
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم يكن من السهل الاقتراب من ملف حكمنا الدولي “أحمد الكاف” في خضمّ حالة الغضب التي أعقبت قرار إبعاده عن المشاركة في مونديال 2026. فالمسألة، في جوهرها، لم تكن مجرد غياب اسم عن قائمة، بل امتدت لتلامس شعورًا عامًا لدى الشارع الرياضي العُماني، الذي كان يرى في حضوره حقًا كسبه بالجهد وعرق التألق في المحافل الكروية المختلفة، وهو في الوقت ذاته تعويضٌ معنويٌ عن إخفاق المنتخب الوطني في بلوغ النهائيات القادمة، لا سيما في نسخة تعد استثنائية إذ توسّعَ فيها عددُ المنتخبات المشاركة إلى 48، وارتفعت معها حصة القارة الآسيوية إلى ثمانية مقاعد ونصف، ما أعاد إحياء آمال طال انتظارها.
ومع انقشاع موجة الانفعال الأولى، يصبح من المشروع إعادة طرح السؤال بصيغة أكثر هدوءًا وموضوعية: هل تعرّض حكمنا للظلم بعدم اختياره؟ الإجابة، وفق قراءة تستند إلى الأرقام والمعطيات، تميل إلى القول بنعم. فالأداء التحكيمي لا يُقاس بالانطباعات، بل بسجل المباريات وثقلها، وهو يضع حكمنا في موقعٍ متقدم، سواء في مونديال 2022 أو في المونديال القادم. بل إن المفارقة تكمن في أن قائمة الحكام المختارين قد ضمت أسماء لا تندرج ضمن أفضل عشرة حكام في القارة خلال المرحلة ذاتها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار وحدود موضوعيتها.
إن طرح هذا السؤال يقودنا إلى ما هو أعمق منه: لماذا يتم تجاهل اسم يملك هذه الحيثيات لمرتين متتاليتين؟ هنا تتعدد الروايات وتتباين التفسيرات. فثمة من يعزو الأمر إلى مواقف تحكيمية سابقة لم ترق لبعض مراكز النفوذ في المنظومة الآسيوية، فيما يرى آخرون أن ضعف الحضور الإداري والتأثير الرياضي العُماني داخل دوائر القرار قد لعب دورًا غير مباشر. وهناك من يذهب إلى أن الحكم لم يحظَ بالدعم المؤسسي الكافي مقارنةً بنظرائه. وبين هذه التفسيرات جميعًا، يبقى القاسم المشترك هو غياب الشفافية الكاملة في آليات الاختيار، وهو ما يخلق مساحة خصبة للتأويل والشك.
في الملعب، تبدو العدالة أوضح؛ فالقرارات تخضع للمتابعة الفورية، وتدعمها تقنيات مثل الـVAR التي تقلل من الأخطاء. لكن خارج الملعب، الصورة مختلفة؛ ففي غرف الاجتماعات، لا تكون المعايير دائمًا واضحة بنفس الدرجة. وعندما لا توجد أنظمة تصنيف دقيقة وشفافة للحكام، كما هو حاصل مع المنتخبات وفرق الأندية وكذلك المدربين، فإن القرارات تصبح أكثر عرضة للاجتهاد، وربما لعدم الإنصاف.
وفي ظل غياب الحضور العُماني من لجان صنع القرار في الاتحادين الآسيوي والدولي، غاب أيضًا التأثير حتى وإن كان في حدوده الدنيا، على اعتبار أن معادلات الاستحقاق في عالم المستديرة لا تُبنى دائمًا على الكفاءة أو شغل المناصب في اللجان وحدها. فثمة ثلاثة مسارات كثيرًا ما تتحكم في صناعة المكانة، وتوجه بوصلة اتخاذ القرارات إلى حيث تشتهي؛ فإما نفوذ اقتصادي يترجم إلى دعم ورعاية وتأثير، أو قوة تكتلية تفرض الحضور عبر شبكات المصالح، أو قابلية للانخراط في منظومات الإملاء والتوافقات. ومن يسلك مسارًا مختلفًا، غير هذه الثلاثة لن تخدمه كفاءته -مهما بلغت- وسيظل استحقاقه رهن تقلب أمزجة أصحاب النفوذ والتأثير.
وفي هذا الإطار تحديدًا، يبرز المسار العُماني بوصفه انعكاس لنهج مختلف؛ فقد اختارت سلطنة عُمان، منذ زمن بعيد، الابتعاد عن كل ما يثير الشبهات أو يكرّس الانقسامات في المجالات المختلفة سواء أكانت رياضية أو غير رياضية، وهو موقف قد يبدو مكلفًا في بعض اللحظات، ومُربكًا في أخرى، لكنه في جوهره يعكس التزامًا بقيم النزاهة والاتزان. فليس كل ما يمكن الحصول عليه يستحق السعي خلفه، ولا كل حق يُنال بأي وسيلة يُعد مكسبًا حقيقيًا. أحيانًا، يكون الحرمان النزيه أكثر اتساقًا مع الذات من مكسبٍ تحيط به الشكوك.
وعليه، فإن غياب “الكاف” عن مونديال 2026 لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انتقاصًا من قيمته، بقدر ما هو انعكاسٌ لتعقيدات منظومة أكبر من الأفراد. فمكانته في التحكيم الآسيوي راسخة بما قدّمه من مستويات وأداء، والتاريخ الرياضي لا يُكتب بقرار واحد، ولا يُختزل في قائمة عابرة. وحكمنا الدولي أحمد الكاف سيبقى، في الذاكرة العُمانية، أحد الأسماء التي رفعت راية الوطن في المحافل الدولية، وواحدًا من أولئك الذين صاغوا حضورهم بكفاءة تستحق التقدير. وفي النهاية، قد لا نستطيع تغيير القرار، لكن يمكننا أن نعيد تعريف قيمته. فبعض الغيابات لا تقلّل من أصحابها، بل تكشف، على نحو غير مباشر، عن خللٍ في معايير الحضور ذاتها.






