الـ”VAR” في دورينا

بقلم- سالم ربيع الغيلاني

بعض القرارات في كرة القدم لا تُقاس بقيمتها التقنية فقط، بل بما تحمله من دلالات على اتجاه البوصلة. وإدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) إلى مسابقاتنا المحلية ليس مجرد تحديث تقني متأخر، بل لحظة مفصلية تعكس محاولة جادة لمراجعة المسار، أو على الأقل الاعتراف بأن الطريق القديم لم يعد صالحًا للمستقبل.

بعد سنوات من الجدل والمطالبات والوعود التي بقيت معلقة في فضاء التمني، وصل الـVAR أخيرًا. خطوة جاءت متأخرة، نعم، لكنها جاءت في توقيت حساس، حيث تقف الكرة العُمانية عند مفترق طرق حقيقي بين البقاء في دائرة الاجتهادات التقليدية، أو الدخول إلى منظومة كرة القدم الحديثة بمعاييرها الصارمة.

إعلان الاتحاد العُماني لكرة القدم يوم أمس الموافق الرابع من فبراير توقيع اتفاقية إدخال التقنية إلى دوري “جندال” بدءًا من الدور الثاني للموسم الحالي، لم يكن خبرًا إداريًا عابرًا بقدر ما كان إعلانًا رمزيًا عن مرحلة جديدة.

فالـVAR لم يكن مطلب نخبة أو رأي إعلامي عابر، بل كان مطلب شارع رياضي كامل، جماهير وإعلاميين ورياضيين، جميعهم كانوا يرونه الحد الأدنى من العدالة الكروية المعاصرة.
لكن الأهم من القرار نفسه، هو فلسفة اتخاذه. فالإدارة الحالية بدت أكثر جرأة في استخدام أدواتها القانونية والتطويرية، دون الوقوع في متاهة الإجراءات الطويلة كالرجوع إلى الجمعية العمومية التي كانت تُستهلك فيها طاقة المشاريع قبل أن ترى النور.
هذا التحول في الذهنية الإدارية قد يكون، إن استمر، أهم من القرار ذاته؛ لأن كرة القدم الحديثة لا تنتظر الإدارات المترددة.

الـVAR في جوهره ليس مجرد أداة لإلغاء هدف أو احتساب ركلة جزاء، بل هو إعلان صريح أن العدالة التحكيمية لم تعد خيارًا تجميليًا، بل شرطًا أساسيًا لصناعة مسابقة محترمة. فالدوري القوي لا يُبنى فقط على مهارات اللاعبين أو خطط المدربين، بل على ثقة الجميع في أن نتيجة المباراة تُحسم داخل الملعب، لا في هامش الخطأ البشري.

ومع ذلك، فإن النضج الرياضي يفرض علينا ألا نحول هذه الخطوة إلى لحظة احتفال مبالغ فيها. إدخال التقنية ليس بطولة إدارية، بل واجب تأخر كثيرًا. لكنه في الوقت ذاته يستحق التقدير المهني؛ لأن هذه الإدارة تمكنت خلال فترة قصيرة من تحريك ملفات بقيت ساكنة لسنوات. فإعادة السلطنة إلى خريطة استضافة البطولات بعد غياب طويل عبر استضافة بطولة غرب آسيا، ثم إدخال الـVAR، يبعث برسالة واضحة مفادها أن هناك رغبة في إعادة تشكيل المشهد، ولو تدريجيًا.

ويزيد من أهمية ذلك ما يتردد عن مشاريع تطويرية أخرى يجري إعدادها بعيدًا عن صخب التصريحات.
غير أن الطريق الحقيقي للتطوير لا يُقاس بقرار واحد، مهما كان وزنه. فهناك ملفات أكثر حساسية تحتاج إلى وضوح وشجاعة في الحسم. وفي مقدمتها ملف مدرب المنتخب الأول، البرتغالي “كارلوس كيروش”، الذي يقترب عقده من نهايته وسط ضبابية في مسألة تجديده من عدمها.

والاستقرار الفني للمنتخب ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تأجيله، بل حجر أساس لأي مشروع وطني يسعى لبناء منتخب قادر على المنافسة لا مجرد المشاركة.

وفي زاوية أخرى أكثر عمقًا وخطورة، تبرز أزمة تقلص عدد الأندية المشاركة في مسابقات الاتحاد؛ فتجميد نشاط عدد من الأندية خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد خلل رقمي في جدول المسابقات، بل كان نزيفًا بطيئًا في جسد الكرة المحلية. وتزداد خطورة هذا النزيف عندما يشمل أندية لها تاريخ وجماهيرية وهوية، مثل العروبة والسويق، لأن خسارة هذه الأسماء تعني فقدان جزء من الذاكرة الكروية، لا مجرد فقدان فريق في جدول الترتيب.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن هذه الإدارة لا تزال في بدايات الطريق. والبدايات، بطبيعتها، لا تصلح مقياسًا نهائيًا للحكم. النجاحات المبكرة قد تكون مؤشرًا إيجابيًا، لكنها ليست ضمانة. كما أن التعثر في المراحل الأولى لا يعني سقوط المشروع. فكل مشروع حقيقي يمر بمرحلة اختبار قبل أن يصل إلى مرحلة الحصاد.

الشارع الرياضي اليوم لا يحتاج إلى التفاؤل المطلق، ولا إلى التشاؤم المسبق. ما يحتاجه هو الاتزان، وصبر يمنح المشاريع فرصة للنضج، ووعي نقدي يرفض الأخطاء، وإنصاف يضع كل إنجاز في حجمه الطبيعي دون تضخيم أو تقليل.

وفي الختام فإن إدخال تقنية الـ”VAR” تعد خطوة مهمة ستشيع حالة من التفاؤل في الشارع الرياضي، لكنها في لغة المشاريع الكبرى تظل مجرد السطر الأول، أما القصة الحقيقية، فسيكتبها الزمن، والاستمرارية، والقدرة على مواجهة الملفات الأكثر تعقيدًا قبل الاحتفاء بالإنجازات الأسهل، فالتحديات التي تنتظر هذه الإدارة كبيرة ومتنوعة والتعامل معها يتطلب وعيا بأهمية المرحلة ومتطلباتها، وكلنا أمل أن تتصدى لها هذه الإدارة بنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى