زيدان.. الضرورات تبيح المحظورات..!

كتب- محمد العولقي

صلابة دفاعية في ريال مدريد، يقابلها هشاشة على المستوى الهجومي، بهذه البديهية يمكننا اختزال إشكالية الفريق الملكي مع نهاية القسم الأول من لاليجا الإسبانية لهذا الموسم ..

طبعا هي إشكالية تكتيكية في المقام الأول مهما تعقدت فصولها، وقطعا ليست مشكلة فنية مستعصية غير قابلة للحل في هذا التوقيت الخطير، الحديث عن كريستيانو رونالدو في هذا التوقيت يضاعف من أعباء الإشكالية التكتيكية، استرجاع ذكريات رونالدو كحلال لكل عقد الهجوم فنيا، لم يعد إلا من قبيل طحن الطحين، والبكاء على اللبن المسكوب..

زيدان وبيريز

ترى كيف ينظر زين الدين زيدان لهذه الإشكالية ..؟ كيف يمكنه إخراج ريال مدريد من متاهته في الوقت المناسب؟، هل هذه الإشكالية مزمنة، أم أنها وقتية يمكن التعافي من كل عللها قبل الدخول في الجد.. والجد الله الله عليه؟، وهل يمكن للمهاجم الفرنسي كريم بنزيمة أن يكون كل الحل، أم أن مؤهلاته كمهاجم مزور لا تسمح له بأكثر من أن يكون ممهدا للقادمين من الخلف؟..

هذا السؤال يضعنا وجها لوجه أمام سؤال محوري هام : هل القادمون من الخلف يمتلكون الحس التهديفي في كل وقت، وتحت أي ظرف؟، وهل لاعب مثل آدين هازارد أو توني كروس أو فالفيردي أو رودريجو يمتلكون مهارة التخيل والتحرك في العمق دون كرة؟..

هذه الأسئلة الملفوفة بأسلاك السيلكون، تلخص كل إشكالية ريال مدريد في ذهاب الدوري الإسباني، سنغربل هنا كل تلك الاستفهاميات بحثا عن قراءة تحليلية منطقية، ربما تدفع بالحلول من الأسفل إلى الأعلى، كما هو الحال بقاعدة أرشيميدس الفيزيائية الشهيرة..

بداية الإشكالية

جاريث بيل

ورث زين الدين زيدان فريقا محبطا من كل الاتجاهات، الواجهة التكتيكية تآكلت، الناحية النفسية تحللت، الرؤية الفنية تشرذمت، كانت خطوط الريال خارج نطاق التغطية، فريق محبط على كل الواجهات..

لم يشأ زيدان ذبح الفريق من الوريد إلى الوريد، كان يؤمن أنه أمام متاهة من الإشكاليات المختلفة، إشكاليات متداخلة ومترابطة بشكل عجيب، بعض هذه الإشكاليات كانت مثل القنابل الموقوتة، يمكنها أن تنفجر في أي وقت، كانت مهمة زيدان الأولى تفكيك تلك الألغام، ونزع فتيلها، قبل أن تنسف كل الإيجابيات، وقد كانت قليلة على أية حال..

إيسكو

برزت أمام زيدان مشكلتان، جاريث بيل وإيسكو، الأول لا يحظى بأي قبول من رواد السنتياغو برنابيو، والثاني، دخل نفق النهاية المظلمة، كان زيدان يرى أن التخلص من بيل في صالح غرفة الملابس البيضاء، دائما يستمد ريال مدريد قوته وفعاليته من غرفة الملابس، وليس من فوق، أعني من مجلس الإدارة، حيث فلورنتينو بيريز يريد كل شيء يبدأ من هناك ..

بعض المتابعين كانوا يعتقدون أن زيدان لا يريد بيل في صفوف الريال، وهذا استنتاج غبي، ففي الواقع كانت علاقة جاريث بيل بغرفة الملابس متوترة وغير مستقرة، زيدان كان يرى في التخلص من بيل حلا لعودة الهدوء لغرفة الملابس، وبالتالي إحكام القبضة على مخرجاتها، بالتعاون مع القائد سيرجيو راموس بالطبع ..

فشلت عملية التخلص من بيل مع الميركاتو الصيفي، هنا كان على زيدان تبني بيل، لسببين : ترويضه أولا، واستمالته للاندماج في غرفة الملابس، ثانيا: نجح زيدان في ذلك بشكل مبهر، فقد كان بيل ورقة زيدان في الأزمات والملمات، كلما غاب آدين هازارد بداعي الإصابة عوضه بيل، رغم أن نزعته التهديفية تراجعت كثيرا عما كانت عليه سابقا..

كانت كل المؤشرات تشير إلى نهاية إيسكو، لم يكن أحد حتى في مجلس الإدارة يثق في إيسكو، كان معروضا للبيع بأي ثمن مع انخفاض قيمته التسويقية، وحده زيدان كان يراهن على إعادة إيسكو.. وتجهيزه ليؤدي دورا تكامليا مع بنزيمة، كانت مناورة بارعة من زيدان، صحيح أن إيسكو لم يشكل الإضافة المناسبة للفاعلية الهجومية، لكن عودة اللاعب ليؤدي دورا محوريا في الوسط الهجومي رفع من قيمته التسويقية كثيرا، وهذا نصر استثماري حققه زيدان على بيريز في الوقت المناسب ..

كان زيدان يعلم تماما أن إيسكو ليس الشريك المثالي الذي يفضله بنزيمة في العمق تحديدا، حتى إيسكو كان يدرك تماما أن التكيف مع مركزه الجديد مجرد حل مؤقت لحين عودة هازارد، بحكم أن الحاجة دفعت زيدان لتعديل رسمه التكتيكي، لعله يسهم في إيجاد التوازن الهجومي المطلوب ..

من الهشاشة إلى الصلابة

 

سيرخيو راموسعودة الهدوء النسبي لغرفة ملابس ريال مدريد، قابلها تفكير عميق من طرف زيدان لترميم الواجهة الدفاعية، سكنت الأهداف الغبية مرمى الحارس البلجيكي ثيو كورتوا، وتجرأ صغار المهاجمين على هز شباك الريال..

بدا وكأن هناك شوارع وكوبريهات افتتحها ريال مدريد في العمق، كانت منطقة دفاع ريال مدريد منطقة حرة يستثمر فيها المهاجمون كبيرهم وصغيرهم الفرص المتاحة أمام المرمى، لم يعد مدريدي واحد يثق في ثنائية سيرجيو راموس ورافائيل فاران..

ارتفعت الأصوات مطالبة بعزل الثنائي وتجديد المنظومة الدفاعية، وحده زيدان لم يهتز، ولم يفقد ثقته في حرسه الدفاعي القديم، وضع في أذنه اليمنى طينا وفي اليسرى عجينا، وبدأ مرحلة علاج طويلة، انتهت بسلام، تحولت الهشاشة الدفاعية مع مرور المباريات إلى صلابة كبيرة ملفتة للأنظار ..

وإذا كان زيدان قد احتاط للطوارئ باستقدام البرازيلي الشاب ميليتاو من بورتو البرتغالي، ثم جلب الظهير الأيسر الفرنسي ميندي من ليون، فالهدف من ذلك كان إحداث نوع من التوازن بين العرض والطلب، نعم تبدو نظرية تجارية بحتة في مفكرة زيدان، غير أنها في الواقع أكسبت الريال حصانة دفاعية مطلوبة، خصوصا وأن مارسيلو دخل النفق الأخير في مسيرته ..

فلسفة زيدان في علاج أمراض الريال كانت قائمة على الصبر، صبر على بيل إلى أن أعاده إلى الواجهة من جديد، صبر على إيسكو ونقله من حال إلى حال، صبر على ثنائية فاران وراموس، وجعل منهما سدا منيعا، ثم قام بتطوير قدرات ميندي الدفاعية، من دون أن يتوصل حتى الآن إلى مصل يجعل من أدواره الهجومية ناجعة بما فيه الكفاية، كما هو الحال بالظهير الأيمن كارفيخال ..

رهان هازارد ومنظومة بنزيمة

 

هازاردلم يتبق أمام زيدان سوى إشكالية الهجوم، فبعد أن وجد ضالته المفقودة في قطعة الغيار فالفيردي الذي أعاد لوسط ريال مدريد حيويته ونشاطه وتوازنه، بات بحاجة إلى حل إشكالية رأس الحربة أو المهاجم الكلي، بداية اعتنق زيدان شاكلة 4/3/3..

شاكلة مارسها الفريق لتدور سابقا حول محورها البارع كريستيانو رونالدو، كان فيها كريم بنزيمة الطعم أو القنطرة التي يمر عبرها رونالدو إلى الشباك، كانت بالفعل طريقة ناجحة للغاية جعلت من رونالدو الهداف التاريخي محليا و أوروبيا..

حاول زيدان استنساخ نفس التجربة، هازارد يحل محل رونالدو، ويقوم بنزيمة بنفس الأدوار التكتيكية السابقة، تجربة لم يكتب لها النجاح، أو ربما أنها بحاجة إلى مزيد من الصبر، كما يعول زيدان على هذه المعادلة..

تجربة هازارد لم تكن مثمرة، مرة لأن هازارد غاب كثيرا عن المباريات بداعي الإصابات المتلاحقة التي لم تجعل الدينامو البلجيكي يلتقط أنفاسه، ومرة لأن قدرات هازارد في صناعة اللعب تتفوق بمراحل كثيرة على حسه كهداف، لا يمكن أن يقارن برونالدو مهما كانت ثقة زيدان في رسامه البلجيكي ..

كانت فلسفة زيدان في الثلث الهجومي بسيطة، تقليدية، هازارد يتموضع يسارا عند المرتدات، وكريم يندفع إلى الصندوق بحثا عن رأسية أو عرضية مؤطرة، وفي جانب تدوير الكرة عند الاستحواذ، يدخل هازارد إلى العمق، ويسقط بنزيمة إلى الخلف لجذب مدافع أو مدافعين، على أن يبقى الرواق الأيمن (بيل أو رودريجو أو فينيسيوس) في حالة ترقب..

إصابات هازارد فرضت على زيدان تعديل الأوتار، واللجوء للكثافة الهجومية للقضاء على عقم التسجيل، بنزيمة وحده هو من حمل لواء الفاعلية الهجومية، سجل 12 هدفا حتى الآن، وقدم الكثير من التمريرات الحاسمة، لكن الديك الفرنسي أرهق بالفعل لأنه يؤدي دورين مختلفين يستنزفان طراوته البدنية ولياقته الذهنية.

ظل بنزيمة مطالبا بإيجاد الحلول، مرة يتقمص دور صانع الألعاب من العمق أو من الرواقين، ومرة منقذ في الهجوم، عليه أن يسجل تحت أي ضغط، لأنه في الأصل مهاجم داخل منظومة الفريق ..

يوفيتش .. تجربة تستحق المجازفة

يوفيتش

جرب زيدان ثنائية بنزيمة وجاريث بيل، تجربة لم يكتب لها النجاح، ولا أظنها تجربة تستحق التكرار، لأن مواصفات بيل تخلو من أي إلهام أو ابتكار في العمق، نعم التحول إلى شاكلة 4/4/2 منح فريق زيدان مساحة كبيرة من الاستحواذ، وهي خاصية جديدة على الريال طوال تاريخه، فقد كان الفريق يؤمن بالخلق وبجدوى الانتهازية الهجومية ..

خروج زيدان عن هذا التراث المدريدي له ما يبرره، فقد اختلفت أدوات الحاضر عن أدوات الماضي بشكل كبير، قدم فريق زيدان نموذجا جديدا في التحكم أمام برشلونة، فريق قوي من الناحية النفسية والبدنية، زاوج بشكل مدهش بين عمليتي الامتداد والارتداد أمام خصم هو مدرسة أصلا في تدوير الكرة وإرهاق الخصم نفسيا وبدنيا ..

كانت الفاعلية الهجومية تقريبا معدومة، والسبب أن تلك الشاكلة التكتيكية لا تخدم بيل كمناور على الرواق، ولا تخدم بنزيمة كمهاجم وهمي حر الحركة..

نفس الإشكالية تجلت أمام أتلتيك بلباو، ريال مستحوذ، يخلق الفرص بغزارة، لكنها تضيع لغياب اللمسة الأخيرة، ولعدم وجود مهاجم ثابت يزرع في منطقة جزاء بلباو،
في تصوري أن ريال مدريد بحاجة إلى مهاجم ثابت لا يغادر منطقة جزاء الخصم إلا لدواع تكتيكية، فهل هذا الحل متوفر حاليا في ريال مدريد ..؟..

ربما لا يتوفر بشكل خلاق، لكنه متوفر في حده المعقول، زيدان مطالب أكثر من أي وقت مضى بمنح يوفيتش فرصة مزاملة بنزيمة في الهجوم، عوضا عن بيل أو إيسكو، بدون شك لم يحظ يوفيتش بثقة كاملة من زيدان، لأن هذا الأخير يرى فيه مهاجما تقليديا لا ينفع إلا في أقصى حالات الطوارئ التكتيكية..

المشكلة أن زيدان لا يريد التخلي عن الرواقين، لا يريد أن يبدأ الحل من العمق، لأن اعتناق مثل هذا التحول التكتيكي يعني التضحية بكل مؤهلات آدين هازارد، ثم التخلي تماما عن بيل وإيسكو ورودريجو وفينيسيوس ..

يرى زيدان في المرونة التكتيكية سببا خطيرا يحرم يوفيتش من اللعب أساسيا، فهو لازال يفكر في البناء الفني أولا قبل البناء التكتيكي، من الناحية النظرية قد يبدو زيدان محقا في عدم التفريط بدور الأروقة..

وقد يبدو محقا أيضا في منح كل المساحات أمام هازارد، والإبقاء على غطاء فني يستوعب ويحتوي كل مؤهلات بيل ورودريجو وإيسكو وفينيسيوس، لكن عندما تتراكم سلبيات الهجوم، ويواصل عقمه، لا مفر من التخلي عن الهوس الفني، والركون للمنطق التكتيكي، ألا تعلم يا زيدان أن الضرورات تبيح المحظورات؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق