برناردو سيلفا.. عفريت العلبة

تحليل- أحمد مختار

من الصعب أن تجد لاعباً مهارياً يضغط، لكن برناردو سيلفا يضغط بقوة. ليس من السهولة أن يتحول الجناح المهاري إلى لاعب وسط مساند، صحيح لكن برناردو فعلها.

أن تضم لاعباً لكي يجلس على الدكة في أول موسم، ثم يكون أفضل لاعبيك بالموسم الثاني، لهو أمر مستبعد. بالفعل لكن البرتغالي حقق هذه المعادلة الصعبة.

مستحيل أن تضع لاعباً -ليس من المرضي عنهم إعلامياً وتسويقياً- ضمن قائمة الأفضل في العالم، هذا صحيح 100 % لكن يجب أن تفعل “السوشيال ميديا” ما هو أكبر من المستحيل حتى يحصل برناردو على حقه. ليس بالضرورة أن يكون الأفضل، لكن على الأرجح أرى تواجده ضمن الثلاثي الأفضل أمر منطقي وعادل وواجب الحدوث.

في احتفالات العام الجديد، كل لاعبي العالم وضعوا صورتهم مع زوجاتهم، صديقاتهم، أصحابهم، إلا برناردو سيلفا، وضع صورته مع والدته. يرتدي ملابس أقرب إلى حقبة الخمسينات والستينات، يمشي دائما بسترة ثقيلة وحذاء كلاسيكي قديم.

شكله وأناقته وأسلوبه وحتى أحاديثه الجانبية، تشعرك أنك في حضرة شخص عتيق، جاء من زمن بعيد، لذلك يكون هو الضحية الأساسية لسخرية لاعبي مان سيتي، ونوادرهم، ومقالبهم، خارج الملعب بعيدا عن الكاميرات.

عندما يمرر صانع اللعب الكرة بطريقة مميزة وعبقرية، فإن الأمر لا يدخل في نطاق التوقع أو التأمل، لأنه يتمحور أكثر حول فكرة الإدراك، والإحساس الكامل بكل زوايا الملعب، وكأنه يملك كاميرات في الخلف، أو يلعب الكرة وهو معصوب العينين من الأساس. منذ الوهلة الأولى تدرك حتماً أنك في حضرة لاعب مميز ذو لمسة مغايرة، هذا ما شاهدته في برناردو منذ رؤيته مع بنفيكا ثم موناكو.

سيلفا هو الرقم 10 كما يقول الكتاب، لاعب مهاري بالكرة، يتحرك بشكل مثالي دونها، يجيد التلاعب بالمدافعين، ومد المهاجمين بالكرات الحريرية أمام المرمى، يتمركز باستمرار في المنطقة الواقعة بين خطي الوسط والهجوم، في المركز الذي يسمح له بأفضل رؤية ممكنة داخل الملعب، لذلك تألق اللعب بشكل لافت أمام ألمانيا في نصف نهائي بطولة أوروبا تحت 21 عام عام 2015، حينما شارك كصانع لعب صريح أمام ثلاثي الوسط، وخلف ثنائي الهجوم في طريقة لعب 4-3-1-2.

من الصعب جداً أن يفقد برناردو الكرة، وفي حالة قطعها منه فإنه لا يقف منتظراً هدية من رفاقه، بل يضغط بشكل قوي من أجل استعادتها مرة أخرى. يدرك البرتغالي الصغير أن زمن الرفاهية الكروية انتهى بلا رجعة، ويجمع لاعب موناكو بين المتعة الهجومية الواضحة، والشق الدفاعي اللازم لجعله أقرب إلى النسخة المتكاملة لنجم الكرة الحديثة.

يملك سيلفا قدم يسرى ساحرة، يستخدمها في التسديد من مختلف زوايا الملعب، مع عودته خطوات للخلف، حتى يستطيع التمرير إلى المهاجمين في الثلث الأخير. وبالإضافة إلى مهارته وقدراته الدفاعية، يمتاز أيضاً بالسرعة المطلوبة سواء بالكرة أو من دونها، لذلك يستطيع أيضاً القيام بدور الجناح المقلوب على الخط الجانبي، لاعب أيسر يلعب على اليمين، يستلم الكرة ويراوغ من يقابله في اتجاه عمق المرمى مباشرة.

من صانع لعب كلاسيكي في 4-2-3-1 إلى نصف جناح ونصف لاعب وسط في رسم 4-4-2 موناكو، ثم إلى جناح صريح مع السيتي في الموسم الأول، وأخيراً إلى أفضل مركز بالنسبة له على الإطلاق، لاعب الوسط الكل في الكل خلال رسم 4-3-3 جوارديولا.

قبل بداية الموسم وبعد كأس العالم، توقعت دور مضاعف لعفريت العلبة برناردو سيلفا، بسبب سوء تمركزه سابقا سواء مع السيتي او البرتغال. في السيتي كان يلعب جناح هجومي اكتر منه لاعب وسط، بسبب عدم شراء محرز في ٢٠١٧، وفي البرتغال جناح على الخط نتيجة سيستم سانتوس الدفاعي.

كل شيء تغير خلال مباراة البرتغال وأوروجواي في دور الـ 16، حينما تحول من الطرف إلى العمق، خلف الهجوم مباشرة، ليقدم مباراة كبيرة ويقترب من المرمى، ويصبح لاعب وسط هجومي وصانع لعب حقيقي. بعد غياب دي بروين، برناردو اصبح لاعب وسط ثالث، لاعب مركز ٨ كما يقول الكتاب، مهاري، مسدد، تمرير صحيح، واضافة هجومية ممتازة. وحتى عمد تحوله للطرف، يلعب أكثر كجناح وهمي، يقضي معظم وقته في انصاف المسافات للداخل.

يتحرك في أنصاف المسافات كنصف لاعب وسط ونصف جناح، بالتبادل مع ستيرلينج. ثم يعود إلى الارتكاز ليساند فرناندينيو تحت الضغط، ويترك موقعه يمينا ليذهب إلى اليسار مكان زميله الإسباني. في الدور الثاني تحول برناردو إلى وحش كاسر، يمكن قول عديد الكلمات في حقه كلاعب وسط هجومي، لكن الشيء الجديد حقا تفوقه على الجميع من دون الكرة، فيما يخص الضغط على حامل الكرة، والارتداد لمساندة الظهير، والانقضاض على دفاعات الخصم من أجل منعها من اللعب المريح، وأخيرا العودة إلى منطقة جزاء فريقه، للحصول على الكرة الثانية في العمق.

برناردو أفضل من سيلفا دفاعياً، وأمهر من دي بروين هجومياً، لأنه مميز في العرقلة والافتكاك أثناء الضغط، وله قيمة إضافية ترتبط بالمراوغة في أضيق الأماكن الممكنة، لذلك أضاف إلى جوارديولا خاصية “التنوع”، لأنه لا يشبه زملائه بل يُكمل الحلقة الناقصة في الفراغ الواقع بين الخطوط.

كيف يفعلها؟

يمكننا أن نفهم بالاعتماد على تجربة أعدها هيربرت سيمون. أخدوا جاري كاسباروف، واحد من أعظم لاعبي الشطرنج في التاريخ، ووضعوه في مسابقة مع اكتر من لاعب مهم في نفس الوقت. التحدي الاساسي كان أن كاسباروف سُمح له ببضع ثوان فقط لكل حركة، بالمقارنة مع الثلاث دقائق المعتمدة أساساً. بعد كل حركة، ينتقل إلى الطاولة الثانية، يقوم بحركته، وينتقل ثانياً، وهكذا.

مع ثوان قليلة، كاسباروف لم يكن يستطيع أن يقوم بما يسميه لاعبي الشطرنج “الدراسات العميقة والتفكير الدقيق”. لم يستطع أن يفكر ما يمكن أن يحدث مع كل حركة، وكيف سيكون رد الخصم. كان يستطيع فقط أن ينظر إلى اللوح، يقوم بالخطوة، ويتحرك، وهكذا.

لكن هنا الشيء المثير، عندما قاموا بقياس درجاته، اكتشفوا ان قدرته لم تتأثر تحت هذه الشروط القاسية. تقييمه كان 2،650، من أعلى ستة لاعبين في العالم. هذا يكشف ان إتقان هذه اللعبة لا يقوم على الحسابات الدقيقة، لكن على الذكاء التوقعي، الذي يشبه البصيرة في قراءة المستقبل، وتوقع اللعبة دون تفكير طويل، إنهم يرون الخطوة المناسبة فقط بالنظر إلى اللوح وشكل القطع وفهم المعنى والترتيب.

ومثل كاسباروف، يجب ان يكون صانع اللعب الذكي في الكرة الحديثة، لا يفكر كثيرا، ولا يتأخر في التمرير، ولا يكتفي حتى بالتفكير في اللعبة قبل ان تصل اليه الكرة، بل يجب عليه ان يُدرك ابعاد الهجمة دون ان يلزم ذلك التفكير لعدة ثوان، او حتى لثانية واحدة، او لجزء من الثانية!

لذلك حينما يمرر صانع اللعب الكرة بطريقة مميزة وعبقرية، فإن الأمر لا يدخل في نطاق التوقع أو التأمل، وأيضا لا يجب ان نضع له اسباب وتفسيرات عديدة، لأنه يتمحور أكثر حول فكرة الإدراك، والإحساس الكامل بكل زوايا الملعب، وكأنه يملك عينين في الخلف، أو يلعب الكرة وهو معصوب العينين من الاساس!

هذا هو سر قوة كاسباروف، الذي يجعله ينظر فقط إلى الرقعة ويلعب لعبته الناجحة. كذلك هذا هو صانع اللعب المثالي، الذي يعرف اتجاه التمريرة الصحيحة، مهما كان عدد المدافعين امامه، وأينما وقف زميله. هذا ما كتبه “ماتياس سييد” عن مسعود أوزيل منذ سنوات، وهنا أقتبس التشبيه نصاً لأضعه من أجل برناردو، صانع اللعب الذكي ولاعب الوسط المقاتل، وأحد القلائل الذين جمعوا بين المهارة والاجتهاد في آن واحد.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin