
بقلم- سالم بن ربيع الغيلاني
لم تكن أمسية نهائي كأس جلالة السلطان مجرد مباراة تتويج عابرة بين ناديي عُمان والنهضة، بل بدت أقرب إلى مشهد مكثف يروي حكاية تحوّل هادئ في جسد القطاع الرياضي. قطاع طالما ارتبط — في الوعي الجماهيري — بشيء من التذمر أكثر من الرضا، لكنه في هذه النسخة بدا وكأنه يعيد تقديم نفسه بثقة مختلفة.
ما جرى لم يكن صدفة تنظيمية، بل انعكاس لتحول واضح في فلسفة إدارة المشهد؛ حيث اقتربت المؤسسات الرياضية أكثر من نبض الشارع، وأصبحت أكثر إنصاتًا لصوت الجمهور، وأكثر استعدادًا لاحتواء أطروحات الإعلام والمختصين بوصفها أدوات تطوير لا منصات نقد فقط.
اللافت في هذه النسخة كان نجاح ما يمكن تسميته بـ”رباعي التأثير”: الوزارة، والاتحاد، والرعاة، والإعلام. تكامل لم يكتفِ بإحكام الشكل التنظيمي، بل تجاوز ذلك إلى صياغة تجربة إنسانية واجتماعية متكاملة للجمهور والمجتمع المحلي؛ فلم يعد الحدث مجرد تسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر، بل مساحة تلتقي فيها الرياضة بالترفيه، والاقتصاد بالهوية المجتمعية، والإعلام بصناعة الوعي الرياضي العام. وقد تم التعامل مع تفاصيله بمرونة واعية تدرك أن التميّز لا يولد من غياب التحديات، بل من القدرة على إدارتها. والنتيجة كانت واضحة؛ فقد أثبتت تجربة هذا النهائي وما سبقه أن جمهورنا الرياضي -لاسيما كرة القدم- أكثر وعيًا مما يعتقد البعض، ويملك القدرة على التمييز بين حدث عابر ومنتج رياضي متكامل.
التحضير الطويل الذي سبق النهائي — عبر الأشهر الماضية، وتحديدًا في الأيام الأخيرة — أعاد تشكيل سقف التوقعات؛ فمن لقاء كان يُخشى أن يمر بهدوء جماهيري بسبب طبيعة القاعدة الجماهيرية للفريقين، تحول إلى مناسبة جماهيرية مقبولة بل ومبشرة. صحيح أن المدرجات لم تصل إلى طاقتها الكاملة، لكن حرارة التفاعل داخلها كانت أكثر بلاغة من الأرقام الجامدة.
هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا إعادة تعريف فكرة “الذهاب إلى المباراة”؛ فقرية المشجعين في ساحة العُلم، وما تلاها من امتداد تنظيمي سلس إلى محيط مجمع بوشر، أعادت تقديم المباراة كرحلة اجتماعية عائلية، لا مجرد متابعة تنافس رياضي. وهنا تحديدًا تتجلى ملامح الشراكة الحديثة بين المجتمع ومؤسساته، حيث يصبح الحدث الرياضي مساحة تلاقي لا مجرد منصة تنافس.
وفي قلب رباعي التأثير، يبرز الدور المحوري لوسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وفي مقدمتها القناة الرياضية العمانية، التي لعبت دورًا يتجاوز النقل التلفزيوني التقليدي إلى صناعة حالة جماهيرية متكاملة. فالبث المفتوح الممتد لساعات طويلة قبل النهائي وخلاله وبعده لم يكن مجرد تغطية زمنية مطولة، بل كان امتدادًا شعوريًا للحدث داخل البيوت والمجالس وأماكن العمل. الاستوديوهات التحليلية، والتقارير الميدانية، والحوارات المباشرة مع الجماهير، أسهمت جميعها في تحويل النهائي إلى حدث وطني جامع، عزز الإحساس بالمشاركة الجماعية حتى لمن لم يتمكن من الحضور إلى المدرجات، ورفع من القيمة التسويقية والرمزية للبطولة.
ومن الأفكار التي تستحق الوقوف عندها بتمعّن، ما طرحه الزميل عبدالله البلوشي خلال استضافة في القناة الرياضية العمانية صبيحة النهائي حول فكرة تنافس المحافظات على استضافة النهائي عبر تقديم ملفات متكاملة. فكرة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها أبعادًا اجتماعية واقتصادية وثقافية واسعة. فهي تعني مجتمعيًا خلق علاقة طويلة الأمد بين المكان والبطولة، واقتصاديًا تحفيز القطاع الخاص المحلي ليكون شريكًا مباشرًا في صناعة الحدث، وثقافيًا تعزيز ارتباط الهوية المحلية بالمناسبات الرياضية الكبرى. كما أنها، على مستوى البنية الأساسية، تمثل حافزًا طبيعيًا لتطوير المنشآت الرياضية والخدمية بشكل مستدام.
تبنّي مثل هذه المبادرات لا يقدم حلولًا تنظيمية فحسب، بل يرسخ ثقافة رياضية تشاركية يحتاجها القطاع لاستعادة الشغف الجماهيري في زمن تتزاحم فيه وسائل الترفيه الرقمية لاجتذاب انتباه الإنسان. لذلك لم يعد إشراك الخبراء والممارسين في صناعة القرار ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة تشغيلية لضمان مواكبة التحولات المتسارعة في سلوك الجمهور.
ما نشهده في نهائيات الكأس خلال السنوات الأخيرة يدحض فكرة أن الجمهور فقد شغفه بالرياضة المحلية. والأقرب إلى الحقيقة أن الجمهور لم يفقد شغفه، بل أصبح أكثر وعيًا وأكثر صرامة في معاييره. والرسالة الأوضح أن الرياضة — حين تُدار بمنهجية الصناعة — قادرة على إنتاج عوائد مادية ومعنوية تتجاوز حدود الملعب.
لقد نجحت الوزارة عبر الترويج وتوسيع فضاء الفعاليات المصاحبة، ونجح الاتحاد عبر رفع جودة التنظيم وتعزيز الحوافز المالية، فيما لعب الرعاة دورًا محوريًا في تحويل تجربة الحضور إلى تجربة ذات قيمة مضافة، بينما أسهم الإعلام عبر التغطية الاحترافية والبث الممتد وصناعة المحتوى الموازي في ترسيخ الحدث داخل الوعي الجمعي للجمهور.
وفي المحصلة الفنية، اعتلى النهضة منصة التتويج للمرة الثانية في تاريخه، مستحقًا لقب عريس النهائي، بينما قدّم نادي عُمان مباراة تنافسية بروح عالية رغم النقص العددي منذ منتصف الشوط الأول أمام فريق مكتمل الصفوف ومدجج بالنجوم.
فاز النهضة بالكأس… لكن المكسب الأوسع كان للرياضة العُمانية، التي ربحت نسخة أكدت أن الطريق نحو صناعة رياضية متكاملة لم يعد حلمًا مؤجلًا، بل واقعًا يتشكل بثقة وخطى ثابتة، مدعومًا برباعي تأثير يصنع الحدث داخل الملعب ويمنحه حياته الأطول خارجه.



