سعد الرميحي.. ذاكرة المليون جيجا!

كتب- محمد العولقي

كلما تطل على ديارنا دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم، كلما عاد الأستاذ سعد الرميحي للصورة، ليس لكونه عايش رحلة مخاض هذه الدورة الناجحة، ولا لكونه أول من رمى حجرا في بركة الإعلام الرياضي الراكدة فقط، ولكن لأنه شخصية خليجية وعربية ودولية رياضية غنية عن التعريف..

سيذكر التاريخ هذا الرجل الذي قاد ثورة تصحيح شاملة في مسار الرياضة الخليجية والعربية، وسيمتدحه فرسان مهنة التنقيب عن المتاعب كثيرا، فهو مثل بحر الخليج الهادر يعطي بلا حدود..

ستذكر دورات كأس الخليج الأستاذ سعد الرميحي طويلا، ولن تسقط موازينه الإعلامية التي ثقلت من كتب الأرشفة، فقد كان أول من جعل دورات كأس الخليج تنتقل من الأقدام إلى الأقلام، وكان أول من جعل الدورات الخليجية دورات إعلامية بامتياز، وكان أول وآخر من جعل للإعلامي الرياضي قيمة وصيتا وسمعة لا تقل عن لاعبي كرة القدم المشهورين..

وإذا كان الرميحي – في أيام سادت ثم بادت – قد فكر ودبر وقرر أن يجعل من دورات الخليج تنافسا ساخنا خارج نطاق المباريات، فلأن له حدسا أو مجموعة حدوس مثيرة للدهشة والإعجاب معا، فهو من ذلك الطراز النادر في استباق الأحداث ويشمها قبل وقوعها بأيام وربما بأسابيع..

عرفت الأستاذ سعد الرميحي مسؤولا ذا نظرة ثاقبة للأحداث، يعرف كيف يغربلها، وكيف يحتويها، ثم يمنحها نبضا يظل صداه يعلو لسنوات..

إذا كان لدورات كأس الخليج رجالها من أصحاب الملوك والأمراء والجلالة والسمو، فإن لها سعدها، الموسوعة التي تختزن وتتحرك وتغذي المعطيات والأرقام بذاكرة سعتها مليون جيجا، تحتفظ دوما بكل أسرار وخفايا الدورات الخليجية والعالمية والعربية، اللهم لا حسد، نعم، سعد الرميحي هو لسان كل دورة خليجية، لسان فصيح يأتيك باليقين والمعلومة قبل أن يرتد إليك طرفك، ودائما لسان أبي محمد إذا نطق فهو أصدق أنباء” من كل الكتب والسيوف..

يمتلك الأستاذ سعد الرميحي ذاكرة حديدية مدهشة لم يسبق لي أن صادفت مثلها، فقط اعطه رقما، ثم اغمض عينيك وسيصلك عرضا تفصيليا عن أحداث ذلك العام رياضيا، رجل مثقف، نابه، ذكي، يتقد حماسا، في كل مجلس هو حديث الساعة، حديث المساء والصباح أمس واليوم وغدا..

وسعد الرميحي الذي مارس كل فنون العمل الصحفي والإداري علامة فارقة في دورات كأس الخليج، وإذا كان المنتخب الكويتي يفخر بأن له عشرة ألقاب توجته ملكا على الخليج، فسعد الرميحي حطم ذلك الرقم لأنه طوال 24 دورة، وهو في الصدارة، لم يتنازل عن مملكة القمة ولو قيد أنملة ..

وإذا كان للرميحي القيمة والمقامة وجه إعلامي تشرق شمسه على مياهنا الجوفية ورقعتنا البرية، فتجعل الأرقام أمامه تنحني في أدب، فللرجل وجه آخر أكثر إثارة من وجهه الإعلامي ..

يمتلك الأستاذ سعد قدرة عجيبة على سبر أغوار البشر، تنفذ نظرته الثاقبة إلى أعماقك، فيقرأ كل ما تفكر به، في ثانية يقرأك من قمة رأسك حتى إخمص قدميك، دائما يبادر إلى طرح الحلول في مشكلة ما قبل أن تطلب منه ذلك، رجل مخلص، وفي، يتعصب للأسرة الواحدة، يمتلك شهامة خليجية وبصيرة قومية وروحا خفيفة الظل، هو أبدا لا يخلط الجد بالهزل، في العمل صارم يتعصب للإبداع التلقائي ، ويحتفظ دائما بروح رياضية عالية، لو وزعت على أهل الخليج لفاض منسوبها..

كسب الملايين في وطني حبيبي الوطن الأكبر ببساطته ونبل أخلاقه وقدرته على معالجة كل مشاكل وإشكاليات الرياضة العربية..

كان سعد الرميحي أول وآخر حبيب انتصر للألعاب المنسية وجعلها إعلاميا في نفس شهرة كرة القدم، كان عادلا وهو يجعل من مجلة الصقر جامعة عربية لكل الألعاب، ملتقى عربي يلغي الحدود ويوحد الأفئدة والقلوب، نقل الصحافة الرياضية العربية من مرحلة المراهقة والسطحية البليدة إلى مرحلة النضوج الفلسفي العميق، لا يتبنى سوى أصحاب الفكر والمفردة ذات الكعب العالي، لا مكان في قاموسه للصحفي النطيحة وزميله المتردية، مشخص رياضي محنك لا يتكرر إلا مع كل زيارة لمذنب هالي لأرضنا الكروية التي تدور، كما قال كوبرنيكوس..

أتذكر أنه في كل دورة خليجية، كان يحول مجلة الصقر إلى منتدى عملي يطفح بالحركة والبركة، وتتلاقح فيه الرؤى مع الأفكار المبتكرة، كان بذكائه الفريد وحدسه المفيد، يجعل المباريات الساخنة تدور على الورق، كان صراع الأقلام يفجر الكثير من ردود الأفعال المختلفة بين كل قيادات الاتحادات الخليجية، أكثر مما تخلفه نتائج مباريات كرة القدم..

أذكر أن الشهيد الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، قال بعد دورة كأس الخليج السابعة بمسقط : “خسرنا اليوم أمام كتيبة مجلة الصقر، وتألق قائدها سعد الرميحي، ولم نخسر من منتخب قطر”.

ابتسم الشيخ الشهيد مضيفا : “فرسان الصقر هم من أوصلوا العنابي إلى المشهد النهائي، وليس المدرب البرازيلي إيفرستو”.

أتذكر أيضا أن دورة كأس الخليج الثامنة بالبحرين، كادت تنتهي من الجولة الثالثة، لأن المنتخب الكويتي بدأ قطارا خارج السيطرة ومن الصعب إيقافه، فقد التهم النقاط وطار باللقب قبل الأوان، وكان لزاما على سعد الرميحي إنقاذ الدورة من الملل، حتى لا يتحول ما تبقى من المباريات إلى سوالف وغشمرة ونوادر لا تخلو من بعض الحشوش..

يومها أطلق الصقار سعد الرميحي كل صقوره بحثا عن قضايا ساخنة تعيد للأجواء حرارتها، وتعددت الحكايات يومها من قضية إبعاد منصور مفتاح عن المنتخب بأمر من المدرب البرازيلي إيفرستو، إلى قضية الساعة بين الاتحاد البحريني والحارس القيدوم حمود سلطان، وما ترتب على إبعاده عن الدورة من مشاكل وغضب جماهيري..

يحتار دليلي عند الحديث عن سعد الرميحي، ولي العذر، لأن الحديث عن رجل مبدع مثله يحتاج إلى مهارات ليونيل ميسي في المراوغة، وسرعة كليان مبابي في الإقلاع نحو مناطق محظورة، وحدس كريستيانو رونالدو في مراقصة الشباك..

إن حدثتكم عن الرميحي كأستاذ في مجال الإدارة والإعلام الرياضي، فكيف لي أن أدخل مملكته، لأحدثكم عنه كإنسان بسيط يقطر حيوية ونشاطا وخجلا وكسوفا..

وإن حدثتكم عن سعد المسؤول الذي جعل للكرسي قيمة، فكيف لي أن أحدثكم عنه كموسوعة رياضية، وذاكرته التي صممها الخالق من إسمنت وحديد مسلح..

سعد الرميحي أول إعلامي حمل شوكته على ظهره واقتحم المناطق المحظورة، عندما طالب ودافع عن حق إشراك (اليمنين) الجنوبي والشمالي في دورات كأس الخليج..

قاد حملة إعلامية مكثفة، في كل دورة كان يعلو صوته ويرتفع رأيه، يقول كلمته ولا يمشي، كان الهاجس القومي هو من يحرك مشاعره تجاه (اليمنين) الجنوبي والشمالي، ولم يهدأ له بال أو يخفض له صوت إلا بعد أن دخلت اليمن دورات كأس الخليج، بداية من خليجي 16 بالكويت..

من فضلكم صفقوا معي للأستاذ سعد الرميحي تصفيقا حارا، كما أفعل أنا الآن ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق