
بقلم- سالم ربيع الغيلاني:
في مشهد رياضي اعتاد الدوران في حلقات متشابهة، حيث تتبدل الوجوه وتبقى النتائج على حالها، تبرز بين الحين والآخر محطات تستحق أن يُبطأ عندها الإيقاع. ليس لأنها استثناءات خارجة عن النسق، بل لأنها تحمل في طياتها إمكان كسر هذا النسق، أو على الأقل إعادة مساءلته. هذه المحطات، وإن بدت متفرقة، إلا أنها تشترك في كونها إشارات أولية لتحولات يمكن أن تُبنى عليها إن توفرت الإرادة، وتُركت لها مساحة النمو بعيدًا عن الاستعجال أو الإهمال.
المحطة الأولى تتجسد في مبادرات بعض مكاتب المحافظين، وأخرها محافظة الظاهرة التي قدمت دعمًا ماليًا سخيا لنادي عبري. هذا الاقتراب، الذي تجلى في تقديم دعم مادي ومعنوي لا ينبغي قراءته كاستجابة ظرفية، بل كمؤشر على إعادة تعريف الدور. فالمحافظة، بما تمتلكه من استقلالية نسبية على المستويين المالي والإداري، قادرة على أن تكون حلقة وصل بين الأندية والقطاع الخاص، وأن تخلق بيئة محفزة لشراكات تتجاوز منطق الرعاية التقليدية إلى الاستثمار طويل الأمد. وفي ظل معاناة كثير من الأندية من محدودية الموارد وغياب التخطيط الاستراتيجي، فإن هذا النوع من التدخل قد يشكل رافعة حقيقية تعيد التوازن إلى المشهد. وما حدث مع نادي عبري، حين تلقى دعمًا في لحظة حرجة، يمكن قراءته كبداية لمسار، لا كنهاية لموقف. مسار إن استمر، قد يسهم في تقريب الأندية من مستهدفات رؤية 2040، ويمنحها القدرة على بناء هوياتها الاقتصادية.
أما المحطة الثانية، فتأتي من نادي السيب، حيث أُعلن عن تشكيل فريق تطوعي، في خطوة تعيد إحياء مفهوم متجذر في المجتمع العماني، لكنه ظل غائبًا عن الفضاء الرياضي بصيغته المؤسسية. العمل التطوعي هنا لا يُطرح كفعل خيري عابر، بل كجزء من مشروع متكامل يستثمر في المجتمع الحاضن للنادي، ويعيد ربطه به على أسس أكثر تفاعلية. وإذا ما أُحسن تأطير هذه المبادرة، عبر إنشاء قواعد بيانات دقيقة، ومنح المتطوعين بطاقات تعريف، وربط جهودهم بامتيازات ملموسة سواء في فرص التوظيف أو تسهيل الخدمات؛ فإنها قد تتحول إلى نموذج يُحتذى به. ففي كثير من الدول، لم يعد العمل التطوعي خيارًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من منظومة بناء الإنسان، تُقاس فيه الساعات كما تُقاس الخبرات، وتُمنح عليه مزايا تعكس قيمته. ومن هنا، فإن تعميم هذه الفكرة على بقية الأندية، مع تطوير أدواتها، قد يسهم في استثمار طاقات الشباب، وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة منتجة ذات أثر مزدوج: مجتمعي واقتصادي.
المحطة الثالثة تقف عند دوري البراعم الذي أعلن عنه الاتحاد العماني لكرة القدم، وهي خطوة طال انتظارها لإعادة الاعتبار للمراحل السنية، خصوصًا لفئة تحت 14 عامًا التي ظلت خارج دائرة الاهتمام لفترة طويلة. غير أن هذه المبادرة، رغم أهميتها، لم تسلم من الجدل، خاصة فيما يتعلق بتوقيت إقامتها خلال أشهر الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قد لا تكون ملائمة لهذه الفئة العمرية، إضافة إلى كونها فترة راحة بعد عام دراسي طويل، ووقتًا تفضل فيه كثير من الأسر السفر. هذا الجدل، في جوهره، لا يعكس رفضًا للفكرة، بقدر ما يعبر عن حرص على تحسين شروطها. فالتجارب السابقة، وإن نجحت في إقامة مسابقات مشابهة، إلا أن الحاضر يفرض معايير مختلفة، تتعلق بالسلامة، والجاهزية، وجودة المخرجات.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التراجع عن المبادرة، بل تطويرها: إعادة النظر في التوقيت، تقليص مدة البطولة، وضبط عدد المباريات بما يحقق التوازن بين التنافس والحفاظ على سلامة اللاعبين. وفي المقابل، فإن على المنتقدين أن ينظروا إلى الجانب الإيجابي في الخطوة، وأن يدعموا تطويرها بدل البحث عن عيوبها أو رفضها، خاصة في ظل محدودية الإمكانيات التي يعمل بها الاتحاد، شأنه شأن كثير من المؤسسات الرياضية في السلطنة.
المحطة الأخيرة تتجسد في صدور كتاب الدكتور سليمان البلوشي حول تسويق الأندية الرياضية، وهو إصدار يكتسب أهميته من ندرة هذا النوع من المؤلفات في المكتبة الرياضية العمانية؛ فالكتاب لا يندرج ضمن الأدبيات التوثيقية التي تؤرخ للأحداث، ولا ضمن الكتب الفنية التي تشرح التكتيك أو التدريب، بل يتجه نحو تحليل جانب اقتصادي وإداري بالغ الأهمية، ويتقاطع مع التحولات التي تشهدها الرياضة العمانية، خاصة في ظل التوجه نحو خصخصة الأندية. مما يجعل هذا الكتاب أكثر من مجرد إضافة معرفية؛ فهو أداة لفهم المرحلة القادمة، ومحاولة لتأهيل الفاعلين في القطاع للتعامل مع مفاهيم جديدة تتعلق بالاستثمار، والهوية التجارية، وإدارة العلامة. فالتغيير، في جوهره، لا يبدأ من القرارات، بل من الوعي الذي يسبقها. وحين تتوفر المعرفة، يصبح الانتقال أقل كلفة، وأكثر اتساقًا مع الطموحات.
وبين هذه المحطات جميعًا، يمكن القول أن التحول الحقيقي لا يأتي من مبادرات معزولة، بل من تراكم واعٍ يربط بين الفكرة وتنفيذها، بين الطموح وأدواته. فرياضتنا كما يتضح في لا تعاني من غياب التشخيص، بل من بطء التحول إلى الفعل، ومن قدرة لافتة على التكيف مع الاختلال بدل معالجته. وهذه المحطات، إن أُخذت بجدية، قد لا تغيّر المشهد دفعة واحدة، لكنها تضعه على مسار مختلف، حيث لا يكون التكرار قدرًا، بل خيارًا يمكن تجاوزه.






