المتحدث الإعلامي.. ضرورة لا ترف

بقلم- سالم ربيع الغيلاني

لم تكن خطوة الاتحاد العُماني لكرة القدم بتعيين متحدث إعلامي رسمي مجرد قرار إداري عابر، ولا تفصيلًا تنظيميًا يمكن المرور عليه سريعًا، بل بدت وكأنها إعلان هادئ عن بداية مختلفة في طريقة فهم مؤسساتنا الرياضية لعلاقتها بالجمهور، وبالفضاء العام من حولها. فهي، على الأقل في حدود ما نعرف، تجربة غير مسبوقة في قطاعنا الرياضي التنافسي، إذ لم نعتد من قبل أن يكون للاتحاد صوت رسمي محدد، يتحدث باسمه، ويوضح مواقفه، ويقارب قضاياه بلسان مؤسسي واضح. ولهذا، فإن قيمة الخطوة لا تنبع فقط من ندرتها، بل من المعاني التي تحملها، ومن الأسئلة التي تثيرها حول طبيعة المرحلة التي وصل إليها العمل الرياضي، وحول حاجته إلى أدوات أكثر نضجًا في التواصل، وأكثر قدرة على صون الثقة وبناء السمعة.

ومع كل تجربة جديدة، يسبق الحكمُ التأملَ في كثير من الأحيان. وهذا ما حدث إلى حد بعيد مع هذه الخطوة؛ إذ انشغل كثيرون، في وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض المنصات الإعلامية، بتفاصيل الأداء اليومي، وبالأشخاص أكثر من انشغالهم بجوهر الفكرة نفسها. طُرحت أسئلة كثيرة عن مدى نجاح التجربة، وعن مدى توفيق الاتحاد في اختيار الشخص المناسب، وعن قدرة المتحدث الإعلامي على القيام بدوره كما ينبغي. وكل ذلك مفهوم ومشروع، لكنه لا يلامس لبّ القضية. لأن السؤال الأعمق، والأجدر بأن يُطرح بهدوء ومسؤولية، ليس: هل نجح الشخص أم أخفق؟ بل: هل نحن، أصلًا، بحاجة إلى هذا الدور؟ وهل كان الاتحاد موفقًا حين قرر أن يمنح نفسه صوتًا مؤسسيًا واضحًا في هذا التوقيت؟

حين نطرح السؤال بهذه الصورة، تتسع زاوية النظر، ويصبح النقاش أكثر عدلًا وأقرب إلى فهم التحولات التي تعيشها المؤسسات اليوم. فالعالم من حولنا لم يعد كما كان، والصورة لم تعد تُبنى وحدها، والثقة لم تعد تُمنح تلقائيًا، والمؤسسة التي لا تتحدث بوضوح قد تجد نفسها موضوعًا لحديث الآخرين، وتفسيرهم، وتأويلهم، وربما إسقاطاتهم أيضًا. وفي زمن تتسارع فيه المعلومة، وتتشكل فيه القناعات أحيانًا من تغريدة، أو مقطع مجتزأ، أو تعليق عابر، لم يعد الصمت دائمًا حكمة، كما لم تعد العفوية كافية لإدارة الحضور العام للمؤسسات.

من هنا، تبدو العودة إلى مفهوم الاتصال المؤسسي ضرورة لفهم هذه الخطوة في سياقها الصحيح. فالمؤسسات الحديثة لم تعد تنظر إلى الإعلام والعلاقات العامة بوصفهما مجرد نافذة لنشر الأخبار أو تغطية المناسبات، بل بوصفهما جزءًا أصيلًا من صناعة المعنى داخل المؤسسة وخارجها. الاتصال المؤسسي، في جوهره، ليس نشاطًا هامشيًا يُمارس على أطراف العمل، بل هو قلبٌ موازٍ له؛ ينظم العلاقة مع الداخل كما ينظم العلاقة مع الخارج، ويصوغ الرسائل، ويرتب الأولويات، ويحمي الصورة، ويؤسس لخطاب متزن يعكس قيم المؤسسة ورؤيتها وتوجهها.

وحين نُسقط هذا الفهم على قطاعنا الرياضي، تتضح الحاجة أكثر. فالرياضة لم تعد مجرد نتائج في الملعب، ولا مجرد منافسات تنتهي بصفارة الحكم، بل أصبحت مجالًا عامًا مفتوحًا على التفاعل والجدل والتوقعات والانفعالات، وفي أحيان كثيرة على الأزمات أيضًا. والجمهور الرياضي، بطبيعته، جمهور شديد القرب من التفاصيل، سريع التفاعل، عالي الحساسية تجاه كل ما يلامس ناديه أو منتخبه أو اتحاده. وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تعمل المؤسسة جيدًا، بل يجب أيضًا أن تعرف كيف تشرح، وكيف تطمئن، وكيف توضح، وكيف تقدم نفسها للناس بالصورة التي تليق بها. وهنا تحديدًا، لا يصبح المتحدث الإعلامي ترفًا وظيفيًا، بل يتحول إلى ضرورة تمليها طبيعة المرحلة.

لكن الإنصاف يقتضي، في الوقت نفسه، ألا نطالب التجربة الوليدة بما لا يُطلب إلا من التجارب الناضجة. فمن الظلم أن نحمّل فكرة جديدة كل أخطاء البدايات، أو أن نحاكمها من لحظتها الأولى وكأنها مرت بكل مراحل التأسيس والتقويم والتطوير. التجارب، مثل البشر، تنضج مع الوقت، وتتعلم من عثراتها، وتحتاج إلى مساحة كي تختبر ذاتها، وتصحح أدواتها، وتفهم حدودها وإمكاناتها. وأي خطوة جديدة، خصوصًا حين تكون الأولى من نوعها، ستواجه بطبيعة الحال شيئًا من الارتباك، وبعض النقص، وربما سوء الفهم أيضًا. غير أن هذا كله لا ينبغي أن يكون سببًا لإطفاء الفكرة، بل دافعًا لتحسينها وتثبيتها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه النقد هنا هو أن يكون نقدًا حريصًا لا قاسيًا، نقدًا يرى الخلل لكنه لا يتمنى السقوط، يشير إلى مواضع الضعف من أجل المعالجة لا من أجل الإلغاء. فالمؤسسات لا تبني وعيها الاتصالي دفعة واحدة، بل عبر التراكم، وعبر المحاولات التي تنجح أحيانًا وتتعثر أحيانًا أخرى. وما نحتاجه فعلًا هو أن نتعامل مع هذه الخطوة بوصفها فرصة للتطوير، لا ذريعة للتشكيك. لأن نجاحها، في نهاية المطاف، لن يكون مكسبًا للاتحاد وحده، بل قد يفتح الباب أمام بقية مؤسساتنا الرياضية لتعيد النظر في أدواتها، وفي طريقة حضورها، وفي مستوى وعيها بأهمية الكلمة حين تُقال باسم المؤسسة.

أما على المستوى الإنساني، فمن العدل أيضًا أن ننظر إلى من يقوم بهذا الدور بعين تفهم طبيعة البداية، لا بعين الترقب المتحفز للعثرة. فالزميل سيف الجابري، الذي أسندت إليه هذه المهمة، لم يأتِ إلى هذا الموقع من خبرة سابقة مباشرة في وظيفة المتحدث الإعلامي، كما أن هذا الدور نفسه لا يزال جديدًا على بيئتنا الرياضية برمتها. لكن بعض المهام لا يصنعها التاريخ المهني وحده، بل تصنعها أيضًا القابلية للتعلم، والوعي، والحضور الذهني، والقدرة على التوازن، وامتلاك حس المسؤولية في التعبير عن المؤسسة. وهذه أمور لا تظهر كاملة من اللحظة الأولى، وإنما تتشكل مع التجربة، وتترسخ بالممارسة، وتنمو حين تجد دعمًا مؤسسيًا حقيقيًا، لا مجرد تكليف شكلي.

وفي تقديري، فإن المسألة الأهم من كل ذلك هي أن يدرك صانع القرار في مؤسساتنا الرياضية أن وجود متحدث إعلامي ليس ترفًا تنظيميًا يمكن تأجيله إلى حين، ولا منصبًا تجميليًا يُضاف إلى الهيكل الإداري من باب الحداثة الشكلية، بل هو تعبير عن وعي جديد بأن المؤسسة التي تريد أن تحمي صورتها، وتكسب ثقة جمهورها، وتدير علاقتها بأصحاب المصلحة على نحو أكثر اتزانًا، لا بد أن تمتلك خطابًا واضحًا، وصوتًا مسؤولًا، وشخصًا يعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، ولماذا يتحدث.

في النهاية، ربما لا تكون هذه الخطوة مكتملة اليوم، وربما لا تزال في أول الطريق، لكن ذلك لا ينتقص من قيمتها، بل يؤكد حاجتنا إلى احتضانها وتطويرها. فبعض الأفكار لا تظهر أهميتها كاملة عند ولادتها، وإنما تتكشف ضرورتها مع الزمن. والمتحدث الإعلامي، في هذا السياق، ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل جسر ثقة، وواجهة وعي، وأحد ملامح النضج المؤسسي الذي ينبغي أن نمضي إليه بثبات. لأن المؤسسات، مثل البشر، تُعرف أيضًا من لغتها، ومن طريقتها في الحديث عن نفسها، ومن قدرتها على أن تجعل الكلمة بابًا للفهم، لا ساحةً للالتباس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى