تحليل توووفه: زينشينكو.. المجد للمجهولين

تحليل – أحمد مختار

جوارديولا حالة خاصة في إنجلترا وفي كل مكان، لأنه لم يسلم من الانتقادات والشك والجدال حتى بعد فوزه بدوري الـ 100 نقطة. ويواجه حاليا منافسة قوية مع ليفربول من أجل لقب البريمرليج، مع ازدحام جدوله بالمباريات والمواجهات سواء في البريمرليج أو الكأس أو دوري الأبطال، بعد فوزه منذ أيام بكأس الرابطة على حساب تشيلسي.

للنجاح في مان سيتي ألف أب، من بينهم جوارديولا بالتأكيد، مع الميزانية والمال والدعم والإدارة واللاعبين، لكن لا تحدثني فقط عن المال كسبب وحيد لما أنجزه النادي مع بيب بالآونة الأخيرة. كذلك يمكن القول بأن الفريق ينقصه ارتكاز بديل لفرناندينيو، كذلك ظهير أيسر أساسي في ظل استمرار غياب الفرنسي ميندي، وبالتأكيد هناك من ينتقد الجهاز الفني لعدم دخوله سوق الانتقالات بالشتاء، ولعبه بنسق مرتفع في مختلف المباريات التي يخوضها الفريق.

لكن إذا نظرنا للأمور من الجهة الأخرى، ربما لعب مباريات كثيرة أمر أفضل لفريق تنافسي، وأن الجدول المزدحم أكثر ملائمة من قلة المباريات، لأن الجانب اللياقي مهم بالتأكيد لكن ماذا عن الإيقاع والنسق ومعدلات التنافس؟ هذه العوامل التي يفتقدها الكثيرون عند الحديث عن صعود/ هبوط أي فريق، ويتحدثون فقط عن الشق التكتيكي/ البدني.

بعيدا عن هذا الباب الذي يستحق حديث طويل في القادم، فإن الباب الآخر الخاص بعدم وجود بدائل قوية في بعض المراكز ربما معضلة تعطي المدرب قدرة على التفكير والابتكار والإتيان بالجديد. وهذا ما حدث نصا في حالة أوليكساندر زينشينكو، أحد أهم الأوراق الرابحة لمان سيتي خلال عام 2019. ومن دون الأزمات السابقة في الميركاتو، لم نكن أبدا سنشاهد الأوكراني أساسيا في صفوف فريق جوارديولا هذا الموسم.

1.8 مليون جنيه إسترليني سعر انتقال زينشينكو من أوفا الأوكراني إلى مان سيتي. لاعب شاب صغير بدأ مسيرته كرقم 10 صريح، وسط هجومي بين الجناحين وأمام لاعبي الارتكاز، مع قدرته على شغل مركز الوسط المساند في بعض المباريات. هكذا كانت وظيفة “زين” قبل تحوله إلى مركز الظهير الأيسر هذا الموسم في مختلف مباريات مانشستر سيتي، بسبب إصابة ميندي الطويلة، وكثرة غياب البديل فابيان ديلف، مع عدم جاهزية دانيلو في هذا المكان.

الفكرة أن أوليكساندر ليس مجرد حل طواريء، أي لاعب أحضره من مركز آخر لسد العجز في مباراة أو إثنتين، أو حتى التواجد فقط في المواجهات السهلة والضعيفة. لقد لعب زينشينكو أساسيا أمام فرق بقيمة تشيلسي ووست هام وبورنموث وساوثهامبتون، وبالطبع في نهائي كأس الرابطة بملعب ويمبلي الجديد، وقدم مردودا طيبا في كل هذه المباريات دون خوف أو تراجع.

الأوكراني لاعب وسط من الأساس، لعب أكثر في عمق الملعب وخلال المساحات الضيقة بالداخل، لذلك امتاز بلمسة جيدة في التمرير، ولديه ملكة الاحتفاظ بالهجمة تحت الضغط مع لعب الكرات البينية خلف المدافعين. مزايا أفادته بلا شك عند التحول إلى الطرف، حيث أن مميز في التمرير، الحيازة، الكرات التي تسبق التسديدات، لعب العرضيات، وبالطبع محاولة الفرص في نصف ملعب المنافسين.

من دون التطور لن تصل إلى شيء، مقولة تليق بكل مكان، وبالتالي فإن زينشينكو أيضا تطور بوضوح في الشق الدفاعي، بالتحديد في العرقلة المشروعة وافتكاك الكرات دون ارتكاب مخالفة، مع دخوله السريع في سيستم جوارديولا سواء بالتواجد على الخط الجانبي أو الدخول إلى عمق الملعب.

يضع بيب أظهرته في الداخل بعض الشيء، حتى يكون هناك ثلاثي صريح في عمق الملعب أثناء التحولات، بتواجد فرناندينيو إلى جانب الظهيرين بالعمق، وثبات الجناحين ستيرلينج وساني على الخط يمينا ويسارا. إطار تكتيكي استخدمه الكاتلوني مرارا وتكرارا، وتفاعل معه زينشينكو بسهولة لأنه في الأساس لاعب وسط، لذلك عند الاستحواذ فإنه يدخل إلى الارتكاز على مقربة من فرناندينيو مثلا، ويساهم في الخروج المنظم من الخلف، مع تمركز الأجنحة على الخط في موقف 1 ضد 1، وتحرر ثنائي الوسط الهجومي في وبين الخطوط داخل نصف ملعب الخصم.

أمام تشيلسي في ديسمبر، نجح ساري في ضرب هذه التركيبة بذكاء، من خلال الكرات الطولية تجاه الخط الجانبي من الملعب، بسبب تواجد الأظهرة باستمرار في العمق. فكرة استخدمها لاعبو تشليسي في ستامفورد بريدج، ونجحوا في تسجيل الهدف الأول نتيجة الفراغ خلف ديلف ووالكر يسارا ويمينا، لكن خلال مباراة إياب الدوري وأمام نفس الفريق بنهائي الكأس، تغيرت الأمور إلى الأفضل بالنسبة لسيتي، لأن جوارديولا وضع أظهرته على الخط، وأضاف لاعب وسط رابع على الجناح “برناردو”، والتزم زينشينكو تماما بمهامه الدفاعية كظهير أيسر حقيقي، لا لاعب وسط تم وضعه مجبرا في هذا المكان كسد خانة أو شيء من هذا القبيل.

إذا درسنا البنية التكتيكية لجوارديولا أو ما يعرف بالـ “سيت آب” المنظم للفريق، سنجد أن زينشيسنكو يلعب أكثر عندما يتواجد أمامه ستيرلينج وليس ساني، لأن الجناح الإنجليزي يتواجد على اليسار كخيار مقلوب، أي يقطع باستمرار إلى العمق أو يركض خلف الدفاع المتقدم ليربط مع أجويرو داخل الصندوق، بينما الألماني يفضل التواجد على الخط، المراوغة والتفوق في 1 ضد 1، لخلف الفراغ أمام صناع اللعب في العمق.

نعود لملاحظتنا، لماذا ستيرلينج وليس ساني؟ لأن زينشينكو وقتها يتواجد أكثر على الخط الجانبي، يغلق المساحات أمام أجنحة الخصم، ويترك مهمة الوسط للثلاثي “فرنا، دي بروين، سيلفا، ورابعهم برناردو”، أي ليس هناك أي حاجة لإضافة الأظهرة إلى هذه التركيبة، حتى يتكفل الثنائي بسد الثغرات على الأطراف، خصوصا أمام الفرق التي تملك أجنحة سريعة في التحولات، كبيدرو/ويليان/ هازارد في تشيلسي على سبيل المثال.

لن يفوز مانشستر سيتي بأربعة أو خمسة أهداف في كل مباراة، خصوصا خلال الفترة الحالية مع ضيق الوقت وكثرة المواجهات، لذلك هدف واحد يكفي أحيانا وهذا ما أجاده الفريق، الذي أصبح أقل حدة هجومية أمام المرمى، لكنه أفضل على مستوى الدفاع وتقليل عدد التسديدات وحجمها أمام حارسه إيدرسون. ويعود الفضل في ذلك إلى ضبط عملية التحولات بشكل أكثر دقة، نتيجة تواجد أكثر من لاعب يجيد الحيازة بالوسط، بالإضافة لتثبيت الظهيرين على الخط في الحالة الدفاعية، وتألق زينيشنكو من دون الكرة في تمركزه، تحركه، صراعاته الثنائية، ليحصل على خانة أساسية مستحقة، حتى في حالة عودة الأساسي ميندي.

من الممكن أن يفوز جوارديولا بكل شيء أو يخسر كل شيء في البطولات الثلاث المتبقية، لكن هناك أمور عديدة تحسنت للأفضل هذا الموسم بالنسبة لمانشستر سيتي، سواء في ظهور وجوه جديدة أو مع كبر شخصية عدد كبير من الأسماء، وبالتأكيد العمل التكتيكي المستمر في إصلاح العيوب واستحداث أفكار جديدة حتى لا يحفظ أحد طريقة اللعب، مثل ما يحدث حاليا مع كبير منافسيه على لقب الدوري.

 

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin