بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم يعد غياب الجمهور عن مدرجات الملاعب في عُمان مشهدًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل أصبح ظاهرة مركبة تستدعي قراءة متأنية تتجاوز ظاهرها إلى عمق تحولات العلاقة بين الجمهور والمشهد الرياضي. فذلك الجمهور الذي كان يومًا جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل المباراة، وصانعًا لنبضها وإيقاعها، لم يختفِ فجأة، بل انسحب تدريجيًا، وكأن خيطًا غير مرئي انقطع بينه وبين المدرج، فغاب الحضور وبقيت الأسئلة معلقة تبحث عن تفسير مقنع.
في الماضي، لم يكن الذهاب إلى المباراة حدثًا استثنائيًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا للحياة اليومية. الملاعب كانت قريبة من الأحياء، تتبع الأندية التي ينتمي إليها المشجع وجدانيًا قبل أن ينتمي إليها تشجيعيًا. كان المشجع يذهب إلى “ملعبه”، حيث يعرف الوجوه، وتتشكل العلاقات، ويشعر أن المكان يعكس هويته. لم تكن المسافة عائقًا، ولا القرار معقدًا؛ بل كانت التجربة بسيطة، دافئة، ومشبعة بالإحساس بالانتماء. غير أن هذا المشهد تغيّر مع الانتقال إلى المجمعات الرياضية الحديثة، حيث أصبحت الملاعب أبعد جغرافيًا، وأقل ارتباطًا بالذاكرة المحلية للمشجع، فتحول “ملعب النادي” إلى “منشأة عامة”، وتراجع بذلك ذلك الخيط العاطفي الذي كان يشد الجمهور إلى المدرج.
لكن هذا التحول المكاني لم يكن العامل الوحيد، بل تزامن مع تغيرات أوسع في نمط الحياة؛ فالجمهور اليوم يعيش في بيئة مفتوحة على خيارات لا نهائية من الترفيه، حيث تقدم التقنية بدائل سهلة وسريعة وأكثر تنوعًا، ولم تعد المباراة المحلية وحدها كافية لتبرير عناء الحضور، خاصة إذا لم تُقدّم ضمن تجربة أوسع تشبع تطلعات الجمهور الجديد، الذي بات يقارن -بوعي أو دون وعي- بين ما يراه عالميًا وما يُعرض عليه محليًا.
ومع ذلك، فإن هذه المشهد لا يخلو من إشارات إيجابية تؤكد أن المشكلة ليست في غياب الجمهور بقدر ما هي في غياب التجربة الجاذبة. ويكفي أن نستحضر نهائي الكأس الأخير، حيث نجحت وزارة الثقافة والرياضة والشباب في تقديم نموذج مختلف، حين لم تكتفِ بتنظيم المباراة، بل أحاطتها بحزمة من الفعاليات والأنشطة التي جذبت العائلات، فامتلأت أجزاء واسعة من المدرجات بالحضور والتفاعل، رغم أن طرفي النهائي ليسا من الأندية الجماهيرية. لقد كان الحدث أقرب إلى مهرجان متكامل، لا مجرد مباراة، وهو ما يكشف بوضوح أن الجمهور لا يزال حاضرًا حين يجد ما يستحق الحضور.
من هنا، تتجه الرؤية نحو إعادة تعريف وظيفة المجمعات الرياضية، بحيث لا تبقى مجرد أماكن تُقام فيها المباريات، بل تتحول إلى وجهات متكاملة للحياة والترفيه. فتخيّل مجمعًا رياضيًا لا يُقصد فقط عند صافرة البداية، بل يعج بالحركة طوال الأسبوع؛ يضم مدينة ألعاب كهربائية تستقطب الشباب، وحديقة مائية تمنح العائلات مساحة للمتعة، ومسطحات خضراء واسعة تحيط بالمكان وتمنحه بعدًا إنسانيًا مفتوحًا، إضافة إلى مقاهٍ ومطاعم تخلق بيئة اجتماعية حيوية، وفندق يتيح استضافة الفرق والزوار ويعزز من استدامة النشاط في الموقع. في مثل هذا النموذج، يصبح الحضور إلى المجمع خيارًا ترفيهيًا متكاملًا، وتأتي المباراة كجزء طبيعي من هذه التجربة، لا كسببها الوحيد.
كما يمكن تعزيز هذا التوجه عبر تصميم برامج فعاليات أسبوعية ثابتة، تتزامن مع مباريات الدوري، بحيث تتحول أيام المباريات إلى مناسبات نابضة بالحياة؛ عروض ترفيهية، أنشطة للأطفال، مسابقات، وأسواق مصغّرة، كلها تُربط بتذاكر الحضور، لتمنح المشجع قيمة مضافة تتجاوز حدود المباراة. وهنا، لا يعود شراء التذكرة مجرد دخول إلى المدرج، بل يصبح بوابة ليوم متكامل من الترفيه والتفاعل الاجتماعي.
إن مثل هذه المشاريع لا تقتصر أهميتها على جذب الجمهور فحسب، بل تفتح بابًا مهمًا للاستدامة المالية؛ فالعوائد الناتجة عن هذه المرافق -من مدن الألعاب والمطاعم والمقاهي والفندق- يمكن توجيهها مباشرة إلى تطوير المجمعات نفسها، سواء من حيث صيانة المرافق، وتحسين المدرجات، أو تحديث الصالات الداخلية، أو رفع جودة الخدمات والبنية التحتية بشكل عام، إلى جانب تسديد رواتب الموظفين والعاملين فيها. وبهذا تتحول المجمعات من عبء تشغيلي إلى منظومة قادرة على تمويل ذاتها، وتطوير مرافقها بصورة مستمرة دون الاعتماد الكامل على الموازنات الحكومية.
ولكي يتحقق هذا التحول، لا بد من إدارة تفكر بعقلية استثمارية، وهو ما يفتح المجال أمام جهاز الاستثمار العماني للعب دور محوري في تطوير هذه المجمعات وتحويلها إلى أصول اقتصادية منتجة، سواء عبر تنفيذ المشاريع بشكل مباشر أو من خلال شراكات مدروسة مع القطاع الخاص. فالإمكانات متوفرة، والمساحات قائمة، وما ينقص هو توظيفها ضمن رؤية متكاملة تربط بين الترفيه والاقتصاد والرياضة.
في المحصلة، يمكن القول إننا فقدنا الارتباط القديم القائم على القرب والانتماء المكاني، دون أن نبني بديلًا يواكب تحولات العصر. واليوم، تبرز فرصة حقيقية لإعادة صياغة هذه العلاقة، ليس بالعودة إلى الماضي، بل بصناعة تجربة جديدة أكثر ثراءً واتساعًا. تجربة تجعل من المجمع الرياضي فضاءً للحياة، ومن المباراة جزءًا من يوم ممتع، وحينها فقط سيعود الجمهور لا بدافع الواجب، بل بدافع الرغبة.







