ستعود لبيتها أخيرا.. كيف ابتسمت كرة القدم للإنجليز؟

تقرير- أحمد مختار

“لقد رفعنا سقف التحدي في الدوري الإنجليزي، الآن يجب أن تتخطى حاجز التسعين نقطة حتى تستطيع الفوز بالدوري الإنجليزي. وضعنا المعايير في البريمرليج مثل يوسين بولت وتايجر وودز وجاك نيكولاس. في الماضي كان الأمر أسهل، وكان بإمكان الكل هزيمة الكل ولكن وضعنا المعايير، والآن تحاول جميع الفرق الوصول إليها”.

بهذه الكلمات تحدث بيب جوارديولا في مؤتمر صحفي سابق عن البريمرليج، ليضع يده على قواعد المنافسة الجديدة في إنجلترا، حيث معدل النقاط المرتفع، التنافسية الرهيبة، اللعب حتى آخر ثانية، والركض المستمر دون توقف، مع التطور التكتيكي في الخطط ومستويات اللاعبين أنفسهم.

جوارديولا

بالتأكيد لم يحضر جوارديولا هذه الأمور إلى البريمرليج، لكنه ساهم في زيادة الاهتمام بها خصوصاً في آخر موسمين له في الدوري. عبارات ترجمها محلل بي إن سبورت نبيل معلول بطريقة أكثر راديكالية، عندما قال مؤخراً: “وصول جوارديولا إلى إنجلترا ساهم في سطوة الإنجليز على بطولات أوروبا”.

تصريح المحلل والمدرب التونسي الكبير كانت له أصداء واسعة بين مؤيد ومعارض، مع استهجان كبير من تأثير جوارديولا على المنافسين رغم عدم وصول فريقه إلى نهائي دوري الأبطال.

الحقيقة أن كلمات معلول لم تفسر بشكل صحيح، أو ربما كان يقصد ذلك بوضوح، لكن من وجهة نظر رياضية بحتة، فإن مانشستر سيتي مع جوارديولا فعلياً ساهم في رفع مستوى التنافسية بالدوري، مما انعكس بالإيجاب على الجميع محلياً وقارياً.

 في حضرة أريجو ساكي

كلوب

قال كلوب بعد ريمونتادا الأنفيلد: “المستحيل لا شيئ في كرة القدم، المسألة ليست متعلقة بالتكتيك، المسألة في الروح والايمان بالنفس . ورغم كل العراقيل لدينا لاعبون رائعون وإذا سألتني عن المباراة فأنا صراحة لا أعرف ما الذي حدث في المباراة، ولكنني فخور بكل ما حدث الليلة”.

تعلم الألماني الكثير من أريجو ساكي، عراب ميلان وصانع أمجاده في القرن العشرين، خصوصاً فيما يتعلق بالضغط العالي واللعب بحمية دون توقف.

الحقيقة أن مواجهة ليفربول وبرشلونة في الأنفيلد من الصعب وصفها فقط بالتكتيكية، صحيح أن مدرب برشلونة ارتكب أخطاء في الخطة، التغييرات، والرهان على خيارات أثبتت فشلها، بالإضافة إلى إضاعة لاعبيه عدة فرص مؤكدة خصوصاً في الشوط الأول. في المقابل نجح ليفربول بالروح والركض والسرعات، والضغط في كل مكان داخل الملعب.

ليست الإجابة في الحيازة أو البناء من الخلف أو اللعب القائم على التمرير القصير المنبعث من روح التيكي تاكا، بل تحول أداء أصحاب الأرض إلى نسخة عدوانية بحتة، لدرجة أنهم ركضوا أكثر من منافسهم بنحو 7-8 كيلو مترات، لقد جاءت المواجهة غير متكافئة داخل الملعب، رغم أنها على الورق لم تكن أيضاً متكافئة ولكن لصالح البارسا لا الليفر.

الخلاصة أن روح كلوب المستوحاة من ضغط وسرعة وعنفوان أريجو ساكي تواكب وبشدة مباريات خروج المغلوب في دوري الأبطال، لا مستحيل وكل شيء وارد، وفكرة تسجيل هدف واثنين وثلاثة أمور متاحة وواردة ويمكن تحقيقها، لذلك وصل هذا الفريق مرتين إلى نهائي دوري الأبطال.

لا يرتبط النجاح بقصة أنه فريق إنجليزي فقط، بل لأن أسلوب لعب مدربه الألماني يناسب هذه البطولة، بعد نجاحه في جعل كل لاعبيه يتكلمون بنفس لغته، بل بنفس لهجته ولكنته، حيث الضغط، الركض، العدو، والجيجن بريسينج!

* توتنهام المفاجأة

لكل قاعدة استثناء، وكل نسخة قد تحدث خلالها المفاجأة. توتنهام بالنسبة لي هي مفاجأة هذه النسخة حتى الآن. قصة نجاح ملحمية مع عدم وجود تعاقدات قوية أبرمها الفريق، بالإضافة إلى نقص صفوفه وعدم قوة دكته، حتى صعوده بشق الأنفس من مرحلة المجموعات، ليتفوق على دورتموند ذهاباً وإياباً، ثم يصعد على حساب السيتي وأياكس بفارق هدف اعتباري، رغم أنه كان الطرف الأضعف في المرحلتين، كل هذه العوامل تضيف إلى قصة بوتشيتينو وفريقه طابع صوفي روحاني يجبرك على مديحه ويرهبك من مجرد انتقاده أو حتى ذكر عيوبه.

توتنهام حالة هذا الموسم، يلعب بطريقة غير تقليدية، لكنها شبيهة بعض الشيء بالطابع الإنجليزي، حيث الكرات الطولية والصراعات البدنية، التفوق في المواجهات الثنائية بالهواء، ثم قنص الكرة الثانية على الأرض.

إنها اللعبة الأشهر لفريق بوتشيتينو سواء بتواجد كين أو غيابه، حيث يلعب دائماً على قوة الثنائي آلي وكين / يورينتي في كسب الصراع الهوائي / الأرضي أمام دفاعات الخصم، لكي يحصل لوكاس مورا/ هيونج سون على الفراغ اللازم أمام المرمى، دون نسيان دور إريكسن المحوري في التمرير القطري والطولي والعرضي بشكل ناجح.

فريق مثل السيتي يدافع من مسافة بعيدة، ودفاع مثل أياكس لا يقوى على تحمل الكرات الطولية في العمق، ربما اندفاع مجموعة جوارديولا وأخطاء لابورت صنعا الفارق، لكن بالنسبة للهولنديين فإن يورنتي ركز على بليند، ليهرب مورا بفارق السرعات أمام دفاعات أياكس.

تفاصيل صغيرة جداً جداً جداً جعلت توتنهام في النهائي رغم أنه كان الطرف الأقل كمستوى وفنيات في جولتي السيتي بالإجمال، وأمام أياكس الأفضل منهم ذهاباً وإياباً باستثناء دفائق حاسمة جلبت التأهل التاريخي لطيور لندن.

* اليوروبا ليج

الحسابات مختلفة بعض الشيء في الدوري الأوروبي. تشيلسي صعد إلى النهائي بطريق سهل وبسيط، فقط نصف النهائي كان صعباً أمام فرانكفورت بسبب طريقة فريق ساري لا قوة المنافس.

تشيلسي فريق شامبيونزليج، بمعنى أنه يستطيع المنافسة مع كبار القارة العجوز، لذلك عندما يتواجه في المستوى الثاني مع فرق ومنافسين أقل، فإنه يتفوق بوضوح.

ما حدث مع تشيلسي في الدوري الأوروبي أمر طبيعي، فريق يلعب على دوري الأبطال، فشل في ذلك بعد موسم ثان مخيب مع كونتي، ليتجه إلى الدوري الأوروبي ويصل إلى النهائي دون عناء.

هي تجربة قريبة من مانشستر يونايتد مورينيو في 2016، وقتها فاز الفريق بالبطولة لكنه لم يفعل شيئا كبيرا فيما بعد، لأنه كان أقوى من منافسيه على صعيد الدوري الأوروبي، وأقل من منافسيه على صعيد دوري أبطال أوروبا، وهي حالة تشيلسي في المستقبل القريب.

آرسنال هو الآخر وصل إلى نصف نهائي هذه البطولة العام الماضي، قبل أن يتم إقصاؤه عن طريق جريزمان ورفاقه. هذه المرة الأمر مختلف بالتأكيد، لأن فالنسيا أقل قوة من أتليتكو مدريد، ولأن أوناي إيمري لديه خبرة عريضة في الدوري الأوروبي، لدرجة فوزه باللقب من قبل 3 مرات مع إشبيلية، وفي طريقه لتحقيق الرابعة رفقة مدفعجية لندن.

للنجاح الإنجليزي ألف أب، سواء عن طريق قوة المنافسة محلياً، ارتفاع مستوى اللاعبين، ظهور المواهب الشابة، وقوة المدربين تكتيكياً وخططياً وحتى نفسياً، وبالتأكيد للتوفيق والحظ دور فيما وصلت إليه الأمور، لينجح منتخب الأسود الثلاثة في الوصول إلى المربع الذهبي بالمونديال الماضي، و يحقق رباعي إنجليزي المجد هذا الموسم في منافسات أوروبا. يبدو أن كرة القدم ستعود أخيراً إلى بيتها، كما يحلو للإنجليز الفخر دائماً.

مقالات ذات صلة

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin