
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم تعد كرة القدم في عالم اليوم مجرد لعبة يتابعها الجمهور للمتعة أو يمارسها اللاعبون بدافع الشغف والتنافس. فقد تجاوزت هذه اللعبة حدود الترفيه لتصبح منظومة متكاملة تتقاطع مع الاقتصاد والثقافة والمجتمع، بل وأداة من أدوات القوة الناعمة التي تعزز حضور الدول في محيطها الإقليمي والدولي. ولم يعد تأثيرها مقتصرًا على نتائج المباريات أو انتقالات اللاعبين، بل امتد ليشمل صناعات واسعة تضم الإعلام الرياضي والتسويق وإدارة الفعاليات والسياحة الرياضية والاقتصاد الرقمي المرتبط بالمحتوى الرياضي.
وقد أدركت كثير من الدول هذا التحول مبكرًا، فتعاملت مع كرة القدم بوصفها قطاعًا اقتصاديًا حقيقيًا قادرًا على خلق فرص العمل وتحريك الاستثمارات وبناء الهوية الوطنية. أما في سلطنة عمان، فإن اللحظة تبدو مواتية لإعادة النظر في النظرة التقليدية لكرة القدم، بحيث لا تُعامل بوصفها نشاطًا ترفيهيًا محدود الأثر، بل قطاعًا إنتاجيًا واعدًا يمكن أن يسهم في تنويع الاقتصاد وفتح آفاق جديدة أمام الشباب في سوق العمل.
فالمنظومة الكروية لا تقتصر على اللاعبين وحدهم، بل تشمل شبكة واسعة من التخصصات المهنية؛ من المدربين ومحللي الأداء ومدربي اللياقة، إلى الإداريين ومنسقي الفرق، مرورًا بالإعلاميين والمتخصصين في التسويق الرقمي وإدارة المحتوى، إضافة إلى الكوادر الطبية في العلاج الطبيعي والتأهيل الرياضي. وتشير التجارب العالمية إلى أن هذه المنظومة قادرة على توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في العديد من المجالات، الأمر الذي يجعلها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا إذا ما أُحسن تنظيمه واستثماره.
ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع كرة القدم بوصفها قطاعًا مهنيًا منظمًا، بحيث تُعترف الوظائف المرتبطة بها كمسارات مهنية حقيقية ضمن منظومة سوق العمل، ويُدرج العاملون فيها ضمن نظام الحماية الاجتماعية. فكما يتمتع العاملون في بقية القطاعات بحقوق تقاعدية تضمن لهم الاستقرار بعد سنوات الخدمة، فإن العاملين في المجال الرياضي يستحقون بدورهم إطارًا مؤسسيًا يحفظ حقوقهم ويمنحهم الطمأنينة تجاه مستقبلهم المهني.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى سنوات احتراف اللاعب في الملاعب بوصفها جزءًا من مساره الوظيفي الحقيقي. فحين يختتم اللاعب مسيرته الرياضية وينتقل إلى وظيفة في القطاع العام أو الخاص، يمكن احتساب سنوات احترافه الكروي ضمن سنوات خدمته الوظيفية – لا سيما إذا لم يبلغ مجموع سنوات عمله الحد الذي يتيح له الاستحقاق التقاعدي – بحيث تُضم إلى سنوات عمله اللاحقة لأغراض التقاعد. كما يمكن اعتماد آلية مرنة تأخذ في الاعتبار متوسط الرواتب التي تقاضاها اللاعب خلال مرحلتي الاحتراف والعمل الوظيفي، ليكون هذا المتوسط أساسًا لتقدير راتبه التقاعدي وفق الضوابط التي ينص عليها قانون التقاعد في السلطنة. إن مثل هذا التوجه لا يحقق العدالة المهنية للاعبين فحسب، بل يعزز أيضًا فكرة أن كرة القدم يمكن أن تكون مسارًا مهنيًا حقيقيًا، لا مجرد محطة عابرة في حياة الشباب.
وإذا كان هذا التصور يربط المسار الرياضي للاعبين بمستقبلهم الوظيفي، فإنه يتيح أيضًا النظر إلى الصورة من الاتجاه المعاكس. فثمة العديد من الكفاءات العاملة في مؤسسات القطاعين العام والخاص تمتلك خبرات يمكن أن تثري العمل الرياضي، سواء في الأجهزة الفنية أو الإدارية أو في التخصصات المرتبطة بالتحليل الرياضي والإدارة والتأهيل. ومن هنا يمكن إتاحة مسار مهني مرن يسمح لهذه الكفاءات بالاحتراف في المجال الرياضي، مع احتساب سنوات خدمتهم السابقة ضمن مسارهم المهني عند انتقالهم إلى هذا القطاع، بحيث تتكامل خبراتهم الوظيفية مع سنوات عملهم في المجال الرياضي. ولعل الجمع بين شغف الهواية وعمق التخصص يمكن أن يثمر نتائج مهمة على مستوى تطوير اللعبة، إذ يمنح هذه الخبرات مساحة أوسع للإبداع وتقديم أفكار جديدة تسهم في الارتقاء بالعمل الرياضي.
إن مثل هذا الانفتاح بين المسارين يمكن أن يعزز من احترافية القطاع الرياضي، ويجعله أكثر قدرة على جذب الكفاءات والخبرات، الأمر الذي يسهم في تطويره وتسريع نموه المؤسسي. وعلى الرغم من أن التركيز هنا ينصب على كرة القدم بوصفها الرياضة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا، فإن هذه الرؤية يمكن أن تشكل بداية لمسار إصلاحي أوسع يمتد لاحقًا ليشمل بقية الألعاب والرياضات المختلفة.
ولكي تنجح هذه الرؤية في مراحلها الأولى، يمكن للحكومة أن تلعب دورًا داعمًا عبر المساهمة في تغطية جزء من رواتب العاملين في هذا القطاع – خصوصًا لاعبي كرة القدم – وفق ضوابط تنظيمية واضحة. فمثل هذا الدعم المرحلي يمكن أن يساعد الأندية على تحمل التكاليف في بداية التجربة، ويمنحها القدرة على بناء نموذج اقتصادي أكثر استقرارًا.
إن كرة القدم اليوم لم تعد مجرد تسعين دقيقة من المنافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت فضاءً واسعًا لصناعة الفرص وبناء الاقتصادات الرياضية الحديثة. وربما آن الأوان لأن ننظر إلى هذه اللعبة في سلطنة عمان من زاوية جديدة: زاوية الصناعة التي تصنع الوظائف، وتفتح أبواب الأمل أمام الشباب، وتسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.






