اليمن .. بطلا لآسيا ..!

كتب- محمد العولقي

سأقولها بوضوح والأجر دائما على الله، ليس هناك (كبسولات) خارقة للعادة يمكن للمنتخب اليمني تعاطيها صباحا، فيمسي بطلا لآسيا رغم كل ما يقال عن أن الكرة مدورة ولا أمان لها ..

واستنادا إلى الحكمة اليمنية الشهيرة التي تشير إلى رقة القلوب ولين الأفئدة، فإن أمر مطالبة منتخب اليمن بجلب لبن العصفور في نهائيات كأس أمم آسيا التي ستنطلق بعد أيام في الإمارات يندرج في خانة المستحيل، أيضا رغم كل ما يقال عن مفاجآت الكرة الواردة ..

هل يمكن للمنتخب اليمني المشتت لاعبوه في كل البقاع والأصقاع بين نازح ولاجئ، على خلفية الحرب الطاحنة التي تعصف بالبلد أن يجلب لليمن (التعيس) بيضة الديك، كما فعل منتخب اليونان قبل 14 عاما، عندما فاز ببطولة الأمم الأوروبية في البرتغال متجاوزا الكبار في سيناريو لم ير له العالم مثيلا ..؟

في تصوري أن ظروف المنتخب اليمني الصعبة ووضعه المعقد تختلف كليا عن اليونان، فالدوري في اليمن متجمد كليا، و الكرة نائمة ولا تدور في الملاعب، والحد الأدنى من الإعداد لنهائيات آسيا مفقود يا ولدي، فقط اجتهادات فردية من هنا وهناك لرفع راية البلد الباحث عن الفقه والحكمة تحت رماد الحرب الطاحنة ..

لمنتخب اليمن كل العذر في أن يرضى من غنيمة مشاركته الأولى تحت راية الوحدة بالتمثيل المشرف والتوقيع في حافظة الحضور، ففي وضع يمني عاصف يكفي منتخب اليمن فخرا أنه بلغ النهائيات الآسيوية ضمن أفضل 24 منتخبا في القارة الصفراء، وهذا بحد ذاته إنجاز يكفي لأن يكون مصلا ضد (الكوليرا) التي أهلكت الآلاف من اليمنيين الغلابى ..

حتما لن يفتش منتخب اليمن عن عصا موسى بين دفتي مفكرة مدربه الجديد السلوفاكي (جون كوسيان)، فهو يعلم أنه يتحرك على الهامش، وليس مطلوبا منه أكثر من الثبات وتقديم عروض كروية تنسي الشعب اليمني آلامه ووضعه الاقتصادي الحرج والمتردي..

منطقيا سيكون لاعبو منتخب اليمن بعيدين تماما عن الضغوط الإعلامية والشحن النفسي الزائد، وربما كان هذا الهدوء الذي يعطي للمنتخب توازنه النفسي سببا معنويا كافيا لأن تتفجر قريحة اللاعبين الفنية، فيبصمون بكل أقدامهم على مشاركة تاريخية تحيي أمجاد وطن الثلاثة آلاف حضارة ..

ورغم كل هذه المنغصات التي تحاصر رحلة الأحمر اليماني، سأخالف المنطق معنويا، وسأقولها بالفم المليان : منتخب اليمن سيكون بطلا لآسيا، حتى إذا شاءت الأقدار وخرج من الدور الأول بدون خفي حنين كما هو متوقع ..

وقبل أن يقطب كل قارئ جبينه ويتهمني بالهذيان تحت تأثير سيئ الصيت المدعو (القات )، أسارع بالتوضيح، مع أن توضيح الواضحات من الفاضحات :
– منتخب اليمن سيلقى تعاطفا شعبيا على مستوى آسيا، لأن ظروفه التي تصعب على الكافر والزنديق معا ستتيح له استعراض ملحمة بلوغ النهائيات، في حين أن النشاط الكروي تحت الصفر يمنيا ..

– منتخب اليمن سيكون فاكهة البطولة وسيحظى بهالة إعلامية غير مسبوقة، على أساس أنه بات بارقة الأمل الوحيدة التي توحد اليمنيين في زمن الحرب والكوليرا والتجاذبات السياسية ..

– سيثبت الجمهور اليمني أنه عاشق غير ضال لكرة القدم، وسيرتحل خلف المنتخب، سيملأ المدرجات صخبا وغناء ورقصا، وسيقدم للعالم درسا في كيف يكون الجمهور اللاعب رقم واحد وليس اللاعب رقم اثني عشر ..؟

– ستغطي أخبار منتخب اليمن سماء القرية الإلكترونية، وسيحتل الصدارة من حيث متابعة منتخب لا يلعب على أرضه منذ سنوات عجاف، سيكون السؤال : كيف صنع منتخب (أرض الجنتين) ملحمة الصعود دون وساطة من عاملي الأرض والجمهور ..؟

والأهم : كيف بلغ منتخب اليمن النهائيات بدون مدرب حقيقي، إذا وضعنا في الاعتبار أن الأثيوبي (أبراهام مبراتو) مجرد موظف فني لدى اتحاد الكرة وليس مدربا محترفا يمتلك خبث متطلبات الحذق التدريبي ..؟

– لم ينل لاعبو منتخب اليمن مكافآت التأهل إلى النهائيات حتى الآن، ربما كان المنتخب الوحيد في العالم الذي يعسكر لاعبوه خارجيا بدون بدل سفر، ثم إن اللاعبين يؤدون واجبهم بدون مرتبات منذ سنوات، هم يلعبون لأن الهاجس الوطني اختارهم دون غيرهم للملمة أشلاء جسد يمني ممزق،  طمعا في تصدير الفرح والسعادة إلى كل بيت في الشمال والجنوب ..

بالنسبة لي منتخب اليمن سيكون بطلا لكأس آسيا، ليس لأنه سيكر ويفر في ملاعب الإمارات، ولا لأنه سيصنع للشعب اليمني من البحر طحينة، ولكن لأنه سيعرض ملاحم شعب أصيل يغني للحياة تحت أطلال وطن ينعق عليه الغراب ..

يستحق المنتخب اليمني أن يؤدي دور البطولة في نهائيات أمم آسيا التي بلغها لثاني مرة (المرة الأولى مسجلة باسم منتخب اليمن الجنوبي في طهران عام 1976)، لأن العالم سيكون شاهدا على أن هذا المنتخب خرج من تحت الركام والرماد كطائر الفينيق، وحلق في سماء آسيا بدون وسائل مساعدة ليكون هدية ثمينة لكل أطفال اليمن في ليلة رأس السنة ..

لا تنتظروا من منتخب اليمن التوقيع على نتائج كروية مدوية، فقط تذكروا وأنتم تشاهدون رفاق القائد الفنان (علاء الصاصي) أن هذا المنتخب بلا ملاعب، بلا نشاط كروي، بلا معسكرات داخلية، بلا مكافآت، بلا مرتبات، بلا دعم مادي، بلا مدرب ثابت، بلا وطن، ألا يكفي بعد كل هذه التراكمات لأن يكون منتخب اليمن بطلا لآسيا وبلا منازع ..؟

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin