طوفان (لوبتيجي) الهجومي .. ما له وما عليه ..!

تحليل- محمد العولقي

 

التقط أنفاسك عزيزي (المدريدي)، وخذ نفسا عميقا، فريال مدريد مع مدربه الجديد (جولين لوبتيجي) يراهن على فلسفة جديدة تستهدف تغيير جلد الفريق، من خلال بناء فني يحرض على الهجوم حتى النخاع..و(لوبتيجي) يبدو مسحورا بالكرة الشاملة التي تبناها (يوهان كرويف) مع برشلونة الإسباني، ما فتئ (لوبتيجي) يحرك مفكرته التكتيكية حسب شرط أساسي وضعه (كرويف) كدستور وسلوك يتناغمان مع متعة كرة القدم ..

في إحدى الحصص التدريبية لفريق (ريال مدريد) قال (لوبتيجي) للاعبيه: إن أحد أهم أساسيات كرة القدم أن تتحكم بالأداء من خلال السيطرة على الكرة معظم الوقت، فعندما تكون الكرة تحت سيطرتك سوف يلهث الخصم وراءك، وفي النهاية سيشعر بالتعب بينما ستحتفظ بلياقتك، فعندما تكون الكرة معك تستطيع أن تدير دفة المباراة في الإتجاه الذي تريده ..

يوهان كرويف

يبدو (لوبتيجي) مهووسا بفلسفة (كرويف) وعاشقا حد الجنون بالكرة الهجومية، فهو شأنه شأن المدرب الفرنسي الكبير (ميشيل هيدالغو) الذي فتك بكل (البوديجارد) مطلع الثمانينات عندما أسس طريقة لعب ملفوفة بسحر خط وسطه المؤلف من بلاتيني وجيريس وتيجانا وفرنانديز وروشتو، كان الطابع الهجومي هاجس (هيدالغو)، لكنه مع ذلك لم يجرؤ على تحويل فريقه إلى طوفان هجومي خالص كما يحاول أن يفعل (لوبتيجي) مع ريال مدريد، كان (هيدالغو) يمزح ولا شك عندما قال: كنت أتمنى أن ألعب بأحد عشر مهاجما..

مثل تعاقد ريال مدريد مع المدرب صاحب المزاج الهجومي (لوبتيجي) علامة فارقة في تاريخ ريال مدريد، فمن النادر جدا أن يبدأ (الريال) إيقاع اللعب من الخلف، وتحديدا من الحارس وقلبي الدفاع، ومن النادر أن نشاهد (الريال) يمارس طقوس تدوير الكرة بعدد مهول من النقلات، ورغم كل هذا التغيير في إستراتيجية اللعب تبقى حلول (الريال) داخل الملعب تتأسس على الرواقين والكرات العرضية، يسارا من (مارسيلو) ويمينا من (كارفخال)، وبدون هذه القناعة يظهر عجز الريال واضحا في تبني خيارات هجومية أخرى، ربما يحتاج (لوبتيجي) المزيد من الوقت ليغير جلد الريال كليا، وهو ما يعني أن المدرب لا يستطيع نزع أهم سلاح ينسف تحصينات الخصوم ..

حتى الآن ومن خلال وديات الفريق نستطيع القول: إن (لوبتيجي) غير في المظهر الخارجي للفريق، لكن في الباطن ظلت حلول (زيدان) سيدة الموقف في حسم المباريات وهو ما ظهر جليا أمام (اي سي ميلان) الإيطالي، فالأهداف الثلاثة لم تأت برسم جديد من العمق كما هو الحال مع ثقافة الاستحواذ بل جاءت عن طريق الأسلوب التقليدي للرواقين مارسيلو وكارفخال، وهو السلاح  الذي صنع الفارق على مستوى دوري أبطال أوروبا ..

والسؤال: هل يمتلك (لوبتيجي) أسلحة تكتيكية في العمق تتماشى مع طريقة الطوفان الهجومي ..؟

للوصول إلى مفكرة (لوبتيجي) ومعرفة نواياه الفلسفية حري بنا أن ندقق ونمعن النظر في الأدوات التنفيذية لفكر المدرب، وهنا مربط الفرس كما يقول فقهاء الكلام..

لوبتيجي

* مخاوف الاستنساخ  ..

عندما خاض (لوبتيجي) تجربة قصيرة مع (لاروخا) وانتهت قبل أوانها بفضل إغراءات (ريال مدريد) نجح في تكريس هوية الاستحواذ على الكرة من الوسط، وبناء كل العمليات الحاسمة عبر الثلث الأمامي للوسط، وصحيح أن (لوبتيجي) اعتنق شاكلة 4/3/3 التقليدية لكن الفارق أنه حولها إلى آلة عمل رهيبة الكل يدور في فلكها بداية من حارس المرمى وانتهاء بالمهاجم المتأخر، فلسفة ديناميكية شاملة تلغي فكرة الحل الواحد، ويلعب فيها المهاجم دورا محوريا في إنهاء الهجمة، طريقة نصبت سيركا هجوميا مرعبا، فأهداف منتخب اسبانيا كان لها هدير مرعب أشبه بهدير طوفان لا يبقي ولا يذر، ولعل هذا ما شجع (لوبتيجي) على نقل التجربة لريال مدريد، فهو كما يقول: أنا مسحور بالفرديات الرائعة للفريق، وربما يشكل خروج رونالدو عن المنظومة فرصة تطوير الأداء الجماعي بفلسفة الاستحواذ..

وإذا كان (لوبتيجي) قد حقق نجاحا مبدئيا كاسحا على مستوى مراقصة الشباك مع المنتخب الإسباني، فإن فلسفته استقامت في الأساس على محاور وسط ترتد بنفس سرعة الامتداد تحسبا لحملات الخصوم المضادة، كما أن صانع الألعاب يمثل نقطة الارتكاز في طرح المدرب التكتيكي، بالإضافة إلى تواجد مهاجم حقيقي داخل الصندوق يعرف متى وكيف تؤكل الكتف، فهل هذه الفلسفة بكل حمولتها الذهنية والبدنية والفنية يمكن استنساخها ونقلها إلى (ريال مدريد) الذي لم يعتمد طوال تاريخه على صانع ألعاب يتحكم في (الرتم) والإيقاع، هذا لأن تاريخ (الريال) الكبير صنعته الأروقة في أغلب الأحيان ..؟

هذه حقيقة يعرفها كل متخصص في قراءة الشاكلات، فحتى عندما انتزع الريال (زين الدين زيدان) من يوفنتوس وقد كان ملك صانعي الألعاب في العالم، لم يشأ الريال أن يغامر بتراثه التكتيكي فتم نقل (زيدان) بكل عبقريته من لاعب وسط محوري إلى لاعب وسط رواقي إلى جوار روبرتو كارلوس ..

إذا كان ريال مدريد قد عانى الموسم الماضي من هشاشة دفاعية سمحت بدخول 40 هدفا عدا ونقدا فإن القناعة التكتيكية التي ينتهجها (لوبتيجي) لن تصنع حصانة دفاعية صلبة في ظل وسط ميدان (ناعم) ذي طابع هجومي بحت، وفي ظل تلك السترة الضيقة على مستوى محاور الهدم، وربما أعطت المباراة الحبية السنوية أمام (ميلان) الإيطالي إشارات واضحة على سلبية الارتداد عند فقدان الكرة، وكشفت عن تباعد بين محور الدفاع و الوسط الهجومي، الأمر الذي جعل الخط الخلفي للريال مكشوفا ولا أقول عاريا..

فضل (لوبتيجي) اللعب أمام (ميلان) بشاكلة 4/2/3/1، فاران وراموس في محور الدفاع وكارفخال في الرواق الأيمن ومارسيلو في الرواق الأيسر، في الوسط محوري الارتكاز كاسميرو و توني كروس، وأمامهما وسط ثلاثي هجومي ناري: في العمق إيسكو، وعلى يمينه جاريث بيل، وعلى يساره ماركو أسنسيو وفي الهجوم كريم بنزيما، شاكلة هجومية بحتة تنطلق من هوس المدرب بمهارات لاعبيه لكنها تستثني قدرات الخصم الآخر وهذا أخطر ما في الموضوع بحكم أن هذه الشاكلة أفرزت الكثير من المخاوف، فقد ضجت بسلبيات خطيرة قد تفرغ الشاكلة من محتواها العام، وتابعوا ..

خطة لعب ريال مدريد 4-3-3 

بنى (لوبتيجي) قناعاته التكتيكية على منح إيسكو حرية قيادة اللعب من العمق والتحكم في منسوب (الرتم)، ولكي يفعل كل قنوات الهجوم كان عليه أن يعول كثيرا على الأدوار الدفاعية للثنائي كاسميرو وكروس، لكن هذا التصور الذي أفرز زيادة عددية في الثلث الدفاعي للميلان كشف عن هوة دفاعية في الوسط لتفادي مرتدات الميلان، وطبيعي جدا أن يصاب خط الوسط الخلفي للريال ببعض التصدع عند فقدان الكرة بسبب قلة الارتداد الدفاعي من العمق أو حتى من الرواقين،  سيكون خطأ تكتيكيا فادحا إذا ظن المدرب أن كروس هو قطعة الغيار التي يحتاجها العمق الدفاعي، فاللاعب الألماني تعود دائما أن يؤدي أدوارا هجومية وفق نمطية شاكلة 4/3/3.

ولعل اللعب بثلاثة لاعبين في الوسط بنظرية المثلث المتساوي الأضلاع ربما كانت طريقة ناجعة لمعالجة خلل الجهة اليسرى التي تأتي منها الكوراث، فالبرازيلي مارسيلو بارع جدا في الشق الهجومي ويمثل عامل تغذية بكراته العرضية المؤثرة واختراقاته التي لا يمكن إيقافها بالحسنى، لكن مارسيلو نقطة ضعف واضحة عند الارتداد، لا يستطيع العودة بنفس سرعة امتداده ولعل هذه المعضلة تحتاج إلى بناء في محاور اللعب لسد تلك الثغرة، وربما تتضح المعالجات من خلال مباراة الريال أمام جاره اللدود أتلتيكو مدريد في كأس السوبر الأوروبي، فبدون شك الأتلتيك يختلف كليا عن الميلان بحكم طريقة (ديجو سميوني) المثيرة للجدل التي تعتمد على تسييج الوسط بكثافة والضغط على الخصم لإزعاجه ومنعه من ممارسة الاختراق الطرفي او العمقي، وحتى موعد مباراة السوبر ستظل القتامة الدفاعية نقطة ضعف الريال حتى إشعار آخر.

* مودرتش أم إيسكو ..؟

سيدخل (لوبتيجي) اختبارا صعبا أمام أتلتيكو مدريد، وستضع هذه المباراة طريقة لعب (لوبتيجي) على المحك، ففريق (دييغو سميوني) متمرس كثيرا على أنسجة الفرق التي تلعب للهجوم الكلي، وفي الغالب سيقيم (سميوني) جمركا في وسط الملعب، وسيحاصر كل آليات ريال مدريد الهجومية، وسيحمي أنفاس رواقيه بكثرة عددية في الوسط الدفاعي تحديدا، وسيكون أمر التغلب على أسلوب الضغط العالي في غاية الصعوبة، وهو ما يجعلنا نراقب (النسق) الريالي عن كثب لمعرفة كيف سيدير (لوبتيجي) آلته الهجومية؟ وكيف سيحمي ظهره الدفاعي أمام فريق يمتلك قدرة مدهشة على التحول من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية بمرونة مدهشة،

ستبقى أمام (لوبتيجي) إشكالية تقنية بدرجة أساسية تتعلق بمنطقة المناورات تحديدا، فهو إن اعتمد شاكلة 4/2/3/1 سيرغم على اختيار قفل الشاكلة في العمق إما لوكا مودريتش المخضرم أو إيسكو الشاب الحيوي؟ وربما يضيف المدرب إلى جانب الحيوية والكفاءة ميزة تدعيم مهمة تتمحور في أيهما يجيد الانتقال بين الحالتين الدفاعية الهجومية مودريتش أم إيسكو؟

طبعا هذا كله يتوقف على الدور الذي سيتقمصه صانع الألعاب، هل سيعفى من الحالة الدفاعية والضغط على الخصم أم سيكون جزءا من آلة الارتداد لمعاونة العمق تحديدا..

وإذا كان (لوبتيجي) يشعر بالإحراج ويهدف إلى الدفع باللاعبين معا، فقد ينتقل المدرب إلى طريقته المفضلة 4/3/3، وفي هذه الحالة سيتشكل الوسط من مثلث رأسه كاسميرو وضلعاه مودريتش يمينا وكروس يسارا ، عندها سيرغم (لوبتيجي) على مغامرة التخلي عن ماركو أسنسيو لمصلحة إيسكو على الرواق الايسر (بيل سيكون على الرواق الأيمن دون شك)..

خطة لعب ريال مدريد 4-2-3-1

قد لا تكمن الإشكالية التكتيكية في الثنائي مودريتش و إيسكو فقط، بل هناك تلك الهوة في اليسار التي يحاول (لوبتيجي) سدها من خلال تحصين الجهة عند الامتداد الهجومي بكروس مثلا، فمشكلة مارسيلو أنه لا يجد مساعدة دفاعية من العمق الوسطي إلا إذا أحدث المدرب تناوبا تكتيكيا بين راموس وفاران لسد ثغرة تقدم مارسيلو شريطة أن يعود كاسميرو لتشكيل حائط صد في الدفاع مع راموس أو فاران، وهذه إشكالية جديدة تضاف إلى إشكاليات الكرة الهجومية البحتة، فهذه العودة تحتم على أحد لاعبي الوسط سد ثغرة كاسميرو بسرعة البرق، فمن يؤدي هذا الدور المرهق؟

قد يظل (لوبتيجي) يناور بالرواقين كارفخال ومارسيلو لبعض الوقت، لأنه في النهاية سيكون مطالبا أن يستثمر ممرات العمق في المباريات ذات الطابع البدني القوي، وهذا التحول في النهج سيحتم على الريال اللعب في الأمام بمهاجم قناص يحول أنصاف الفرص إلى أهداف، فهل فعلا كريم بنزيما قادر على تجسيد سرعة المهاجم الذي يسرق الكحل من عيون المدافعين ..؟

هل يمكن لبنزيما أن يتخلص من عقدة (الكوبري) التي جعلته في الريال مجرد محطة يتزود منها رونالدو بالوقود ..؟

هل يمتلك (لوبتيجي) وصفة سحرية خارقة تجعل بنزيما مهاجما يبيض أهدافا في كل مباراة ..؟

إن كل المؤشرات تقول: إن الفرنسي استأنس بدور فاتح الثغرات أمام رونالدو، فمن الصعوبة بعد تسع سنوات (كوبري) أن يتذكر كريم طريق الشباك بعد أن تحول في الفترة الأخيرة إلى ملك المفلتين، لهذا السبب فالفريق الملكي بحاجة ماسة إلى مهاجم كلي مهنته تسجيل الأهداف لا صناعتها، فحاليا ليس هناك في مفكرة (لوبتيجي) لاعبا مثل كرستيانو رونالدو يستحق التضحية بالمهاجم متمم العمليات وفرضه مجرد فاتح للثغرات في دفاع الخصم، الريال بحاجة إلى مهاجم صندوق حقيقي يمضغ الأهداف بنظام العلكة لكي تستقيم طريقة لعب (لوبتيجي) الهجومية وتأتي أكلها ..

لا ننسى أن ريال مدريد يتوافر حاليا على موهبة خارقة هجوميا يمكن أن تكون حلا مناسبا لبعض الإشكاليات الطارئ ، الأمر هنا يتعلق بالبرازيلي الشبل فينيسيوس جونيور، يضاف إليه لاعبون من طينة سيبايوس ولوكاس فاسكيز وناتشو ، إنها بدائل بشرية رائعة ستمنح المدرب بعدا عند الملمات ..

ترى كيف سيتعامل (لوبتيجي) مع كل هذه الخيار والاضطرابات التكتيكية .؟

كيف سيدير آلته الهجومية بهديرها الأبيض المخيف؟ وكيف سيمنح خط الدفاع الحصانة اللازمة من المرتدات في ذات الوقت ..؟

لاحظوا أنني لم أشر إلى (ثيو كورتوا) الحارس البلجيكي الكبير القادم من تشيلسي، هذا لأنني أجزم أن مشكلة ريال مدريد ليست في حارس المرمى، ولا يمكن حصر الهشاشة الدفاعية في (كيلور نافاس) المتألق، لو فعلت ذلك دون الإشارة إلى السلبيات السابقة سأكون كمن يغطي عين الشمس بغربال التبرير الفاضح ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى