* حكاية اليمني الذي رأى (ديشامب) يرفع كأس العالم مدربا قبل ثمان سنوات ..!

يرويها: محمد العولقي 

 

* بينما كان الحارس الفرنسي (هوغو لوريس) يستعد لرفع كأس العالم في ملعب (لوجنيكي) بالعاصمة الروسية (موسكو) يوم 15 يوليو 2018 ، كان هناك من عايش وعاقر التتويج قبل الفرنسيين بثمان سنوات كاملة ، أبدا ليست ( فزورة)، ولا طلسما استعصى فهمه، نعم هناك يمني متيم بحب الكرة الفرنسية رأى الغد الفرنسي قبل الهنأ بعقد من الزمن .. لا تجعلوا هذا يدهشكم، إنها الحقيقة بشحمها ولحمها وعظمها، ولكي نزيل عن الوجوه غبار الدهشة وضباب الاستغراب تعالوا لتعرفوا أصل وفصل الحكاية من طقطق للسلام عليكم ..

عندما عمت الفرحة الزرقاء كل العالم، بفوز منتخب فرنسا ببطولة كأس العالم للمرة الثانية في غضون عشرين عاما على بساط الجدارة و الاستحقاق،  كانت هذه الفرح انتصارا للكرة الواقعية التي تؤمن بمبدأ التكتيك المنظم المنضبط الذي يصنع الفارق على حساب الاستحواذ العقيم الذي باد تماما أمام الإعصار الفرنسي الأزرق الذي أكل الأخضر واليابس، والنتيجة أن الديك الفرنسي الفصيح ابتلع كل حبات قمح الأسطبل العجوز بطريقة عملية تستدعي فتح المفكرة الفرنسية لتشريح الأسلوب الذي فرض نكهة اللون الأزرق على بقية ألوان الطيف ..

 

بطل الحسناوات..

*  (ديديه ديشامب) فارس ميدان الحذق التدريبي الجديد ، الرجل الذي ودع فرنسا بقلب منقبض و صدر ضاق ذرعا من الحملات الإعلامية التي شككت في قواه العقلية قبل أيام على انطلاق الحدث العالمي في روسيا، ثم في ظرف سبع مباريات استطاع أن يحول رأي الإعلام فيه من النقيض إلى النقيض، فديشامب المدرب الذي وصل إلى روسيا وفوق رأسه أطنان من الانتقادات المؤلمة تحول في رمشة عين إلى بطل قومي فرنسي ينازع الرئيس (ماكرون) شعبيته، ذلك المدرب المنقبض والمتجهم المثخن بعبارات اللوم والشك انتصر أخيرا في معركته مع الإعلام الفرنسي انتصارا ساحقا ماحقا، ضحك كثيرا وهو يخيط لبلد الموضة ثوبا أزرق فاحما يشع بضياءات كل النيازك وكل النجوم، ويغري كل حوريات البحور وكل حسناوات القارة العجوز، كسب (ديشامب) المعركة واستطاع أن يحول إلى بريده كل عبارات الثناء والتقدير..

كل الفرنسيين وعشاق المنتخب حول العالم لم يراهنوا على (ديشامب) إطلاقا، على العكس تماما أعد الفرنسيون قبرا للمدرب (ديشامب) وكانت في انتظاره جنازة، والجنازة ديك، إلا مهووسا يمنيا يموت في غرام فرنسا خالف الجميع ، كان يحلف ويقسم أن (ديشامب) سينتصر في معركته مع الإعلام الفرنسي وسيعود محملا بكأس العالم من روسيا ، والسبب (رؤيا) أتاحت له مشاهدة سيناريو النهائي كما حدث تماما على أرض الواقع وقبل ثمان سنوات كاملة ..

هستيريا..

* عزيزي (ديديه ديشامب)، أخصك أنت بالذات بهذه الحكاية الإنسانية ذات الأبعاد  العاطفية الجياشة دون غيرك لسببين:
الأول: إنني أحتفظ بفرنسيتي كمشجع ومؤرح للكرة الفرنسية منذ 34 عاما، وتحديدا منذ أن رفع قائد منتخب فرنسا الشهير (ميشيل بلاتيني) كأس أمم أوروبا السابعة بباريس عام 1984، والثاني: لأنني واكبت وعايشت بطل (الرؤيا) منذ أن رفعت أنت بالذات كأس العالم باستاد (دو فرانس) بعاصمة النور عام 1998 ، ثم إن هذا الرجل حاول طمأنتك قبل المونديال الروسي ولم يجد وسيلة للوصول إليك ..

لا يمكنك أن تتخيل تلك الفرحة الهستيرية التي أصابت ذلك الشاب اليافع، ولا يمكنك استيعاب حجم الجنون الذي انتاب ذلك الشاب، كنت قريبا منه تماما عندما أطلق الحكم المغربي الراحل (سعيد بلقولة) صافرة النهاية معلنا فوز فرنسا على البرازيل بثلاثية (زيدان و أيمانويل بيتي)، لاحظت ذلك اللون الأصفر الذي كسا وجه ذلك الفتى، شعرت للحظات أن كل الدماء جفت في عروقه، راقبته (مان تو مان) لكن ليس على طريقة (نغولو كانتي لليونيل ميسي)، أحسست أن الفتى سيقضي نحبه وهو يصرخ ويبكي ويضحك، كنت يومها الوحيد الذي هدأ من روعه، احتفلت معه بفوز فرنسا بلقبها الأول لأنه قريب مني تماما، ثم حرصت على متابعته طوال عشرين عاما ولو عبر قرون الاستشعار..

وما الحب ما قتل..

* عزيزي (ديديه ديشامب) .. ببساطة ذلك الرجل اليوم يبلغ من العمر 42 عاما، قبل فوز فرنسا بمونديال كأس العالم للمرة الأولى قبل عشرين عاما، لم يكن ذلك الشاب اليمني يملك من حطام الدنيا شيئا، ومازال كما هو يعيش على الستر،  فقط ذلك اللقب الفريد الذي رفعته بيديك في ليلة (ساندوني) أطعمه هوسا فرنسيا غريبا، كل شيء في حياته أزرق اللون، لبسه، جدار منزله المتهالك، لا يتابع ما يدور على كوكب الأرض إذا لم يكن متعلقا بفرنسا..

اكتشفت مؤخرا أن هذا الرجل الذي دخل مرحلة الخريف يتابع فقط الإذاعة الفرنسية والتلفزة الفرنسية (t . V 5 )، يعرف كل شيء عن الكرة الفرنسية من (رايمون كوبا و جوست فونتين) الى آخر منحنيات جيل المدرب (ديشامب)، عندما يحدثك عن الكرة الفرنسية كأنه يحدثك عن بيته ، وعندما يتكلم عن (ديشامب) كأنه يتكلم عن صديق وخل وفي ، وعندما يسترسل في شرح طريقة لعب الواعد الصاعد (كليان أمبابي) كأنه يتحدث عن ابنه او أحد من أقاربه، يبات على لحم بطنه لكنه يحلم بالأفراح الفرنسية فيشبع ويصاب بالتخمة، حالة عجيبة وخاصة تترجم مقولة: ومن الحب ما قتل ..

قبلة الحياة..

* عزيزي (ديشامب) أنت مخول اليوم بقراءة قليل من تفاصيل حكاية هذا الرجل اليمني الذي يعيش على حب فرنسا، وعلى أمجاد الكرة الفرنسية، ففوز فرنسا بلقب مونديال العالم للمرة الثانية يساوي عنده مؤونة معنوية لأعوام قادمة، لقد جاء اللقب الثاني لا لتنتصر فرنسا فقط، ولكن كي يمنح هذا اللقب قبلة الحياة لهذا اليمني المتيم بعشق الكرة الفرنسية، يعيش هذا الرجل في بلاد تعصف بها الفوصى والحروب والمجاعة..

كان هذا الصيف قاسيا على هذا الرجل بحرارته التي لا تطاق، في ظل بلدة ريفية لا تعرف الكهرباء إلا لخمس ساعات في اليوم في أحسن الأحوال، ثم جاء فوز فرنسا بالمونديال ليخفف من وطأة هذه المأساة التي يعيشها اليمنيون، وفي مثل هكذا ظروف من الصعب أن نضحك مع بعض أو نلتمس فرحا زائفا، لكن معادلة الحياة القاسية عند ذلك الرجل تغيرت بزاوية دائرية ، لقد كان فوز فرنسا دليل بقاء ، ودليل حياة يجب أن يعيشها ذلك الرجل ولو بخياله وجوارحه وعواطفه وذكريات إنجاز أزرق الهوى سيظل يقتات عليه أربعة أعوام قادمة ..

الحمى الزرقاء

* عزيزي (ديديه ديشامب) .. في لحظة تجلي نفضت عن نفسي الأمارة بالسوء بقايا صبر ، تخلصت قليلا من غبار خيبات فرنسية دامت طويلا، سافرت ببصري نحو تلك الأمواج البشرية المتوشحة بالعلم الفرنسي، تجولت فرحا بنعمة البصر في قصر (الإلزية)، ورصدت عيناي سهرة المساء في شارع (الشانزلزية)، حلقت مع المحتفلين في ( برج إيفل)، وتعانقت لا شعوريا مع ألوان الطيف تحت (قوس النصر )،  فجأة خطر ببالي ذلك الرجل اليمني المهووس بالحمى الزرقاء التي اجتاحت مفاصل العالم، وتساءلت ترى هل مازال حيا يرزق بعد كل هذه السنين ..؟

لم يطل تساؤلي كثيرا ، لأن مقربين من الرجل أبلغوني أمنياته في أن يراني في بيته المتهالك ..؟ وبدون تردد انتابني فضولي الصحفي، فلبيت دعوة الرجل وأنا متلهف لرؤيته بعد هذا الفراق اللامنطفي ، وهناك في منزل الرجل استقبلني على الباب غلاما في العاشرة من عمره ، على وجهه غبرة تعتليها قترة ، وبأدب جم لا يتناسب مع بدلته الفرنسية البالية قال : أبي في انتظارك ..؟

وتحت سقف شبه متهالك ، وجدران مهلهلة أصغيت إلى الرجل الذي غزا رأسه بعض الشيب، واتسعت عيناي من هول حكايت، ثم قررت أن أسرد بعض تفاصيلها على وسائل التواصل الاجتماعي لعلها تصل إلى (ديشامب) أو الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، ليعرف أن هناك يمنيا ظل يلعق الصبر ويسدد فاتورة الحياة من أعصابه وخلاياه لعقدين من الزمن..

ديشامب

رؤيا..

شرد الرجل ببصره وهو يحدق في صورة مزدوجة تخص (ديشامب)، نصفها للاعب وهو يرفع كأس العالم لاعبا، ونصفها أيضا لديشامب المدرب، فجأة انحدرت على وجنته دمعة ممزوجة بتأوه واضح، ثم زفر زفرة حارة وهو يقول لي:

أنا الوحيد الذي كنت أعلم أن (ديشامب) سيفعلها، مثلما فعلها ( ماريو زاغالو وفرانس بيكنباور)، صمت قليلا وهو يداعب وجنتي نجله المحمرتين، قبل أن يضيف:
لقد رأيت ذلك في المنام، ولم يصدقني أحد، اليوم تتحقق (الرؤيا) بكل تفاصيلها ويتحول الحلم إلى حقيقة ..

تضاعفت دهشتي مرات ومرات، وقطبت جبيني، وقبل أن أطلب تفسيرا، لوح بيده قائلا:
طوال عشرين عاما وأنا انتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر، الذين يعرفون تعصبي لمنتخب فرنسا نعتوني بالجنون، ومنهم من قال إن فوز فرنسا ببطولة العالم قبل عشرين عاما كانت رمية من غير رام، ومنهم من اعتبر ذلك التتويج مجرد بيضة ديك، طوال تلك التراكمية عصفت بي المآسي الفرنسية، تحولت الهواجس عندي إلى شك مدمر مع رحيل (زين الدين زيدان) عن الملاعب..

طوال هذا الفراق الموحش كنت مع أسرتي الصغيرة نتغذى على الصبر وعلى الأمل، كان لابد من مد خيط الأمل مع كل انتكاسة فرنسية، لقد بكيت في حياتي ثلاث مرات، الأولى عندما رفع (ديديه ديشامب) كأس العالم عام 1998، وقتها كان عمري 22 عاما، والثانية: عندما خسرت فرنسا نهائي كأس العالم بألمانيا عام 2006 أمام إيطاليا بركلات الترجيح، كان بكاء” مالحا مريرا، والثالثة: عندما رفع القائد (هوغو لوريس) كأس العالم للمرة الثانية في موسكو ..

تنحنحت وأنا أسال: ماذا كنت تفعل طوال عشرين عاما ..؟

أجاب بسرعة: كنت أؤدي واجبي كعاشق للكرة الفرنسية، بعد نكسة مونديال جنوب إفريقيا أسودت الدنيا في نظري، كأن شيئا ما انكسر داخلي، قررت العزلة والانطواء ومقاطعة المباريات عدا مباريات المنتخب الفرنسي، هذه الغرفة الزرقاء كانت سندي و عوني وقوتي، عشت طوال ثمان سنوات رهينا أجتر ذكريات الماضي، ابتسم عندما احتفي بذكرى ارتباطي الكاثالوكي بالكرة الفرنسية، أصبت بالحمى الزرقاء ﻷول مرة عام 1984، كان عمري وقتها ثمان سنوات عندما رفع  الملهم (ميشيل بلاتيني) كاس الأمم الأوروبية السابعة، نعم كنت أرتوي من الذكريات الزرقاء الجميلة، لم أنس أنني عشت ربيعا حقيقيا مع جيل (زين الدين زيدان)، لقد حقق ذلك الجيل كل الألقاب الممكنة، كأس العالم، أمم أوروبا، كأس القارات ..

في ليلة مؤرقة من العام 2010 نمت كمدا، لم أتذوق طعاما ولا شرابا، للتو كانت فرنسا تخرج من نهائيات كأس العالم بجنوب إفريقيا بفضيحة في الأداء، وفضيحة على مستوى سلوك ( نيكولاس أنيلكا) مع المدرب صاحب الأبراج ( رايمون دومنيك)، مادت بي الأرض ثم سقطت أمام أصدقائي مغشيا علي، وفي وقت كان الطبيب يتابع نبضي، ويطمئن على دقات قلبي، زارني ذلك الحلم، وترسخ ذلك الحلم في تلافيف مخي، رأيت (ديديه ديشامب) تحت أضواء زرقاء مبهرة، كان يتوشح وشاحا ذهبيا ومن حوله مجموعة من لاعبين شباب يرقصون ويغنون ويهتفون لفرنسا وهم يرفعون التحفة الذهبية..

كان (ديديه) يبدو ملكا أزرق اللون، جميع من على المسرح ينحنون له في احترام كبير، كانت لوحة الملعب تشير إلى فوز فرنسا بالأربعة لست أدري في مرمى أي منتخب؟، انحفرت تلك الرؤيا في رأسي ولم تغادره طوال ثمان سنوات، فجأة انتعشت كل خلاياي المجهدة، واستجمعت عضلاتي قوتها، ثم نهضت من مرقدي دون شعور، وهتفت والجميع يحيطون بي وهم يعتقدون أني في حالة احتضار: سيفعلها (ديديه ديشامب) يوما، أقسم على هذا ..

 

دهشة..

لا يمكنك أن تتصور حجم الدهشة التي اعتلت وجوههم، الطبيب على وجه الدقة هتف في انبهار: هذا ضد منطق العلم، ما يحدث أمامي معجزة الله سبحانه وتعالى يعلمها وحده، الواقع أن الطبيب كان محقا، فالأصدقاء عندما نقلوني إلى العيادة الطبية كان نبضي ينخفض وحالتي تسوء، ما من  شك أن عصبيتي الزائدة ربما أدت إلى انفجار في الشرايين، دموع الأصدقاء كانت تشيعني في اللحظات الأخيرة، كان بيني وبين الموت شعرة لا غير، لكن مشيئة الله عز وجل فوق مشيئة البشر، عندما بدأ ذلك الحلم بدأ النبض يعود تدريجيا ومع نهايته دبت الحياة في أوصالي دفعة واحدة، صليت صلاة الشكر لله وقررت أن أتحدى آلامي بذلك الحلم ، كان يلح علي يشعرني ببعض الارتياح ..

رحل (دومينيك) أخيرا ، ولكن قبل أن أتنفس الصعداء فوجئت بالاتحاد الفرنسي لكرة القدم يعين (لوران بلان) مدربا، قرار يخالف معطيات الرؤيا تماما، يومها كسرت شاشة التلفاز عندما طالعني بتفاصيل التعاقد مع (بلان)، لم يجرؤ أحد على معاتبتي على ما فعلت، لكن بعد أسبوع سألتني طفلتي: بابا لم يعد في بيتنا تلفاز ، كيف لي أن أشاهد مسلسل (بيل وسبستيان) ..؟
عندها شعرت بحجم كارثة ردود أفعالي ، ماذا عساي أن أفعل تجاه فرنسيتي ، يا الله كن في عوني ..

شحذت كل حواسي الصحفية وأنا أصغي بكل جوارحي لهذه الأحداث الدراماتيكية، لم أشأ مقاطعته وهو يسترسل في سرد التفاصيل، تركت له الحبل على الغارب، لم أكن لأذم عريسا ليلة عرسه، لقد تحققت الرؤيا كما تخيلها الرجل، لكن قبل ذلك مر انتظار الرجل على شفرات أحداث مثيرة لم ترسل شعاعا واحدا يؤكد أن الحلم قد يصبح حقيقة ..

 

صرخة انتصار..

يقول الرجل: كما ترى أمامك حياتي كلها زرقاء، بيتي يطفح بكل تاريخ الكرة الفرنسية، أعود للحكاية و تفاصيلها، لقد تقبلت قرار إسناد تدريب المنتخب لرولان بلان على مضض، لكني احتفظت لهذا المدرب مسافة من الاحترام ، فهو لم يشأ أن يبيع الوهم للفرنسيين، قالها بكل صدق: لو لم نصل إلى الدور نصف النهائي من (يورو) 2012 ببولندا وأوكرانيا سأستقيل فورا، ولقد كان (بلان) عند وعده، قدم استقالته فور الخسارة أمام إسبانيا في الدور ربع النهائي..

وهنا صرخت منتشيا عندما جاء الاتحاد الفرنسي بالخلف (ديديه ديشامب)، عادت تلك الرؤيا تنتاب أحاسيسي من جديد ، وعن نفسى بدأت أستعد لمرحلة جديدة من الفرح ، لست أدري لماذا كنت واثقا من الرؤيا ؟ شيئا ما يحرضني ويضعني أمام فرحة العمر ، توقعت أن يحدث ذلك في بطولة كاس العالم بالبرازيل 2014 ، فرحت معها قليلا ثم أعلن الألمان الحجز عن الفرح الأزرق، بعدها بيع جلد الديك الفرنسي في أسوأ مزاد، ثم توقعت أن تتحقق الرؤيا في بطولة الأمم الأوروبية عام 2016 بباريس..

ترقب..

كادت الرؤيا المزعومة تتحقق لولا خطأ في التقدير أمام البرتغال في النهائي، لقد هزمت فرنسا نفسها في تلك (اليورو)، كدت أجن فقد كنت قلقا من إقالة (ديشامب) تحت تأثير النقد الإعلامي الفرنسي الذي لا يرحم، وحمدت الله لأن الاتحاد الفرنسي تمسك بالمدرب ولم يصغ لذلك النعيق الجنائزي، عندها شعرت أن بطولة كأس العالم 2018 بروسيا ستكون فرنسية..

فجأة اشتعلت الأمور كلها على نحو لم تعهده بطولات كأس العالم، تساقط الكبار كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف، رحلت ألمانيا (بطلة العالم)، وخرجت إسبانيا، ثم تدحرجت الأرجنتين وهي تؤكد أن (ميسي) كذبة المونديال، وأخيرا غادرت البرازيل بصورة يؤسف لها على أي حال، أما فرنسا فقد بدأت البطولة بإيقاع هادئ تماما، ظلت تزحف و تتلوى على العشب كأفعى رقطاء، ثم انطلقت في الدور الثاني كالنار في الهشيم، وراحت تلتهم دول أمريكا اللاتينية بلا هوادة، بداية من البيرو، مرورا بالأرجنتين، ونهاية بالأوروجواي،

حققت انتصارات مبهرة على كل الجبهات، ومهاجمها الناري ( كليان أمبابي ) يخترق دفاعات الخصوم كسكين حاد يخترق قالبا من الزبد الطازج، انتفخت أوداجي في ثقة ظافرة، كنت على ثقة أن تلك الرؤيا حقيقية، لقد شاهدت (ديديه ديشامب) يرفع كأس العالم مدربا قبل حدوثه فعليا بثمان سنوات، كان الأصدقاء يرمقونني بنظرات الشك، منهم من يعرف أنني مجنون فرنسا، ومنهم من يمتعض ولا يبالي برؤيا راهنت عليها بحياتي، كنت أحلق مع السهم (كليان أمبابي) وهو يخرج من قوس (ديشامب) يفعل بالدفاعات العجب العجاب، إنه (بيليه) الجديد، هكذا أسميته قبل أن تنطلق البطولة..

الأصدقاء الذين تبرموا من الرؤيا اندهشوا ولم يتنبهوا إلا مع وصول منتخب فرنسا إلى المشهد الأخير، لأول مرة منذ عشرين عاما اقترضت مبلغا من المال وابتعت جميع أنواع المكسرات، لقد جهزت مسرح الاحتفال باللقب الثاني قبل النهائي بيومين، ما من  أحد يستطيع سرقة حلمي، حتى لو كان هذا الواحد هو منتخب كرواتيا العنيد، كأس العالم لي هذه المرة، لن أفرط في الكأس حتى لو كان المنافس على مستوى النزال ..

فرح..

ورغم هذه الثقة المفرطة توجست بعض الخوف من مواجهة منتخب كرواتيا، هذا المنتخب الذي يزحف نحو  القمة من دون أن يكون مالكا لديوان شعر، بعض الأصدقاء توقعوا أن يذبح الديك الفرنسي أمام الساطور الكرواتي، وبعضهم توقع أن تختصر رحلة فرنسا في مونديال غريب لا يعترف بالكبار، كنت متوجسا بعض الشيء، توجس له ما يبرره بعد كل هذه السنوات العجاف، لكن شاء الله أن يتحقق المراد من رب العباد، لم يخني حدسي يوما تجاه تلك الرؤيا، لقد تحققت بعد ثمان سنوات بالتمام والكمال، نفس تفاصيل الرؤيا جسدها ملعب النهائي، بكيت فرحا، ربما كانت هي المرة الأولى التي يراني فيها نجلي في قمة الفرح والنشوة الزائدة عن الحد ، عندها تقدم مني قائلا :
بابا أريد فانلة (كليان أمبابي و بول بوغبا) ..

عندها شعرت أن جسدي يطير فوق (الشانزلزية وقوس النصر وبرج إيفل )، أحسست إحساسا غريبا لم ينتابني إلا هذه المرة، كنت أشعر أني أداعب (ماكرون) الرئيس الفرنسي كما يفعل اللاعبون الأبطال، من قال إن اللاعبين فقط هم عانوا من تلك القطيعة مع البطولات؟ لقد كنت مثلهم أتقلب على الجمر، الفارق أنني عايشت لحظة التتويج قبلهم بثمان سنوات كاملة، هم احتفلوا فعليا باللقب الثاني يوم 15 يوليو 2018، وأنا احتفلت بالتتويج يوم 15 يوليو 2010، هل يمكنكم أن تصدقوا هذه الحكاية التي عاش تفاصيلها يمني يعشق فرنسا من قمة الرأس حتى أخمص القدمين ..

أمل..

* عزيزي (ديديه ديشامب) ، يعيش هذا الرجل الذي أحتفظ باسمه وعنوانه على أمل مقابلة لاعبيك والتقاط الصور التذكارية مع كتيبتك الفتاكة، إذا وصلتك هذه الحكاية فلك أن تصدقها بكل تفاصيلها الحلوة والمرة، حكاية يمني رأى الغد الفرنسي المشرق قبل ثمان سنوات ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى