ماركو فيراتي.. حبيس “الفريندزون”!

تحليل- أحمد مختار

من الصعب بل المجحف انتقاد ماركو فيراتي أو تحميله أسباب الهزيمة أمام مانشستر يونايتد في دوري الأبطال. صحيح أن الإيطالي لم يلعب أفضل مبارياته في حديقة الأمراء، إلا أن فريقه سقط لأسباب أخرى لا تتعلق فقط بالتكتيك، كالأخطاء الدفاعية الساذجة، هفوة بوفون التي لا تغتفر، التوفيق الكبير للاعبي يونايتد، ونجاعة هجوم الإنجليز مقارنة بمبابي ورفاقه.

في النهاية خرج باريس كالعادة من الأبطال دون أي جديد يذكر، فريق يتقدم في الذهاب ويضع قدمه في الدور المقبل، ثم تُقلب عليه الطاولة في الإياب بسيناريوهات غير متوقعة بالمرة.

صورة من مباراة باريس ويونايتد

في وثائقي “كل شيء أو لا شيء” الخاص بموسم مانشستر سيتي، كانت هناك لقطة رائعة لجوارديولا وهو يتحدث مع لاعبيه في غرفة مغلقة، موجها لهم هذه الكلمات: “لستم أقل بأي حال من الأحوال كمستوى من الفرق الكبيرة، بل ربما في بعض الأحيان أفضل جماعيا. لكن هؤلاء “يقصد الفرق التاريخية” لديهم تجارب حافلة محلية وقارية، مباريات وذكريات وملاحم قديمة، بالتالي هم يؤمنون بقدراتهم، لديهم إيمان كامل باستطاعتهم فعل شي”.

قال نصا الآتي: “الفرق الوحيد بينكم وبين برشلونة وريال مدريد أنهم مؤمنون لأقصى درجة بذاتهم، شخصيتهم، فرقهم، تاريخهم. باريس سان جيرمان كفريق ليس لديه هذه الصفة، حدث ذلك مرارا وتكرارا بالسنوات الماضية. نعم لديهم حظ كارثي، نعم تفاصيل صغيرة أنهت كل شيء، لكن بالنسبة لي عدد كبير من الجمهور كان متوقعا سيناريو شبيه بين الشوطين، ليس أبدا لقوة مان يونايتد، مع كامل الاحترام والتقدير، لكن لأن باريس سان جيرمان واجه هذا الموقف سابقا.

توخيل ليس المذنب الأول أو حتى الثاني، كذلك هناك أخطاء فردية ساذجة من البعض، لكن لماذا يجب أن يُلام ماركو فيراتي كما يوضح العنوان؟ الحقيقة أن الأمر لا علاقة له من قريب أو بعيد بمباراتي يونايتد، بل يرتبط بنفس سهام الانتقادات الموجهة إلى نيمار بسبب أو من دون، لماذا تركت برشلونة وذهبت إلى باريس سان جيرمان بالأخص؟ وبالمثل للإيطالي، لماذا لم تنتقل إلى فريق آخر حتى هذه اللحظة؟

لا يتعلق السؤال بالتقليل من باريس، ولكن لأن الدوري الفرنسي فعليا لا يجب أن يؤخذ إلا كمحطة، لا أكثر ولا أقل!

إحصائيات لفيراتي

فيراتي لاعب مميز لأقصى درجة، لاعب وسط مساند وارتكاز دفاعي ريجستا، يجيد البناء من الخلف ويتفنن في الهروب من مصيدة الضغط، لذلك أفضل مكان له بالمركز 6، إما أمام رباعي الدفاع مباشرة كمحور ممرر، أو حتى لاعب ارتكاز إضافي على مقربة من قاطع الكرات.

في 4-3-3 أيام لوران بلان، لعب موتا أمام الدفاع ورابيو بالثلث الهجومي وبينهما فيراتي كهمزة وصل. ورفقة أوناي إيمري تواجد أكثر أسفل دائرة المنتصف وأمامه كلا من ماتويدي ورابيو على طرفي الريشة. وحاليا تحت قيادة توماس توخيل في رسم 3-4-2-1، فإنه لاعب الوسط الإضافي بجوار “الأنكور مان” ماركينهوس المختص بالافتكاك والقطع وكسر مرتدات المنافسين.

مع كل هذه الخطط والأدوار والمدربين، الإيطالي لاعب جيد إلى جيد جدا، قوي في التمرير، الحيازة، التمريرات التي تسبق التسديد، المراوغة، بالإضافة للعرقلة والافتكاك والعنف المشروع دفاعيا. هو فعليا حلم لأي فريق كبير، و”مشروع” لاعب وسط استثنائي لكنه سيقى مجرد “مشروع” طالما ارتضى بالتواجد بالدوري الفرنسي في أفضل سنوات عمره الكروية.

لا يتطور بالقدر المطلوب مؤخرا، بسبب ضعف الدوري الفرنسي وعدم وجود منافسين أقوياء لباريس، مع كثرة تغيير المدربين داخل النادي، من بلان الذي يميل إلى البناء، ثم أسلوب أوناي إيمري المباشر في التحولات السريعة، وأخيرا توخيل المولع بتغيير الخطط والتكتيكيات من لحظة لأخرى.

فيراتي

الدوري الفرنسي مناسب لأصحاب المهارات، الشباب والأعمار الصغيرة، أن يصعد كل لاعب من خلاله ويطور مردوده بالشكل المطلوب حتى ينتقل إلى بطولة أكبر، من أجل تنافسية حقيقية ومستويات أخرى من اللعب والخطط والتحولات وحتى التحديات البدنية العنيفة. فعلها هازارد قبل انتقاله إلى تشيلسي، توريه من فرنسا إلى برشلونة، أوباميانج إلى دورتموند ثم إنجلترا، والقائمة طويلة مع أمثلة لا تعد ولا تحصى من لاعبي منتخب فرنسا.

إذا عقدنا مقارنة سريعة بين فيراتي وأقرانه في نفس مركزه، هناك جورجينيو مثلا كان يصنف بأنه أفضل لاعب وسط في الكالتشيو، لكن عندما انتقل إلى إنجلترا وواجه فرق تضغط بقوة مع مرتدات خاطفة، سقط البرازيلي الإيطالي بعض الشيء في فخ الانتقاد، وأصبح على يقين كامل بحاجته إلى التطور والتحسن وتعديل جزء من طريقة لعبه حتى يصبح ارتكازا أقوى وأكثر شمولية.

الدوري الإسباني على سبيل المثال، بطولة مليئة بالفرق المتوسطة القوية التي تتألق في بطولات الدوري الأوروبي، مع ثلاثة عمالقة يتنافسون باستمرار في الشامبيونزليج، لذلك فإن مستوى لاعبي الوسط في تطور دائم. الأمر شديد الصلة بكل ما هو جديد، أن لا تتوقف أبدا عن العمل لأنك معرض في أي لحظة للنقد الذي يصل إلى حد التجريح في بعض الأحيان.

“من دون أخطاء لن تصل بعيدا، وإذا محونا المنافسة فإن مستوى أي لاعب/ فريق سيظل ثابتا دون زيادة أو نقصان”، قاعدة معروفة في مختلف الأكاديميات الكروية ويعاني منها باريس سان جيرمان بوضوح. فالبطل الفرنسي بلا منافس محليا، مجموعة تفتقد إلى الحافز بالدوري، وتعاني من نقص الإيقاع/ النسق لحسم البطولة المحلية قبل أن تبدأ، لذلك لا يصلون بعيدا في الشامبيونزليج، ولا يتطور نجومهم بالمعدل الطبيعي الملائم لقدراتهم وإمكاناتهم العالية.

يبدو الرقم 6 كالتلميذ النجيب الذي حصل على تقدير “جيد جدا” في أولى سنواته الجامعية، واكتفى بهذا التقدير طوال مسيرته مع نزوله إلى “جيد” في بعض الأحيان، مثل ذلك المسكين المحاصر داخل خانة الصداقة أو ما يعرف بالـ “فريندزون”، أي الحالة التي يتمنى فيها أحد أطراف الصداقة الدخول في علاقة رومانسية مع الآخر، بينما الطرف الآخر لا يريد ذلك لأنه يراه فقط كصديق أو أخ. فيراتي في خانة صداقة كروية، لا هو نجم في دوري تنافسي ومعدلات قوية، ولا هو لاعب يمكن وصفه بالضعيف أو المتوسط أو حتى الجيد، إنها معضلة تتطلب حلا سريعا من كلمة واحدة، ارحل!

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin