.

البناء من الخلف

هناك لقطة لم تأت بوضوح في مباراة ليفربول واليونايتد بالبريمرليج، بداية الهدف الثاني بالتحديد. وقتها ضغط فريق مانشستر على أليسون، ولعب الحارس كرة شبه “ميتة” إلى اليسار، تجاه روبرتسون.

الظهير لم يفكر في المراوغة أو التشديد أو إعادة الكرة للخلف، بل لعب مستخدما ظهره بذكاء، ليسحب لاعبي اليونايتد تجاهه، ويخلق التفوق النوعي والعددي خلفهم، بالتحديد تجاه لاعبي الوسط، قبل أن يصعد ويستلم تمريرة فابينيو، ليمرر إلى ماني، ومن ثم هدف شاكيري.

قوة روبرتسون في أنه ظهير بدرجة صانع لعب. بعيدا عن دوره وقيمته في “الأسيست” فإن عدد كبير من تمريراته تتحول إلى تسديدات، بالإضافة إلى مساهمته الفعالة في عملية البناء، وتدوير الكرات في نصف ملعبه، بالقرب من حارس المرمى.

لولا أرنولد وأخطاء دفاع برشلونة ووسطه لما وصل ليفربول إلى نهائي دوري الأبطال. الحقيقة أن ضغط فريق كلوب أجبر لاعبي فالفيردي على ارتكاب الهفوات، لكن أيضاً قدم الظهير الأيمن الشاب مباراة مثالية على مستوى الصناعة والأسيست والهجوم، لدرجة أنه لم يتوقف عن الركض والعدو حتى صافرة الحكم معلناً وصول الفريق إلى الواندا متيروبوليتانو.

أرنولد لاعب ذكي، ربما أذكى من روبتسون، لأنه يجيد بشدة لعب التمريرات القطرية والعمودية من الخلف إلى الأمام، بمعنى أوضح يتحرك فينالدوم وهندرسون بدون كرة في الوسط كـ “حاجز أو سكرين”، من أجل فتح الطريق أمام أرنولد كي يمرر من الطرف إلى عمق الهجوم، تجاه صلاح أو فيرمينو أو حتى ماني بشكل مباشر.

تمريرات أرنولد القطرية فتحت الطريق أمام سيل من الهجمات بالنسبة للريدز، كذلك انطلاقاته بالكرة ومن دونها على الخط. تشعر عندما تشاهده وكأنك في حضرة جناح حقيقي على الطرف، خصوصاً أن صلاح يلعب كثيراً في الداخل، لذلك يقوم هندرسون بالتغطية في أنصاف المسافات، ويترك المجال لزميله من أجل شن الهجمات وخلق الفرص بكثافة.

سجل ترينت أليكسندر هدف واحد هذا الموسم، لكنه صنع 15 “أسيست” في البريمرليج والشامبيونزليج، بعيداً عن كم الفرص التي ضاعت بين أقدام المهاجمين ومدافعي الخصم، لذلك لعب أرنولد رفقة زميله روبرتسون دوراً مفصلياً في رسم معالم موسم ليفربول، خصوصاً مع فقر الوسط في الصناعة والإنتاج، بالإضافة إلى قلة المعدل التهديفي لمهاجميه -خصوصاً صلاح- مقارنة بالموسم السابق، لذلك كانت الأظهرة بمثابة طوق النجاة لكلوب وأسلوبه وطريقة لعبه، في موسم بدأ بشكل مميز ثم مر بمراحل صعبة ومعقدة، قبل أن ينتهي بطريقة مثالية، بعد رفع ذات الأذنين.

مقالات ذات صلة

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin