أتلتيكو مدريد وليفربول.. الرقص على رؤوس الثعابين..!

تحليل – محمد العولقي

هل غامر الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول الإنجليزي بالرهان على نفس الديناميكية التكتيكية أمام فريق يحسن البناء الدفاعي من منتصف ملعب الخصم كما هو مع أتلتيكو مدريد..؟

سؤال يبدو للوهلة الأولى مجرد من كل أدوات المباغتة، لكنه في الواقع السؤال الذي نجح في الإجابة على محتواه الأرجنتيني دييغو سميوني مدرب أتلتيكو مدريد، فيما عجز كلوب عن تفسيره حين بدأ ليفربول في ملعب لاواندا مترو بوليتانو كمن يرقص على رؤوس الثعابين بلا حيلة ..

هل فاز أتلتيكو مدريد على ليفربول ذهابا في دوري أبطال أوروبا، لحساب ثمن النهائي، لأن سميوني جرجر كلوب إلى معركة تكتيكية ينتصر فيها من يحسن العزف على أوتار الجزئيات الصغيرة ..؟

الإجابة بدون شك مليون نعم، ومليون علامة تعجب على الإطار التكتيكي المكشوف الذي انتهجه كلوب أمام مدرب هو بالفعل أستاذ في غلق المساحات، ومعلم بارع في قتل رتم ونسق الخصم، خصوصا عندما يكون هذا الخصم تقليدي لا يتوفر على لاعب خبير يكسر حائط الصد الذي شيده سميوني من أسمنت وحديد مسلح ..

مخطئ تماما من كان يتوقع أن مواجهة المترو بوليتانو هي مواجهة بين فريقين ولاعبين، لأن الهدف المباغت الذي سجله ساؤول في الدقيقة الرابعة، جعلها مباراة خاصة جدا بين سد مدريدي أفرغ عليه سميوني زبر الحديد، و قلة حيلة كلوب الذي وقف يتفرج على سد سميوني دون الحاق أي ضرر بجداره الصلب ..

انتصار أتلتيكو مدريد على ليفربول بطل أوروبا على سن و رمح، حتى وأن بدأ صغيرا إلا أنه كشف عورات ليفربول، في وقت يفترض أن تصل درجة حرارة التركيز إلى أعلى معدل ممكن ..

ربما كان اليأس التكتيكي لليفربول مقلقا لعشاقه، على أساس أن ليفربول ظهر ذهابا بلا حلول، فحتى لو امتدت مباراة المترو بوليتانو لشهر كامل، فلن يتكمن ليفربول من التعامل مع الحقل المغناطيسي للأتلتيك بالطرق التقليدية التي انتهجها كلوب، وهو أمر قد يتكرر في الأنفيلد رود ما لم يكشف كلوب عن حيلة مبتكرة تلغي نظرية الحقل المغناطيسي لدييغو سميوني ..

يمكن اختزال العوامل التي صنعت من سميوني مدربا للجزئيات الصغيرة أمام ليفربول في النقاط التالية:

سميوني تفوق على كلوب 

يستحق دييغو سميوني أن يكون نجم المباراة الأول بلا منازع، فقد استطاع قراءة محتوى ومبتغى فريق ليفربول تماما، وعرى نقاط ضعفه التي بدت مثل زبد البحر ..

شيد سميوني ثلاثة خطوط دفاعية فولاذية، تبدأ من المهاجم موراتا وتنتهي عند الحارس أوبلاك، ولقد كان هدف ساؤول الخاطف في الدقيقة الرابعة هدية من السماء، لأن سميوني قرر إنهاء المباراة بهذا الهدف ..

اختزل سميوني المباراة بفكره الدفاعي في أربع دقائق لا غير، لأن بقية الدقائق كانت مجرد مناوشات ليفربولية و هجمات سطحية بلا أنياب ..

ولم يكن سميوني ليفرض على ليفربول كل هذه القتامة التكتيكية لولا أنه أقام وزنا للعوامل النفسية، وفي سبيل ذلك لجأ سميوني إلى سلاحه القديم، القتال داخل الملعب، مع تحويل المباراة إلى مسامرة في الوسط، حيث كثرت الالتحامات القوية التي أنهكت لاعبي ليفربول نفسيا وبدنيا ..

لاشك أن سميوني تفوق على كلوب في تجهيز كتيبته الانتحارية ذهنيا، مع التقيد برقابة بناء ليفربول الذي ظل رسمه ثابتا لا يتغير 4/3/3.. وإذا كان كلوب قد برهن على أنه بشاكلة 4/4/2 قادر على الخلق والمباغتة واستنزاف مخزون ليفربول الفني، فإنه أيضا بهذا الأسلوب الشامل جعل من المباراة معركة نفسية أفرغت ليفربول من محتواه الذهني والنفسي ..

ورغم أن كلوب كان يعلم مسبقا أن سميوني سيلجأ إلى أساليب الكرة الانجلوسكسونية التي تعتمد على قوة الالتحامات والاندفاع البدني القوي و تسييج منطقة الدفاع بأكثر من حائط، إلا أنه أبقى على لاتينية فريقه دون خداع، مع العلم أن تفكيك الأتلتيك عملية شاقة تحتاج إلى قائد في فن المناورات من العمق يجيد قراءة طلاسم سميوني، مثل ليونيل ميسي السم الذي يتجرعه سميوني كلما واجه برشلونة ..

رواقا ليفربول معتقلان

بات واضحا أن قوة ليفربول الهجومية تتمركز في تغذية الظهيرين ألكسندر أرنولد يمينا و أندي روبرتسون يسارا، وعندما لعب سميوني بوسط رباعي يميل ناحية الرواقين أكثر، عطل كل تلك المفاتيح الليفربولية وحجمها تماما، بدأ وكأن سميوني قد أصدر أمرا قهريا باعتقال رواقي ليفربول وتحييدهما عن القيام بأي دور هجومي مؤثر ..

أمام فريق شرس و عنيف مثل الأتلتيك لا جدوى من الهجوم الناعم، ولا فائدة من الفنيات طالما كانت فقط تعتمد على عبقرية محمد صلاح و سيدو ماني و روبرتو فرمينيو ..

كل هذا لا يخلق هجوما ضاريا شرسا يفتت الحصانة الدفاعية لكتيبة سميوني دون غطاء تكتيكي يضع الحلول لكل معضلة أو مشكلة يصنعها الخصم ..

كان على كلوب قراءة أسلوب الأتلتيك أولا، قبل الخوض في تفاصيل فريقه فنيا، فدائما الخصم الذي يدرس فلسفة لعبك يضع أمامك المطبات التكتيكية، وعليك أن تكون مستعدا دائما لأي طارئ ..

ظل كلوب أسيرا لسلاحي أرنولد و روبرتسون، ولم يحرك بيادق العمق إلا نادرا، لهذا كانت هجمات ليفربول فاترة وباردة وبلا مخالب تنبش في جدار سميوني الدفاعي المنيع ..

ذهنيا لم يكن ثلاثي هجوم ليفربول في المستوى، ظهر صلاح في لمحات قليلة غير مؤثرة عدا واحدة أهدرها بتسرعه، و بدأ ماني متوترا على غير العادة، أما فرمينيو فقد كان تائها في متاهة سميوني الدفاعية ..
لم يكن البديلان أوريجي و شامبرلين قادرين على تغيير الوجه الهجومي الشاحب، على عكس تبديلات سميوني التي كانت تكتيكية بامتياز ..

الجزئيات التي غفل عنها كلوب 

الجزئيات الصغيرة لا تصنعها الظروف مهما كانت عاصفة، لكنها دائما تأتي حسب قيمة وأهمية المباراة لكل مدرب ..
قبل المباراة كانت كل التوقعات تصب في خانة ليفربول بلا أدني شك، فهو في وضع نفسي جيد، يتصدر البريمرليج بدون هزيمة، و قوته لم تعد تخفى على القارة العجوز ..

على عكس أتلتيكو مدريد الذي يقدم نفسه في لاليجا ملطشة وحملا وديعا يوزع النقاط على الصغار بسذاجة، لكن سميوني يحسن اللعب دائما في البطولات ذات النفس القصير، كما يحسن نقل فريقه نفسيا وذهنيا من النقيض إلى النفيض عندما يلعب أمام الكبار وتحت الضغط ..

كلوب لم يكن يفكر كثيرا في مواجهة أتلتيكو مدريد ولا في الجزئيات الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات المغلقة تكتيكيا، ربما اغتر بانتصارات فريقه في الدوري الإنجليزي، ربما خدعته الأرقام التي كانت تشير إلى تواضع أتلتيكو مدريد وسهولة الفوز عليه بأقل مجهود ممكن ..

لم تعد هناك إلا حقيقة واحدة بعد خسارة مباراة الذهاب، ليفربول ليس الفريق المتكامل الذي يستخرج من جراب حاويه كل الخدع التكتيكية البيضاء، فتنقذه في اليوم الأسود.

وعندما يجمع ليفربول أمام الأتلتيك بين العجز الفني و الإفلاس التكتيكي، فهو بذلك يجعل من مباراة العودة مباراة الموسم، شعارها الحياة من جديد، أو الموت بين طلاسم أشعار سميوني في الأنفيلد ..

السؤال الذي يقض مضاجع عشاق ليفربول وفريقهم على عتبة مغادرة دوري أبطال أوروبا من الباب الصغير، هل يمتلك يورغن كلوب حلولا تكتيكية مفاجئة تذيب و تصهر الفولاذ الدفاعي لسميوني ..؟

لن يكون الأتلتيك إيابا جريئا بحيث يبدأ مهاجما، سيلعب بعشرة مدافعين وبنفس عقلية سميوني التي تعشش فيها الأفكار الدفاعية القاتمة، فهل يمتلك كلوب معاولا لتفتيت حصانة سميوني الدفاعية ..؟

هل هناك لاعب خلاق قادر على إضاءة الطريق أمام ليفربول حتى لا يمشي وحيدا في الأنفيلد ..؟

وهل كلوب قادر على بث الروح القتالية في فريقه دون الاستغناء عن الانضباط التكتيكي؟ أم أنه سيتمادى في العجز التكتيكي ويكتفي بالرقص على رؤوس الثعابين للروخي بلانكوس كما فعل في المترو بوليتانو ذهابا ..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق