نسور لكل العصور

كتب- محمد العولقي

حقق الأهلي المراد من رب العباد، لم تكن برونزية العالم التي زينت أعناق لاعبي الأهلي في الدوحة سوى درة جديدة تضاف إلى تاجه التاريخي المرصع بالألماس والذهب والياقوت والمرجان وبقية الأحجار الكريمة.. يؤسفني أن الأهلي خيب ظن الذين كانوا يراهنون بعقولهم المريضة على أن نادي القرنين سينكسر أمام فريق بالميراس البرازيلي القادم من قارة الأمازون حيث السامبا والرومبا والتانجو، يؤسفني أن هؤلاء المعذبين نفسيا غردوا خارج السرب، ولم يتنازلوا عن غيهم، أو يغادروا منطقة (الضلال) وهم يرون في تتويج الأهلي المستحق ببرونزية المونديال مرارة تسكن حلوقهم..

مساكين هؤلاء الذين يحلمون ليلا ونهارا ولو برفع ملعقة بلاستيك في أية مناسبة عالمية أو قارية، يراقبون الأهلي (مان تو مان)، ومع كل قصة نجاح تنتهي برفع كأس أو ميدالية تزين الصدور يتبولون على أنفسهم ويأكلون أحشاءهم تماما كحال النار التي تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، ومع كل تتويج أهلاوي معتاد تتضاعف هموم فرسان الرغي والكلام الفارغ، وتتحول همومهم السيادية إلى سكر، مرض العصر والمغرب والعشاء ..

هذه المرة كانت سعادة عشاق النادي الأهلي كبيرة بحجم إنجازه ، فقط لأن ميدالية كأس العالم للأندية اتتزعها من فريق برازيلي وما أدراك ما كرة البرازيل في العالم ، وهذه المرة لم يجد المعذبون في الأرض مخرجا لو بحجم خرم إبرة لمأزق مظلوميتهم واضطهادهم ماتوا بغيظهم، تواروا عن الأنظار ودخلوا مرحلة بيات شتوي لم تمنع بعض المختلين سلوكيا من الهذيان وإعلان عصيان على النوم، مع أن النوم راحة نفسية كما يقول الأطباء النفسانيون، ونوم الظالم عبادة كما يقول فقهاء الشريعة.. برونزية الأهلي هذه المرة لها مذاق خاص جدا، ولها فرحة عارمة لا توصف ، ولها نكهة لذيذة تزكم الأنوف، فعندما يشرح الأهلي صدورنا و يفوز على بطل ليبرتادورس وسحرة أمريكا الجنوبية ، ويرسل بالميراس من علامة الترجيح إلى الأوت بعيدا عن مزاد ومراسيم الختام حيث الأوسمة والألقاب، فهذا إنجاز عالمي بيض وجه القارة السمراء ، ورفع من قيمة الكرة العربية في البورصة العالمية ..

اجتاز الأهلي أمام بالميراس البرازيلي كل العوائق والنواقص ، وقفز فوق كل الأسلاك الشائكة، وتخطى كل الحواجز التي ألمت به، لم يأبه لأشواك لاعبي بالميراس، ولم ترعبه نوعية راقصي السامبا، أعطى ظهره لترعة من كانوا يتمنون سقوطا مدويا للأهلي، وقف أمام بالميراس قويا شامخا لا تهز أعاصير الكاريبي شعرة من رأس أي لاعب أو إداري، جارى الفريق البرازيلي، نازعه السيطرة، وقف له الند للند، وبارزه ميدانيا رأسا برأس، ورغم فجوة الغيابات المؤثرة لم يهتز عرش الأهلي، حضرت روح الفانلة الحمراء، تلك الروح الحمراء التي لها مفعول السحر، فلم نشعر أن الأهلي منقوصا أو يقل قوة ومهارة ورغبة عن لاعبي البرازيل .. الذين دققوا النظر في تقاطيع وملامح وجه الكابتن الأسطوري محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي بعد الانتصار، أسرتهم تلك الدفقة الفرائحية التي ارتسمت على محياه، هذا لأن الخطيب اللاعب المبدع السابق والإداري المحنك حاليا، يعرف تماما الآثار النفسية التي تخلفها مواجهتان من العيار فوق الثقيل، بايرن ميونيخ الألماني أولا، ثم بالميراس البرازيلي ثانيا، خرج منهما الأهلي أكثر صلابة وصلادة عن ذي قبل ، وسترون تلك الصلابة والصلادة في الدوري المصري ودوري أبطال أفريقيا، وستدركون أن الأهلي خرج من مخاض مونديال الأندية بطلا عنيدا جائعا ومتعطشا للمزيد من البطولات والألقاب ..

إنه الأهلي أصل الكرة العربية وفصلها وفخرها بلا منازع، لا أحد سواه يمضغ ثقافة اقتناص الألقاب حتى من رحم المستحيل، لم يقف مصيره يوما على قدم لاعب، أو رأس هداف، أو عضلات مدافع ، فالأهلي دائما بمن حضر ، يغيب عنه لاعبون ، تتبدل الأجيال جيلا بعد جيل، والأهلي كما هو حلم في فم الأماني ليت للآخرين منه قلامة ظفر ..

عاد الأهلي إلى القاهرة متخما بمجد برونزي عالمي جديد يضاف إلى رصيد أمجاده ، ولن يلتقط أنفاسه أو يتلذذ بهذا الإنجاز طويلا، فجماهيرة التي أثبتت في الدوحة أنها اللاعب رقم واحد رغم الفقاعات الطبية، تطلب الآن سوبرين، سوبر أفريقي وسوبر مصري ، ولن يكون أمام إدارة ولاعبي الأهلي وجهازيهم الفني والإداري سوى تلبية مطالب الجماهير، هذا لأن نسور الأهلي شرهة وجائعة لا تشبع بطولات وألقابا على مر العصور ، مليون تريليون مبروك للأهلي برونزية مونديال الأندية والعاقبة لديكم بالمسرات والأفراح والليالي الملاح ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى