
بقلم- سالم بن ربيع الغيلاني
يثير الحديث عن تطوير الرياضة جملة واسعة من التساؤلات والهواجس داخل المجتمع الرياضي العُماني، خاصة في ظل ما يبدو من تأخر نسبي لهذا القطاع مقارنة بالتطورات المتسارعة التي تشهدها دول الجوار على مستوى الاستثمار في الرياضة وتعزيز حضورها المؤسسي والمجتمعي.
وقد أعاد أحد الزملاء مؤخرًا طرح هذا الملف من زاوية نقدية، مفادها أن التحدي الرئيس الذي يواجه الرياضة يكمن في أداء القائمين على الاتحادات الرياضية، وذلك على اعتبار أن وزارة الثقافة والرياضة والشباب، بوصفها الجهة الرسمية المسؤولة عن تنمية هذا القطاع والارتقاء به، تتيح قنوات التواصل والدعم، إلا أن بعض الاتحادات – وفق هذا الطرح – لا تبادر بما يكفي لعرض احتياجاتها أو المطالبة بتطوير أوضاعها.
وقد انقسم النقاش حول هذه القضية إلى اتجاهين متباينين؛ إذ يرى فريق أن الاتحادات واللجان الرياضية لم تدخر جهدًا في طرح مطالبها، إلا أن مستوى الاستجابة لم يرتقِ إلى حجم التطلعات. في المقابل، يذهب فريق آخر إلى أن الحكومة، ممثلة في الوزارة، تبدي استعدادًا دائمًا للدعم متى ما قُدمت مبررات واضحة ومدروسة، وأن التردد أو الانشغال بقضايا فرعية من قبل بعض القائمين على الشأن الرياضي يمثل أحد أسباب الواقع الحالي.
وبين هذين الرأيين تبرز تساؤلات جوهرية لا يمكن تجاوزها: هل الرياضة خيار يمكن الاستغناء عنه، أم حاجة مجتمعية أساسية؟ وهل هي شأن فردي يرتبط بالاهتمامات الشخصية، أم ركيزة من ركائز البناء المجتمعي؟ وهل ينبغي أن تدار بمنطق الجهود الفردية، أم ضمن منظومة مؤسسية متكاملة، تجعل الرياضة جزءًا من المشروع التنموي الشامل، بما يسهم في تعزيز القدرات البشرية والعمرانية للدولة؟
إن القراءة الموضوعية للواقع تشير بوضوح إلى أن الرياضة لم تعد ترفًا أو نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت ضرورة تنموية وصحية وثقافية. فهي جزء أصيل من منظومة البناء المجتمعي، وعنصر فاعل في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز جودة الحياة. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع قضايا الرياضة وتحدياتها، وتوفير احتياجاتها الأساسية، يمثل مسؤولية تشاركية، تتصدرها المؤسسات الحكومية بحكم دورها التخطيطي والتنظيمي.
وفي الوقت ذاته، تبقى الاتحادات الرياضية – وفق الأعراف والمواثيق الدولية – مؤسسات مستقلة مسؤولة عن تطوير مسابقاتها وبرامجها الفنية والإدارية. ولا توجد التزامات قانونية مباشرة تفرض على الحكومات تقديم الدعم لها، كما أن الإفراط في التدخل الحكومي في شؤونها قد يفتح الباب أمام إشكالات قانونية دولية. ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين الدعم الحكومي والالتزام باستقلالية العمل الرياضي المؤسسي.
إن تطوير الرياضة لا ينفصل عن مشروع بناء الدولة الحديثة. وسلطنة عُمان اليوم تشهد مرحلة تحديث متسارعة تقودها الحكومة ضمن رؤية تنموية شاملة، وهي عملية معقدة ومتعددة المسارات، تفرض ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر تأثيرًا. وفي هذا السياق، يظل القطاع الرياضي أحد القطاعات المرشحة لتعزيز حضوره في دوائر الاهتمام خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل المؤشرات التي تعكس تنامي الوعي بأهمية الرياضة كأداة تنموية وإنسانية.
ولعل أهم ما يمكن التأكيد عليه أن الاستثمار في الرياضة هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري. فالرياضة لا تصنع أبطالًا فحسب، بل تسهم في صناعة مجتمع أكثر صحة وانضباطًا وقدرة على الإنتاج، كما تعزز الانتماء الوطني وتمنح الدول حضورًا فاعلًا في الفضاء الدولي.
وفي المحصلة، فإن السؤال لم يعد: هل الرياضة خيار أم حاجة؟ بل أصبح: كيف يمكن تحويل الرياضة إلى رافعة حقيقية من روافع التنمية الشاملة؟ وهنا تكمن المعادلة التي ستحدد شكل المشهد الرياضي في السنوات المقبلة، ليس فقط من حيث النتائج والإنجازات، بل من حيث قدرة الرياضة على أن تكون جزءًا أصيلًا من قصة بناء الإنسان والوطن.


