رشيد يستخدم السحر!

بقلم-سالم ربيع الغيلاني

من المحزن حقًا أن يُضطر المرء، في أيامٍ عظيمة تتجلى فيها معاني الإيمان والتسامح وسمو الأخلاق، إلى الانجرار للرد على ترهات يرددها بعض الإعلام أو ينساق خلفها بعض الجمهور. ففي مناسبات كهذه، يفترض أن تسمو النفوس فوق الضجيج، وأن ينشغل الناس بما يوحدهم لا بما يغذي الجهل والتعصب. لكن بعض الطروحات تبلغ من السخف حدًا يُخرج أكثر الناس صبرًا عن طور الصمت. ومن المؤلم أن تنحدر بعض الأصوات في الشارع الرياضي العراقي إلى هذا المستوى من التفكير الغارق في الخرافة، وكأن العراق الذي أنجب بدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري وناظم الغزالي وسعدون جابر وعلي الوردي ومظفر النواب ويوسف العاني، لم يعد قادرًا على تفسير نجاح رياضي إلا بوصفه عملًا سحريًا أو طقسًا غامضًا من طقوس ما وراء الطبيعة. العراق الذي كان يومًا منارة للثقافة والفن والوعي، وموطنًا لعقولٍ صنعت أثرها في الأدب والفكر والموسيقى، يبدو اليوم – لدى بعض المتعصبين لا الجميع – وكأنه يُختزل في عقلية تبحث عن “مشعوذ” كلما عجزت عن فهم أسباب الهزيمة.

ومن المؤسف أن هذا الخطاب الجاهل عاد للظهور بعد تتويج القوة الجوية بلقب الدوري العراقي تحت قيادة المدرب العماني رشيد جابر، إذ تحوّل الإنجاز الرياضي إلى مادة خصبة لاتهامات عبثية تتحدث عن “السحر” وكأن الرجل جاء إلى بغداد حاملاً عصا موسى لا بخطة تكتيكية وانضباطًا فنيًا.

والأكثر إزعاجًا أن بعض وسائل الإعلام تعاملت مع هذا الطرح الساذج بوصفه “رأي شارع” يستحق النقاش، فصار يُمضغ في البرامج الرياضية بين محلل يطرحه بصيغة السؤال البريء، وآخر يقدمه وكأنه تفسير منطقي لواقع كروي معقد. والحقيقة أن الإعلام الذي يحترم عقل الجمهور، ويحترم قبل ذلك الدين والعلم، لا يمنح هذه الخرافات منصة ولا يشارك في تلميعها، لكنه – للأسف – اختار أن يكون وقودًا مجانيًا لهذا العبث.

أما اتهام العمانيين بالسحر، فليس جديدًا، بل هو ذلك الاتهام الكسول الذي يخرج من الأدراج كلما حققت الرياضة العمانية إنجازًا يتجاوز توقعات البعض. أتذكر جيدًا كيف بدأت هذه النغمة تتصاعد مع بروز الكرة العمانية في مطلع الألفية الجديدة، عندما ظهر جيل ذهبي أعاد تشكيل صورة المنتخب العماني في كأس الخليج، خصوصًا خلال كأس الخليج العربي 17 وكأس الخليج العربي 18. يومها، بدل الاعتراف بالتطور الفني والانضباط التكتيكي، خرج من يفتش عن تفسيرات غيبية للهزائم، وكأن التفوق الخليجي حكر وراثي لا يجوز لعُمان أن تنازع عليه.

وفي إحدى أكثر اللحظات إثارة للسخرية، استضافت صحيفة رياضية أحد نجوم الكرة العراقية وقتها، الذي لم يتردد في وصف خسارة منتخبه أمام عمان بأنها نتيجة “سحر أسود”، وقال – بكل ثقة – إنه لم يكن يرى المرمى العماني أثناء المباراة! وكأن المشكلة لم تكن في سوء الأداء أو تفوق المنافس، بل في اختفاء المرمى بفعل قوى خفية لا ترصدها كاميرات النقل التلفزيوني.

واليوم يعود المشهد ذاته بصورة أكثر هزلية بعد أن أصبح رشيد جابر أول مدرب عماني وخليجي يحقق لقب الدوري العراقي. إنه المدرب نفسه الذي كان قبل أسابيع قليلة عاجزًا – بحسب منطق هؤلاء – عن استعمال “قدراته السحرية” مع المنتخب العماني في تصفيات كأس العالم، وعجز عن تجاوز العراق ذهابًا وإيابًا، وخسر مواجهات مؤلمة أمام المنتخب الأردني، ثم فجأة، ما إن درّب ناديًا عراقيًا حتى تحوّل إلى ساحر قادر على إخضاع كبار الكرة العراقية وانتزاع اللقب من بين أنيابهم!

أي منطق هذا؟ وإذا كان رشيد يمتلك فعلًا هذه القوى الخارقة، فالأجدر بنا كعمانيين أن نحاسبه: لماذا أخفى هذه الموهبة عن منتخب بلاده؟ ولماذا فوّت على عمان فرصة بلوغ كأس العالم؟ بل لماذا حرم نفسه من مجدٍ تاريخي كان سيجعله أول مدرب يقود الكرة العمانية إلى المونديال؟ أم أن السحر يعمل فقط داخل حدود الدوري العراقي وفي البطولة الخليجية ويتعطل عند التصفيات الدولية!

نعم، رشيد “ساحر”… لكنه ساحر بالعمل والانضباط والقدرة على استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. والعماني “ساحر” حين يحول الإمكانات المحدودة إلى نتائج كبيرة بالإصرار والاجتهاد لا بالطلاسم والتعاويذ. أما تلك النظرة المتعالية التي تصر على تفسير نجاح الآخر بوصفه مؤامرة أو عملًا غيبيًا، فهي ليست سوى انعكاس لعقلية مأزومة، تعجز عن الاعتراف بتفوق المنافس، فتلوذ بالخرافة هربًا من مواجهة الحقيقة. وهي عقلية تشبه تمامًا ذلك البغل الذي يصر على الوقوف في الأرض السبخة؛ لا ماء يرويه، ولا شجر يظله، لكنه مع ذلك يرفض مغادرتها لأنه اعتاد العيش في الوحل.

العراق أكبر بكثير من هذه الهرطقات السخيفة، وأعمق تاريخًا وأوسع أثرًا من أن تختزله أصوات تتغذى على الخرافة والضجيج. لكن يبدو أن بعض جماهيره وإعلامه يعيشون حالة من التوهان المركب؛ توهان صنعته المرارات الثقيلة التي راكمتها الظروف السياسية والاقتصادية القاسية التي أنهكت كثيرًا من المجتمعات العربية، حتى بات بعضُ الإحباط الجمعي يبحث عن أي متنفس، ولو كان عبر صناعة عدو وهمي أو تعليق الفشل على شماعة “السحر”. أما الوجه الآخر لهذا التوهان، فهو ثقافة الردح واللهاث المحموم خلف الإثارة الرخيصة، حيث تتحول المنابر الإعلامية من فضاءات للعقل والتحليل إلى أسواق للتهريج، يُضحّى فيها بالمنطق والأصالة والاحترام في سبيل مشاهدات عابرة وضجيج فارغ. والعراق، الذي علّم المنطقة معنى الثقافة والوعي، لا يستحق أن يُختزل بهذه الصورة البائسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى