الوهيبي.. “الهدوء الفاعل”

بقلم- سالم ربيع الغيلاني

فوز الشيخ سالم الوهيبي بعضوية المكتب التنفيذي للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، بعد حصوله على أكبر عدد من الأصوات -39 من أصل 46- يعد انعكاسًا واضحًا لنجاح سياسة العمل الهادئ، البعيد عن صخب الإعلام وجلبته الفارغة؛ فهذا المقعد الذي فقدناه عام 2015، يعود إلينا بإجماع القارة وحفاوتها.

وحصول الوهيبي قبل ذلك على منصب نائب رئيس اتحاد غرب آسيا بالتزكية؛ يبرز بشكل واضح الاستراتيجية الذكية التي استخدمها رئيس اتحاد القدم لتأليف القلوب المتصارعة فيما بينها على المناصب والألقاب لتتفق على تأييده.

رغم ما قيل وما يقال عن عمل الوهيبي وإدارته الحالية؛ فإن المتمعن فيما تم خلال الفترة التي انقضت منذ توليه رئاسة اتحاد القدم، يجد أن العمل الذي أنجزه الرجل وإدارته على المستويين الداخلي والخارجي، كبير، عندما نقارنه بحجم التحديات التي كان عليه مواجهتها.

فإلى جانب توليه رئاسة الاتحاد خلال فترة تمر فيها المنطقة بأزمة اقتصادية خانقة بسبب تراجع عوائد النفط؛ الأمر الذي دفع السلطنة لاتباع سياسة قامت على تقنين المصاريف في قطاعاتها المختلفة، فإن الإدارة السابقة خلفت مديونية ليست بالقليلة كان على الإدارة الجديدة التعامل معها.

من ينظر بعد عامين من تولي الإدارة الحالية مقاليد الأمور يكتشف أن العديد من المشاكل التي كانت تقض مضجع الاتحاد، والأندية، وحتى الجماهير، بدأت بالتلاشي تدريجيا؛ فلا حكام يهددون بالإضراب، ولا أندية تصرخ بين الفينة والأخرى مطالبة بمستحقاتها المتأخرة، ولا شركات تهدد بمقاضاة الاتحاد بسبب فشله في الإيفاء بالتزاماته تجاهها، ولا مدربين يشكون ضعف الإعداد، أو عدم توفير متطلباتهم الأساسية، وباستثناء الغضب الذي يعتري بعض الجماهير بسبب عدم نجاح هذا المنتخب أو ذاك؛ فإن الهدوء هو السمة الأساسية التي تحيط بعمل الاتحاد الحالي.

ربما لا يعلم الجمهور بسبب سياسة الهدوء التي ينتهجها الوهيبي في إدارته، أن الاتحاد العماني حقق إنجازات كبيرة على عدة مستويات أهمها التسويق، فباستثناء خسارته للشراكة مع “تاول” التي انسحبت بسبب ظروف السوق المتراجعة نتيجة للأزمة الاقتصادية التي لازالت تلقي بظلالها الثقيلة على الكثير من مؤسسات القطاع الخاص.

فقد نجح الوهيبي في أن يحسن من شروط التعاقد مع كل من الطيران العماني، والبنك الوطني القطري، كما نجح في التعاقد مع “بي أن سبورت” لتكون صاحبة الحق الحصري في بث جميع مواجهات المنتخبات الوطنية، وحسب مصادر، فإن قيمة العقد مجزية للغاية، وستسمح بإعداد مثالي لمنتخباتنا الوطنية خلال الفترة المقبلة.

كما أن في الطريق تعاقدات جديدة سيتم الإعلان عنها قريبًا، فضلا عن أحاديث عن التجديد مع “عمانتل” بامتيازات أفضل من السابق.
الاستخفاف بجهد هذه الإدارة ظلم سافر، فالتقليل من أهمية الظفر بكأس الخليج الأخيرة في الكويت، والتي عجزت السلطنة طوال العقود الخمسة الماضية” عن تحقيقها إلا مرة واحدة، وفي ظل ظروف تعد استثنائية؛ فلقد حظيت السلطنة حينها بأفضل جيل كروي مثل السلطنة على الإطلاق، وكانت عمان بكل مواردها وإمكانياتها المادية، والبشرية تقف خلف ذلك الإنجاز الذي تم تحقيقه في مسقط، بعد أن تمنع علينا في الإمارات وقبل ذلك في قطر.
لذلك من المستغرب أن يتجاوز البعض ما تحقق في الكويت رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الكرة العمانية، في وقت لم يكن أكثر المتفائلين يعطي للمنتخب أي نسبة تذكر في الظفر بها.

ومن المستغرب أيضًا أن يأتي هؤلاء، ويضعون المشاركة الآسيوية الأخيرة في قائمة الإخفاقات، رغم الظهور المميز للفريق الوطني الذي لعب كل شيء ضده في هذه البطولة بدءًا من التحكيم ووصولاً لترتيب مواجهاته، ورغم ذلك حقق التأهل ليخرج بعد ذلك على يد أحد أبرز المرشحين لهذه البطولة، وبنتيجة شارك التحكيم في صياغة سيناريوها النهائي.

إدارة الوهيبي نجحت في تحقيق الكثير وفق الإمكانيات المتاحة، هذه حقيقة يفرضها الإنصاف؛ فنتائج المنتخبات تتحكم فيها العديد من العوامل، وإدارة الاتحاد جزء منها، وعندما يخفق فريق، فهذا لا يعني إخفاق المنظومة، فالأمر لو كان على هذا النحو؛ لاستقال الاتحاد الألماني بعد إخفاق روسيا، ومثله فعل الاتحاد الإسباني، وغيرها من الاتحادات التي تملك بين يديها من الإمكانات ما تستطيع به إعداد عشرين منتخبًا وليس أربعة فقط.

نعم قد تكون هناك أخطاء ترتكب بين الحين والآخر من قبل الاتحاد ورئيسه، وهذا أمر طبيعي؛ فلا يوجد إنسان كامل ولا عمل كامل، فطبيعة الأمور تفرض وجود الأخطاء، لكن علينا أن نقدِّر ما ينبغي الوقوف معه وعدم تجاوزه، وما يمكن تجاوزه، والعكس صحيح، وحسب متابعتي فإن هناك العديد من الأمور التي كان ينبغي عدم التوقف معها؛ لأنها لا تستحق ذلك، إلا أن بعضنا أبى إلا أن يجعل منها أحداثًا هائلة، في ذات الوقت الذي تجاوز فيه هؤلاء ما تحقق من نجاحات وتعمدوا تجاهلها.

سنتان من عمل الوهيبي وفريقه في إدارة الاتحاد، أعطتا مؤشرات واضحة لمن يريد أن يرى أن هناك عمل مميز ومثمر قد تم فيهما، وأن جميع الدلائل تقول إن القادم سيكون أفضل للكرة العمانية داخليًا وخارجيًا، وإن سياسة الصمت التي ينتهجها الوهيبي بعيدًا عن أبواق الإعلام وطبولها الصاخبة لا تعني أن الأعماق بسكون السطح.

فهناك في الأعماق عمل وجلبة كبيرة نأمل أن تستمر بذات الإيقاع والفاعلية فيما تبقى من عمر هذه الإدارة؛ فسياسة “الهدوء الفاعل” أثبتت نجاعتها حتى اللحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق