
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
في الرياضة، نحب أن نُحمّل النتائج فوق ما تحتمل. إذا خسر فريق، بحثنا عن مدرب. وإذا تراجع مستوى مسابقة، بحثنا عن إدارة. لكننا نادرًا ما نتوقف عند سؤال أعمق: ماذا يحدث في وعي الشريك التجاري حين تتراكم حول المسابقة سحابة من الجدل؟
الرعاية الرياضية ليست شعارًا على القميص، ولا لافتة على مدرج. هي ارتباط طويل الأمد بين اسم تجاري وصورة ذهنية. وكل شركة تدخل هذا المجال تدرك أنها تربط علامتها بقصة كاملة تتمثل في جماهير، وإعلام، وإدارة، وقرارات، وأزمات، وانتصارات. لكنها تراهن على أن الغلبة ستكون للصورة الإيجابية.
حين دخلت الشركة العمانية للاتصالات إلى واجهة المشهد الرياضي، كانت الفكرة واضحة: استثمار في الانتشار، وتعزيز للحضور، ومساهمة في استقرار مسابقة تحتاج إلى شريك قوي. ولسنوات تجاوزت العقد أصبح اسم الشركة جزءًا من ذاكرة الدوري؛ فالأمر لم يكن مجرد عقد، بل علاقة اعتياد. الجماهير تذكر الاسم مقرونًا بالمنافسة، والإعلام يردده يوميًا، واللاعبون يتعاملون معه كعنوان رسمي للبطولة. لكن هنا تكمن المفارقة؛ فكلما طال أمد الشراكة، ازداد الارتباط الذهني. وكلما ازداد الارتباط، تراجعت قدرة الجمهور على الفصل بين “المنظّم” و“الراعي”. في لحظات النجاح، هذا مكسب مزدوج.
لكن في لحظات الارتباك، يصبح الأمر أكثر حساسية. تخيل موسمًا تتصاعد فيه الانتقادات -وهذا حالنا في كل موسم- جدل حول قرارات إدارية، واعتراضات على آلية تنظيم، وحديث متكرر عن تراجع المستوى. وفي كل تغطية، يظهر اسم الراعي. ليس لأنه طرف في المشكلة، بل لأنه جزء من العنوان الرسمي. الأمر الذي يتسبب مع الوقت، في تكوّن علاقة غير مقصودة بين العلامة التجارية وكل ما يُقال عن المسابقة.
هذا ما يمكن تسميته بـ “الاستنزاف الهادئ للسمعة”؛ فلا بيان رسمي يتهم الشركة، ولا مقال يحمّلها مسؤولية مباشرة؛ لكن الاسم يتكرر داخل سياق سلبي. وفي عالم الأعمال، هذا كافٍ لرفع مؤشرات القلق. الشركات الكبرى تقيس كل شيء بدءًا من أقل التفاصيل وأدناها وصولاً إلى أكبرها وأعلاها؛ فحجم الظهور، وطبيعة التغطية، ونسبة الإشارات الإيجابية إلى السلبية، ومستوى التفاعل الجماهيري جميعها تعد مؤشرات قياس للشركة تحدد من خلالها بوصلتها على مستوي التوسع في الشراكة أم تقليصها. وإذا تحولت بيئة الظهور من مساحة احتفاء إلى مساحة جدل دائم، فإن السؤال يصبح داخليًا: هل ما نكسبه من الانتشار يوازي ما نخسره من استقرار الصورة؟
من غير الدقيق اختزال أي قرار انسحاب في سبب واحد. القرارات الاستراتيجية عادة متعددة الأبعاد: أولويات جديدة، وإعادة توزيع ميزانيات، وتحولات في الخطط التسويقية. لكن من المشروع أيضًا الاعتراف بأن البيئة الإعلامية والتنظيمية عنصر مؤثر في معادلة الاستمرار؛ فحين تشعر شركة بأن علامتها أصبحت جزءًا من نقاش متوتر لا تملك أدوات التحكم فيه، فإن البقاء يتحول من فرصة إلى مخاطرة محسوبة.
المشكلة لا تكمن في النقد. النقد ضرورة صحية لأي قطاع؛ بل إن غيابه مؤشر خلل. لكن الإشكالية تبدأ حين يغيب التفريق بين المسؤوليات ما بين الحدث والقائمين عليه وبين الراعي الذي يوفر أدوات نجاحه؛ فحين يُذكر اسم الراعي في سياق أزمة تنظيمية دون توضيح أنه ليس صاحب القرار. فعندها يتشكل في الوعي الجمعي رابط غير دقيق، لكنه مؤثر. وعندما تثار أزمة يكون الراعي في وسط معمعتها حول قضية كان بالإمكان تجاوز ها وعدم التوقف معها لمجرد الاستعراض الإعلامي، فهذا يجعلنا أمام مشهد مفكك لثالوث النجاح وقيادة دفة الرياضة لدينا (الراعي، والمؤسسة الرياضة، والإعلام).
ورغم ذلك، لا يمكن مطالبة الإعلام بتخفيف لهجته إذا كانت المعلومات شحيحة أو الإدارة مرتبكة. الشفافية في مشهد متأجج ليست ترفًا، بل خط دفاع أول عن الشراكات. كلما كانت العقود واضحة، والمؤشرات معلنة، وخطوط التواصل مفتوحة، والأهداف معلنة تراجعت مساحة الالتباس، وأصبح النقد أكثر تحديدًا وأقل تعميمًا.
واليوم، ومع انتقال الرعاية إلى “جندال”، لا يتعلق الأمر باسم جديد للدوري فقط. بل بإدراك أعمق للدروس السابقة؛ فالاستقرار لا يتحقق بمجرد توقيع عقد. بل يحتاج إلى بيئة تحمي كل ضلع في المثلث: المؤسسة، الراعي، والإعلام؛ فالراعي يريد وضوحًا.والمؤسسة تحتاج إلى دعم، والإعلام إلى فهم المسارات الإستراتيجية لممارسة رقابته، وحين يختل التوازن، يدفع الجميع الثمن.
الرياضة اليوم ليست نشاطًا هامشيًا. هي جزء من صورة وطن يسعى إلى تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، حيث يصبح الاستثمار في الرياضة امتدادًا لرؤية اقتصادية واجتماعية أشمل. وإذا أردنا أن تبقى الشركات الكبرى في المشهد، فعلينا أن ندرك أن السمعة في عصر الإعلام المفتوح أكثر هشاشة من أي وقت مضى. الكلمة قد لا تُسقط شراكة، لكنها قد تُراكم أثرًا،
والأثر، إذا تكرر، يتحول إلى قناعة، والقناعة تتحول إلى قرار. قرار لا يُتخذ في لحظة غضب، بل في اجتماع هادئ داخل قاعة مجلس إدارة، حيث تُعرض الأرقام، وتُقرأ التقارير، ويُسأل السؤال البسيط: هل يخدمنا هذا الارتباط كما ينبغي؟ إذا كانت الإجابة مترددة، يبدأ العد التنازلي.
الرعاية الرياضية ليست مسألة أموال تُضخ، بل ثقة تُحاط بعناية. وحين تُستنزف الثقة بصمت، ينسحب الشريك بصمت أكبر، ويبقى القطاع الرياضي يتساءل: لماذا رحل؟ بينما الإجابة كانت تتشكل تدريجيًا أمام أعين الجميع. إن حماية بيئة الاستثمار الرياضي لا تعني تجميل الواقع، بل تنظيمه، ولا إسكات النقد، بل توجيهه إلى موضعه الصحيح؛ لأن العلامة التجارية، مهما كانت قوية، لا تستطيع أن تتحمل وحدها عبء صورة لا تملك أدوات تشكيلها. وحين نفهم هذه المعادلة، ندرك أن استقرار الدوري لا يبدأ من جدول المباريات، بل من استقرار العلاقة بين من يديره، ومن يموله، ومن يراقبه.



