ملخص أزمة تأجيل الكلاسيكو..تدخل للرياضة في السياسة أم السياسة في الرياضة؟

كتب- محمد عصام

في منتصف أكتوبر، وبينما تسلّم ميسي حذاءه الذهبي السادس، جلست مجموعة من إداريي برشلونة مع رئيس النادي في غرفة صغيرة، يناقشون الخطوة التالية المحتملة، بينما على الجانب الآخر من الباب كان هناك لويس سواريز وجوردي ألبا مع ليونيل ميسي بدون دراية على الأرجح.

الحدث كان تقديم رابطة الليجا طلباً للاتحاد الإسباني لتبديل ملاعب الكلاسيكو المحدد في السادس والعشرين من ذات الشهر، أي بعد عشرة أيام فقط؛ بدلاً من اللعب في الكامب نو ستقام المواجهة على السانتياجو برنابيو.

جاء رأي الاتحاد بتأجيل المواجهة لسبعة أسابيع كاملة، وحتى الثامن عشر من ديسمبر، وبعد أن أوشك الناديان والاتحاد على الوصول لاتفاق، اعترضت الرابطة، وانكسر التناغم.

كيف وصلنا إلى هنا؟

قبل أي شيء، دعني أوضّح طرفَي القصة لترى كامل الصورة، أولها هو الاتحاد الإسباني برئاسة لويس روبياليس، وهو المختص بشؤون كأس الملك، والمنتخب، وله الكلمة العليا في أغلب المواقف.

الطرف الآخر هو رابطة الليجا برئاسة خافيير تيباس، وهي المختصة بشؤون تنظيم الدوري، وتقديم إحصائيات اللاعبين المحليين لاستدعائهم للمنتخب، والأخيرة خارج سياقنا الحالي.

الاتحاد الإسباني غير موافق على تبديل ملاعب الكلاسيكو، لأن هناك اعتبارات تختص بقدرة الناديين على التأقلم مع هذا التغير المفاجئ، والخسائر الفادحة في إلغاء حجوزات الطيران والفنادق وما إلى ذلك من تفاصيل اقتصادية.

أما رابطة الليجا تصّر على إقامة المباراة في الميعاد المحدد، لأن وقت المباراة مرتبط بما يطلق عليه خافيير تيباس “علامة إسبانيا التجارية” المتمثلة في الكلاسيكو، والتي أبرم لتدعيمها اتفاقاً على إقامة واحدة من مواجهتي كلاسيكو الليجا في ميعاد متقدم –الواحدة ظهراً- ليلائم توقيت دول آسيا، وميعاد آخر مناسب لدول الأمريكتين، فيصل الكلاسيكو بذلك لطرفي الكرة الأرضية.

لكن الرابطة أيضاً ترفض إقامة المباراة في الكامب نو، تجنباً للبلبلة المتوقعة؛ لذا جاء الاقتراح بتبديل الملاعب مع المحافظة على الساعة والتاريخ المحددين.

“لم الرغبة في تأجيل أو تبديل المباراة بدلاً من إقامتها في الكامب نو؟”

كان سؤال أحد إداريي برشلونة في الاجتماع المصغر، وربما الرد الأبلغ جاء في ذات الأمسية حين شهدت المدينة تظاهرات لليوم الثالث على التوالي، مع اشتباكات وانتشار لقوات الشرطة في أنحاء برشلونة، وصورة معبّرة للاعب الفريق إيفان راكتيتش الذي اضطر للخروج من المطار سيراً على الأقدام نتيجة الاختناق المروري.

لطالما نادت كل المؤسسات الرياضية بتجنب إقحام الرياضة في السياسة، وكأن كونك لاعباً لكرة القدم أو غيرها من الرياضات ينفي عنك صفة المواطنة؛ لكن ماذا عن تدخل السياسة المستمر في الرياضة؟.

الاحتجاجات لم تكن وليدة اللحظة، فالأمر يرجع إلى استفتاء استقلال كتالونيا منذ عامين والذي قررت الحكومة الإسبانية عدم شرعيته، وأنتج ذلك تظاهرات لعب برشلونة على إثرها مباراة بدون جماهير ضد لاس بالماس يوم 1 أكتوبر2017.

ما أشعل الأمر مؤخراً هو حكم القضاء الإسباني على تسعة قادة من السياسيين الكتلان بالسجن لمدة تتراوح ما بين تسع إلى إحدى عشرة سنة، وذلك لمشاركتهم في تنظيم هذا الاستفتاء، ليأتي رد الفعل المنطقي على هيئة تظاهرات، ويصدر برشلونة بياناً بأن “السجن ليس الحل”، مع تأييد علني من كل من جيرارد بيكيه، تشافي هيرنانديز، وبيب جوارديولا.

انتقدت عدة جهات بيان برشلونة تحت ذات المبدأ بعدم إقحام المؤسسات الرياضية في الأمور السياسية، وفي خضم ذلك كان الكلاسيكو هو المباراة التالية على الكامب نو.

الكلاسيكو الذي يعّد المباراة الأكثر طابعاً سياسياً في كرة القدم؛ ملعب يمتلئ عن آخره بالشعارات السياسية، ويهتف جمهوره في الدقيقة 17:14 في كل مباراة، ذكرى تاريخ “حصار برشلونة”؛ فمن غير المتوقع في ظل الأحداث الجارية أن يكون هذا الكلاسيكو عن “كرة القدم فقط”.

دعا النشطاء إلى تظاهرة يوم 26 أكتوبر تحديداً، ما عنى طرقاً مغلقة، وتواجد أمني كثيف في الشوارع، وتشتت واضح بين تأمين المباراة والتظاهرات، ناهيك عن فريق ريال مدريد وجماهيره -القليلة- التي ستسافر قبل ليلة من المواجهة.

وهو ما يعيدنا لتطورات الأزمة، فقد قرر الاتحاد تكوين لجنة ثلاثية: واحد من الاتحاد، وآخر من الرابطة، وفرد حر، واتفقوا فيه على نبذ فكرة تبديل الملعب مبدأياً، وإعادة القرار للاتحاد سواء بإقامة المباراة في موعدها أو التأجيل.

طلب الاتحاد من الناديين تقديم اقتراح، وهو ما حدث سريعاً باقتراحين مختلفين من كل نادٍ ليختار الاتحاد بينهما.

لكن أعاد الاتحاد الكرة إلى ملعب الناديين للاتفاق على موعد قبل يوم الإثنين السابق للمواجهة، لكن حملت الأجواء توجهاً جلياً باتفاق على إقامة المباراة في 18 ديسمبر على ملعب الكامب نو.

مرة أخرى تقف رابطة الليجا ممتعضة من القرار، فالميعاد الجديد موافق ليوم الأربعاء، وهو يوم عمل رسمي سيحتم إقامة المباراة مساء؛ لذا حاولت الرابطة طرح احتمال جديد تتنازل فيه عن اليوم، لكن للإبقاء على التوقيت ذاته تتم المواجهة في يوم السبت السابع من ديسمبر، مع تأجيل جولتي برشلونة مع مايوركا، ومدريد ضد إسبانيول؛ أي تحويل المشكلة الواحدة لاثنتين.

في النهاية اتفق الخصمان على موعد ال18 من ديسمبر، وهو الحل المرشح للتنفيذ على الأرجح رغم استئناف الرابطة على القرار؛ لكن ما سبق يبدو مثالاً على أن الرياضة والسياسة لا ينفصلان، وأن الرياضة ربما عليها أن تتدخل في السياسة أحياناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق