
بقلم: سالم ربيع الغيلاني
انتهى مشهد كارلوس كيروش في عُمان كما بدأ؛ محاطًا بالأسئلة أكثر من الإجابات. وبرحيله، لا تُطوى صفحة مدرب بقدر ما تُغلق مرحلة كاملة كشفت بوضوح لا يحتمل التأويل الفجوة بين القرارات الآنية والرؤية المؤسسية المفترضة. فالقضية لم تكن يومًا في اسم المدرب أو تاريخه، بل في الفلسفة التي تحكم مثل هذه التعاقدات؛ فهل نحن أمام مشروع يُبنى بتدرّج ووعي، أم أمام حلول سريعة تُدار بمنطق ردّة الفعل؟
لم يكن رحيل كيروش، إذًا، مفاجئًا بقدر ما جاء نتيجة طبيعية لمسار لم يكتمل؛ إذ لم تنجح التجربة في تحقيق الانسجام مع البيئة الكروية المحلية، لا في علاقته باللاعبين ولا في طبيعة خطابه الفني. فالمدرب -مهما بلغ تاريخه- لا ينجح إذا بقي خارج السياق الذي يعمل فيه، أو وضع نفسه فوق المنظومة التي يشرف عليها. وعندما تختل هذه المعادلة، يصبح الاستمرار مكلفًا، ليس على مستوى النتائج فحسب، بل على مستوى الاستقرار أيضًا. لذلك، بدا قرار فك الارتباط خطوة ضرورية؛ لا لإنهاء مرحلة فقط، بل لفتح أخرى أكثر اتزانًا..
وفي هذه اللحظة الانتقالية، يبرز اسم طارق السكتيوي كخيار يحمل قدرًا من الدلالات الإيجابية. فالتعاقد معه لا يبدو مجرد استبدال اسم بآخر، بل يعكس -نظريًا على الأقل- تحولًا في زاوية الاختيار؛ بالتعاقد مع مدرب صاعد، بسمعة متنامية، ينتمي إلى المدرسة المغربية التي رسّخت حضورها في السنوات الأخيرة كإحدى أبرز المرجعيات الكروية. هذه المدرسة، التي تجمع بين الانضباط التكتيكي والمرونة الهجومية، تبدو أقرب إلى احتياجات الكرة العُمانية، التي افتقدت طويلًا هذا التوازن. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التعاقد بوصفه خطوة محسوبة، تستند إلى سياق فني واعد، لا إلى رهانات عشوائية.
ومع ذلك، يبقى الحكم مؤجلًا. فالسكتيوي لم يباشر مهمته بعد، ولم يطرح وعودًا أو تصورات معلنة يمكن القياس عليها. غير أن مساره التدريبي يمنح إشارات أولية مشجعة؛ إذ تدرّج في بيئات تنافسية، وراكم خبرات متعددة، قبل أن يحقق حضورًا دوليًا لافتًا عبر سلسلة إنجازات متقاربة، من برونزية أولمبياد باريس إلى ألقاب قارية وإقليمية. وهي نجاحات لا تعكس النتائج فقط، بل تكشف أيضًا عن قدرة على العمل في سياقات تتطلب الجمع بين الانضباط والمرونة.
وتتجلى إحدى نقاط قوة السكتيوي في تجربته مع منتخب المغرب للمحليين، حيث تعامل مع لاعبين ضمن منظومات شبه احترافية، وهو واقع يقترب -في بعض تفاصيله- من البيئة العُمانية. هذه الخبرة تمنحه فهمًا عمليًا لطبيعة التحديات المرتبطة بهذا النوع من اللاعبين، من حيث التحفيز والانضباط وتطوير الأداء ضمن إمكانات محدودة. ومن ثم، فإن قدرته على إدارة هذه التوازنات قد تمثل عنصر قوة حقيقيًا في تجربته المقبلة.
ولن يبدأ السكتيوي من فراغ كامل، إذ سبق أن واجه منتخبنا الوطني في البطولة العربية ضمن مجموعة واحدة، في مباراة خرج منها منتخبنا بتعادل مستحق بعد أداء لافت. تلك المواجهة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل أتاحت له معاينة اللاعب العُماني عن قرب، والوقوف على خصائصه الفنية والذهنية. وهذه المعرفة المسبقة تمنحه نقطة انطلاق أوضح، وتختصر عليه جزءًا مهمًا من مرحلة التعرّف.
إلى جانب ذلك، يبرز البعد الثقافي واللغوي بوصفه عاملًا داعمًا لا يقل أهمية عن الجوانب الفنية؛ إذ يسهّل التواصل المباشر، ويختصر المسافة بين الفكرة والتطبيق، ويعزّز من بناء الثقة داخل المجموعة. وفي بيئة تسعى إلى استعادة انسجامها، قد لا يكون هذا العامل ظاهرًا للوهلة الأولى، لكنه كثيرًا ما يصنع الفارق في التفاصيل التي تحدد نجاح التجارب أو تعثّرها.
ومع ذلك، فإن كل هذه المؤشرات تظل محدودة الأثر إذا لم تجد ما يحتضنها على مستوى أوسع. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في هوية المدرب، بل في طبيعة المنظومة التي يعمل ضمنها، فالإشكال المزمن في كرتنا لم يكن يومًا في الأسماء بقدر ما كان في غياب الإطار المتكامل الذي يتيح لهذه الأسماء النجاح بوجود مسابقات محلية ذات جودة، وبنية تحتية فاعلة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة. وفي غياب هذا التكامل، تبقى التعاقدات -مهما بدت واعدة- محاولات قصيرة العمر، سرعان ما تتلاشى أمام ضغط الواقع.
في المحصلة، يبدو التعاقد مع السكتيوي خطوة موفّقة من حيث الاختيار، تجمع بين السمعة الجيدة والانتماء إلى مدرسة مناسبة، فضلًا عن امتلاكه خبرة قريبة من الواقع العُماني، ومعرفة مسبقة بلاعبي المنتخب. لكن النجاح الحقيقي لن يُحسم في اسم المدرب، بل في قدرة المنظومة على استثمار هذا الاختيار ضمن مشروع متكامل. فالتجارب الناجحة لا تُصنع بقرار واحد، بل برؤية تعرف كيف تحوّل البداية الجيدة إلى استقرار دائم.






