فرانك ريبيري .. المجازفة الأخيرة ..!

تقرير – محمد العولقي

فرانك ريبيري .. ديك فرنسي لا يكف عن الصياح ، انتهى عقده مع بايرن ميونخ الألماني هذا الموسم بعد أن بلغ حافة السادسة والثلاثين من عمره، توقعنا أن يذبح الديك الفرنسي بحجة أنه شاخ وهرم، وبلغ حافة الإفلاس الفني والبدني.

توقعنا أن تختزل مسيرته الكروية المظفرة التي صنعها طوال 12 عاما رفقة فريقه بايرن ميونخ، توقعنا أن يتقاعد الديك الفرنسي، أو ينهي مشواره لاجئا في دوريات الخليج، حيث تقاعد النجوم الذين يرون في دوريات الخليج المحطة الأخيرة.

لكن.. فرانك ريبيري خالف كل تلك الأعراف والتقاليد، فضل أن يكتم صرخته الأخيرة في ملاعب أوروبا حتى إشعار آخر، فجأة ودون مقدمات أبرق نادي فيورنتينا الإيطالي إشهارا ليس كباقي الإشهارات في الكالشيو. في هدوء وبعيدا عن عسس الكالشيو، أنهى فيورنتينا إجراءات ضم الديك الفرنسي فرانك ريبيري لموسمين، يتقاضى فيهما الفرنسي ثمانية ملايين يورو، بواقع أربعة ملايين يورو كل سنة.

ريبيري يوقع لفيورنتينا هذا الموسم

اندهش العالم ووقف عشاق بايرن ميونخ الألماني على أطراف أعصابهم وهم يتابعون دراما ريبيري غير المتوقعة، وصرخ نيكو كوفاتش مدرب بايرن ميونخ من الألم: لقد تعرض ريبيري للخيانة.

لم تكن تلك الخيانة التي تحدث عنها كوفاتش من بنات أفكار ريبيري، لكنها في الواقع كانت قناعة من إدارة البايرن بأن القيصر (اللقب الذي أطلقه جمهور البايرن على ريبيري) على أبواب التقاعد النهائي.

ترى كيف فكر ريبيري في مجازفته الاخيرة؟ كيف اقتنع بخوض أصعب تحد في رمق مشواره الأخير؟ لماذا غير بوصلة رحيله من أمريكا أو الصين أو الخليج، ليحل محترفا ثقيلا على فلورنسا المدينة التي غنت ذات يوم للحكيم البرازيلي سقراط؟ كيف تعامل البايرن مع آخر قياصرة بافاريا المحترمين؟ تلك الاستفهاميات تحمل بين علاماتها كل أسرار مجازفة ريبيري الأخيرة.

القيصر الذي لا يعوض

ذات صيف مشحون بانهيار بورصة بايرن ميونخ محليا وأوروبيا، حلق في سماء بافاريا صحنا فرنسيا طائرا مسكون بكل حوريات البحور، فرد جناحيه في (إليانز آرينا)، ثم هبط بسلام قادما من مرسيليا الفرنسي، تسبقه سمعته المدوية التي صنعها في بطولة كأس العالم بألمانيا عام 2006.

لم يكن أكثر المتفائلين في بايرن ميونخ يتوقع أن تدوم إقامة الفتى الفرنسي الطائر فرانك ريبيري 12 عاما بالتمام والكمال ..
لم يكن أحد يتصور أن يكون ريبيري سببا مباشرا في تخمة الألقاب التي حصدها بغزارة أمطار الصيف ..؟

مع أول موسم للقيصر الجديد مع فريقه الكبير، حول بايرن ميونخ إلى لوحة متموجة ، كان موج البايرن مع ريبيري عاتيا ، يبتلع المنافسين ، ثم يضع روشتة إبداع ثلاث مرات أسبوعيا قبل ووسط وبعد الأكل ..

مشى ريبيري على مجموعة نيازك ، ووضع قدميه على سطح القمر وهو يتلو الكثير من أشعاره الكروية التي أسمعت من به صمم في بافاريا ..

في رمشة عين استولى القيصر الجديد على مشاعر كل جماهير بايرن ميونخ ، لقد عادت مدرجات (إليانز آرينا) تئن من وطأة التدفق الجماهيري الكبير بعد خصام طويل طويل ، لم يبدده سوى هذا الفرنسي المتمرد على كل التقاليد الجامدة في بايرن ميونخ.

وبين موسمه الأول عام 2007 وموسمه الأخير هذا العام انتهت مسيرة ريبيري مع بافاريا، انتهت قصة العشق والغرام بين هذا الديك الفصيح وبايرن ميونخ ، لكن بعد أن منح النادي الألماني مسيرة حافلة بكل الألقاب الجماعية والفردية.

انتهت رحلة ريبيري مع بايرن ميونخ نهاية سارة كما بدأها تماما، فرحلته المثيرة شهدت التتويج بواحد وعشرين لقبا ، توزعت بين ثمان مرات دوري، وخمس مرات بطولة كأس المانيا ، وأربع مرات كأس السوبر الالماني ، إلى جانب لقب دوري أبطال أوروبا والسوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية وكأس الدوري الألماني.

لا ينسى عشاق هذا اللاعب المرح أنه تعرض عام 2013 لمجزرة من الفيفا عندما حرم من التتويج بالكرة الذهبية، مع العلم أنه فاز بكل الألقاب الممكنة ذلك الموسم، ربما كان فوزه بلقب أفضل لاعب في أوروبا عن نفس العالم فيه بعض العزاء لهذا الفرنسي المبدع والذي يصعب تعويضه.

مجازفة تحبس الأنفاس

“نعم .. إنها السن الحرجة .. لكن مع رجل محافظ مثل فرانك ريبيري يمكنه أن يحتفظ بشبابه حتى سن الأربعين” كما لو أن أذني ريبيري التقطتا تلك العبارة التي ألقاها كارل هينز رومينيغه رئيس نادي بايرن ميونخ في وداعية معبود الجماهير البافارية، ود فيها مجاملة أهم قيصر مر على البايرن في الألفية الجديدة.

على بعد شهر من الرحيل تلقى فرانك ريبيري الكثير من العروض، من أمريكا والصين وفرنسا والخليج العربي، ووضع كل تلك العروض قيد الدراسة، شيء ما لنقل أنه الحدس كان يحرض ريبيري على رفض تلك العروض التقاعدية مع نهاية الخدمة.

وبينما كان ريبيري غارقا في التفكير جاءه اتصال من زميله السابق في البايرن المهاجم الإيطالي لوكا توني، الهداف الذي تذوق طعم الشهد والعسل مع ريبيري قبل تسع سنوات “فرانك .. نادي فيورنتينا يرغب في ضمك هذا الموسم، والدافع أنك لاعب كبير بقيمة ثابتة يحتاجها الفريق في هذا الظرف الصعب”.

هكذا بدأ لوكا توني محادثته الطويلة مع ريبيري، شعر الفرنسي لحظتها بأنه يعود للواجهة من بوابة صعبة للغاية. لا ينكر ريبيري أنه عاش لحظات عصيبة يفكر فيها في عرض فيورنتينا، لم ينم ليلتها، كما لو أن مكالمة لوكا توني فتحت أمامه مغارة علي بابا، و يا لها من مغارة شائكة صعبة و عويصة.

جال بخاطره زمن فيورنتينا في ثمانينات القرن الماضي، تذكر الفيلسوف سقراط، والقائد الأرجنتيني الكبير دانيال باساريللا ، ولم يفته بالطبع موقف الفريق الصعب الموسم الماضي عندما كاد يلقى حتفه لولا معجزة الجولة الأخيرة.

شيء ما كان يحرض ريبيري على ضرورة الخوض في مجازفته الأخيرة مع فيورنتينا ، إحساس مختلف سيطر على كيان القيصر الجديد ، دعونا نقترب من مرآة ريبيري عن تلك اللحظة:

” لست أدري .. شعور متناقض .. من جهة يطلبني فريق في الدوري الإيطالي له مكانته هناك ، ومن جهة أخرى تلك الدعوة تتطلب مني تحديا يتعلق بتجديد شبابي .. شعور انتهى لصالح التحدي”

وصفت صحيفة (لاجازيتا ديللوسبورت) الإيطالية الشهيرة صفقة ريبيري بأنها صفقة الموسم، لكنها تساءلت: هل يمكن للاعب على حافة السادسة والثلاثين مجاراة الكرة الإيطالية التي يسيطر التكتيك الدفاعي على عقول مدربيها..؟

سؤال لم يغب عن بال ريبيري، لأنه حسم الأمر نهائيا بعد جلسة خاطفة مع الفيورنتيني السابق لوكا توني رفيق رحلة العمر في بايرن ميونخ “لا تكن قلقا يا فرانك، هنا ستبقى منبعا للفريق، وستتضاعف محبتك مليون مرة، لا تفكر كثيرا، فأنت والمجازفة وجهان لعملة واحدة”

وبدون أن يتبادل مع لوكا توني كلمة وقع ريبيري مع الفريق الإيطالي بعد أن تجاوز الفحص الطبي بنجاح.

فنان في فخ المشانق الدفاعية ..

الكرة الإيطالية كرة قاسية وعنيفة، تحافظ دوما على تقاليد الكتناشيو ، تلك المدرسة التي وضع مداميكها مدرب إنتر ميلان في الستينيات الساحر هيلينيو هيريرا ..

هناك لا يمكنك أن تكون مبدعا فقط، عليك أن تكون مقاتلا بكل سيوف و رماح وخناجر العصور الوسطى، حتى يمكنك التخلص من كل المشانق الدفاعية الصعبة.

هل يمتلك ريبيري تلك الروح القتالية في دوري تسيطر عليه الانفعالات الدفاعية ..؟

لا يختلف اثنان في العالم على أن ريبيري لاعب فنان ومبدع كبير قل ما نشاهد جناحا مثل ، لكن تلك الميزة لا تعني الكثير عند مواجهة فرق إيطالية تشنق اللعب مليون مرة في المباراة الواحدة..

منذ أن دخل ريبيري السن الحرجة عانى كثيرا من الإصابات في الدوري الألماني، المختلف من حيث الإيقاع عن الدوري الإيطالي. بعض النقاد اعتبروا تلك الإصابات إحدى علامات غروب شمس ريبيري، في حين اعتبرها آخرون مجرد لعنة وسوء حظ لا غير.

بايرن ميونخ لم يشأ التجديد لفرانك ريبيري لموسم واحد، فهو يعلم أنه امتص كل مقومات وجهود ريبيري، ومن الأفضل له مغادرة مسرح الأحلام في أحسن أحواله.

فيورنتينا هو الآخر لم يستقدم ريبيري ليمارس مرحلة استجمام على شاطئ مدينة الفنون الخالدة، لكنه وضع ثقته في ريبيري بحثا عن أمجاده الغابرة، وبحثا عن قائد حقيقي يشعل في اللاعبين روح التحدي.

يعلم ريبيري أنه ليس في نزهة يتجول فيها في مسارح ومنتديات فلورنسا الإيطالية، يعلم تماما أن فيورنتينا يلقي الحمل الثقيل على كاهله لأجل التوقيع على موسم رياضي كبير وناجح.

مرة أخرى هل يمتلك ريبيري حافزا معنويا كي يجسد كل تلك الأحلام التي رمى فيورنتينا بثقلها على كتف..؟ جابة هذا السؤال ربما تنطلق من روح فرانك ريبيري المرحة، التي اعتادت على التخلص من كافة الضغوط بدعابة أو نكتة أو لقطة كوميدية ساخرة تخفف من أوار أبعاد تلك الضغوط الحارة.

أهم ما يميز ريبيري في الظروف الصعبة أنه صاحب عزيمة فولاذية لا تلين ، فهو دائما يتألق عندما يلعب تحت الضغط ، ويبدع أيما إبداع عندما يلعب في ظروف دفاعية سيئة.

لكن علينا بالمقابل الاعتراف أن في ظل دوري إيطالي قوي بدنيا وخططيا قد لا يستطيع ريبيري خوض مباراة كاملة، وإذا أضفنا إلى تلك الحقيقة الواقعية الأجواء الجديدة وصعوبة التكيف مع تراث الكرة الإيطالية، تصبح مجازفة ريبيري من الطراز العالي، طراز خاص يستحق المتابعة.

القائد هل يبعث من جديد ..؟

من مواجهة فيورنتينا ويوفنتوس

في مباراة فيورنتينا ويوفنتوس الأخيرة لحساب الجولة الثانية من الكالشيو، برع ريبيري في الجهة اليسرى بفضل مهاراته المدهشة، أمكنه إلى حد بعيد ترويض مزاج جماهير فيورنتينا الصعب، كما تلقى الكثير من التشجيع من لاعبي فريقه.

كاميرا خاصة كانت تراقب ريبيري في الملعب كظله، تحصي أنفاسه وتقيس ردود أفعاله، كانت الكاميرا ترصد كل تحركات الفرنسي، تمت عملية غربلة مردود ريبيري وتمحيصه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.

سجل ريبيري كفاءة عالية من حيث المراوغة وتجاوز ظهير يوفنتوس الأيمن ، كما قدم بعضا من عرضياته الصاخبة في أكثر من لقطة.

لم يفوت النقاد والمحللون قتالية ريبيري ورغبته الكبيرة في تدوين موسم كبير مع فيورنتينا، لكن مخزون ريبيري البدني بدأ يقل وينفد مع منتصف الشوط الثاني، وهو أمر اعترف به مدرب الفريق الذي سارع إلى تغييره بعد أن أدى دوره جيدا.

لم يؤخذ على ريبيري ذلك الإنهاك الذي سيطر عليه مع منتصف الشوط الثاني، فأي لاعب يخوض تجربته الأولى في إيطاليا من الطبيعي أن يشكو من الوهن وبعض العطب.

انتهت المباراة بالتعادل في وقت كان فيورنتينا هو الأخطر على مرمى يوفنتوس المستحوذ على كل مقدرات الكرة الإيطالية منذ عشر سنوات ، ونجح ريبيري في طمأنة جماهير فيورنتينا بأن القادم بعد التكيف مع الأجواء سيكون أكثر إقناعا.

يسعى ريبيري في مجازفته الأخيرة إلى إثبات أنه لم ينته، كما سيعول فيورنتينا عليه كثيرا لضمان مركز مؤهل إلى الدوري الأوروبي الموسم القادم ، لكن الواقع يقول إن ريبيري بحاجة إلى مجهود مضاعف، لينقل فيورنتينا من الظلمات إلى النور، وكم ستكون مهمة ريبيري بالغة الصعوبة عندما سيكتشف أن هذا الفريق حل الموسم الماضي في المركز السادس عشر، بعد أن أفلت من الهبوط بدعاء الوالدين ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى