
تحليل- أحمد مختار
تحدث زلاتان إبراهيموفيتش في حوار قديم عن رونالدو، واصفا إياه بالمجتهد القوي، حينما قال، “كريستيانو تطور كثيرا، بدأ من الصفر، وحاول حتى وصل إلى هو فيه الآن، بفضل التدريب القوي وخبرة المدربين”.
وعن الفرق بينه وبين ميسي، أكد السلطان بأن ليو بمثابة الموهبة الربّانية التي تجعل الكرة أسهل وأمتع، بينما رونالدو أقرب إلى النجم المصنوع بفضل عوامل تدريبية وبدنية شاقة.
بعيدا عن صحة حديث إبرا من عدمه، وقناعتي التامة بأن ميسي ليس سوبرمان، ولا كريستيانو باتمان، وكل لاعب منهما اجتهد وتعب وعمل على نفسه كثيرا، فإن كلام السويدي عن رونالدو يبدو مناسبا بشدة، عند الحديث عن عودة البرتغالي إلى الأولد ترافورد، من خلال المواجهة المنتظرة بين يوفنتوس ومانشستر يونايتد، ضمن قمة هذا الأسبوع من منافسات دوري أبطال أوروبا.
لقد تطور “CR7” في إنجلترا لأقصى درجة ممكنة، وتحول من مجرد موهبة مميزة إلى نجم درجة أولى، قبل أن ينتقل إلى ريال مدريد، ويبدأ رحلة أخرى في مسيرته الحافلة.
عرف العالم كريستيانو في البرتغال، لكن كان مجرد جناح تقليدي على الخط، يستلم الكرة ويراوغ، ولا يتوقف أبدا عن المراوغة.
نسخة قريبة جدا من كواريزما عند انتقاله إلى برشلونة منذ سنوات طويلة، يبالغ أحيانا، ويتفنن في استفزاز الخصم في مناسبات أخرى، مع إنتاج ضعيف بعض شيء على مستوى النجاعة التهديفية، مقارنة بمجهوده البدني الكبير طوال المباراة.
كل شيء تغير في الأولد ترافورد. ورا. وصل رونالدو إلى هذا المستوى الرهيب، بفضل الإدارة الذكية لشيخ المدربين فيرجسون، السير التقطه وجعله لاعبا أفضل، سواء داخل الملعب أو خارجه.
لكن ليس أليكس هو السبب، بل رجل آخر لا يعرفه الكثيرون، قام بمجهود خرافي مع البرتغالي حتى جعله يجمع بين الإمتاع والإقناع، ويصل إلى معدل تهديفي ملفت للنظر. إنه المدرب رينيه ميولنستين، مساعد فيرجسون القديم وساعده الأيمن سابقا في إنجلترا.
كلف فيرجسون مساعده رينيه بالجلوس مع كريستيانو، بعد ملاحظة أنه يقوم بمجهود كبير داخل الملعب، لكن بإنتاج لا يتناسب أبدا مع موهبته وقدراته، لذلك جعل مساعده بمثابة المعلم الخاص للجناح المهاري، حتى يكون بجواره في كل كبيرة وصغيرة خلال التدريبات.
وقد أوضحت صحيفة “تليجراف” قيمة هذا العمل الاستثنائي في تقرير سابق، أعد للنشر عام 2013، بعد إجراء مقابلة شاملة مع ميولنستين، لمعرفة السر وراء ذلك التحول الأسطوري في مسيرة الرقم 7.

تحدث رينيه صاحب الجنسية الهولندية عن رونالدو، مؤكدا أنه جلس معه قبل بداية موسم 2007-2008، وقال له كلمات صريحة وواضحة، “أستطيع أن أساعدك في الوصول إلى هدفك، الأمر ليس مستحيلا لكنه يحتاج إلى مجهود كبير”.
وجه المساعد سؤالا للاعب، بماذا تتفوق على غيرك؟ رد كريستيانو كان سريعا، بالمهارات. ليجاوب المدرب بأنه سيتفوق على غيره باللمسة الأولى، الثانية، الحركة من دون كرة، التمركز الإيجابي، وبالتأكيد الهدوء أمام المرمى، هذه هي العوامل التي تجعلك لاعبا أفضل.
استمر الهولندي مخاطبا البرتغالي، “المشكلة في سلوكك، أنك تلعب لشخصك وليس للفريق. بالإضافة لضعف بسيط في اتخاذ القرار السليم، تقوم بمجهود كبير لكنه لا يفيد الفريق في النهاية، لذلك النتائج تكون أقل من الرغبات”.
رونالدو سجل 23 هدفا فقط بموسم 2006-2007، أضاع فرصا عديدة ولم يفد الفريق بالشكل المطلوب، نتيجة الميل إلى الفرديات، والرغبة في تسجيل الأهداف الصعبة بطريقة مثالية. لايفكر فقط في التسجيل، ولكن في إبهار الجمهور بهدف سوبر، وتلك كانت الأزمة.
“يجب أن تكون قادر علي الوصول إلى الهدف رقم 40، أنت تملك المقومات لكن ينقصك التدريب وتحسين الشخصية حتى تصل إلى مبتغاك”، يستمر النقاش بين الثنائي، المدرب واللاعب، لينتقل الحديث إلى شيرار، نيستلروي، يورك، وغيرهم، أسماء تسجل الأهداف بأي طريقة ممكنة.
عندما تأتيهم الكرة، فإنهم يضعونها في الشباك. كرة القدم تؤخذ بأكثر من نظرة، لكن الهداف فيها له الكلمة الأولى، خصوصا بالنسبة للجماهير والمشجعين.
بدأ الثنائي في التدريب في ثلاث مناطق، أمام المرمى، وعلى الأطراف، وخارج منطقة الجزاء، كيفية استلام الكرة وتمريرها. إذا كان اللاعب في وضعية جيدة من الممكن أن يأخذ الكرة وينطلق، أما إذا كان محاصرا فيجب تحسين مهارة التمرير من أول لمسة لزميل آخر. بالإضافة لكيفية التعامل مع حارس مرمى الخصم، وكيفية إنهاء الهجمة.
هناك حراس رائعون، نوير يشبه بيتر شمايكل، قوي جداً في الكرات العالية لكن إذا سددت عليه كرة أرضية ماكرة، من الممكن أن تخدعه. “على سبيل المثال، ليس بالضرورة أن يكون المقصود فعليا نوير”.
عمل ميولنستين مع رونالدو على تطوير مهارة اللعب من الظهر، بمعنى أنه كان يستلم باستمرار ووجهه لمرمى المنافسين، لكن في بعض المباريات المعقدة والصعبة، عليك أيضا استلام الكرات وظهرك للمرمى..
لكن حتى تستطيع فعل شيء بالكرة، عليك تطوير مهارة اللعب من لمسة واحدة، الانطلاق السريع عند التمرير للزميل، من أجل أخذ مكان أفضل، وبالتأكيد مواكبة ذلك لكرة التحولات، عند استخدام المرتدات من الخلف إلى الأمام. في لحظة رونالدو بالجناح، لكن عند إنهاء الهجمة تجده مهاجما صريحا أمام المرمى.
بدأ ميولينستين في تدريب رونالدو وتعليمه أربع قواعد، أين يتمركز؟ أين المسار الذي تأتي منه الكرة؟ كيف يقف حارس مرمى الخصم؟ أين المناطق التي من الممكن أن تقوده إلى إنهاء رائع للهجمة؟ مع تلوين المناطق حول المرمي ببعض الألوان.
اللون الأخضر يرمز إلى قرب مسافة التسديد، لذلك عقله يعمل بنفس القدرة مع قدمه حتي يسدد كرة قوية تجاه المرمى، وهكذا.
مع نهاية يناير 2008، وصل رونالدو الي 27 هدفا وأصبحت المهمة قريبة نحو الرقم 40 “كل البطولات”. وبدأت المرحلة الأخيرة بعرض فيديوهات خاصة لعدة شخصيات رياضية تاريخية، محمد علي كلاي، بيليه، مارادونا وآخرين.
الهدف منها كان الوصول إلى شخصية قوية تؤهله لإثبات نفسه في المباريات الكبيرة. وطلب الجهاز الفني منه أن يشاهد هذه المقاطع، أثناء وقت فراغه في المنزل. أن يتابعها فقط دون تعليق، ويقول لنفسه، ماذا ينقصني حتى أصبح مثل هؤلاء؟
حقق كريستيانو الرهان ووصل إلى الرقم الصعب، 42 هدفا في البطولات كافة خلال موسم 2007-2008. وكانت هذه بمثابة ضربة البداية الفعلية لجعله لاعبا أفضل، على جميع المستويات، فنيا، تكتيكيا، بدنيا، ونفسيا.
وربما يكون هذا العام أحد الأسباب الرئيسية في بقاء البرتغالي داخل دائرة الكبار حتى اليوم، رغم وصوله إلى سن 33، لأنه صار مهاجما استثنائيا داخل منطقة الجزاء، يتمركز بجوار المرمى، يستغل الفرص ويترجمها إلى أهداف، بفضل عمله الجاد، خبرته، شخصيته، وبالتأكيد ما تعلمه في أيام مانشستر التي لا تنسى، رفقة السير أليكس، ومساعده رينيه ميولنستين.
الثنائي الذي رحل من مانشستر، لكن بقى النادي كبيرا، ليقابله البرتغالي مع فريقه الإيطالي هذا الأسبوع.
تثرير رائع عن اسطورة حقيقية.
معلومات اول مرة اعرفها.. شكرا كوتش
مختار رائع ومتنوع كالعادة.
رينيه ميولنستين لا يعرفه الكثيرون لكنه فعلا خيالي.