
بقلم- سالم ربيع الغيلاني:
تبدو الرياضة العُمانية، في كثير من تجلياتها، وكأنها تعيش مفارقة مستمرة بين قدرة الفرد على صناعة النجاح، وعجز المنظومة عن استدامته. ففي الوقت الذي يثبت فيه بعض الأفراد أنهم قادرون على تجاوز حدود الواقع المحلي والانتصار على تعقيداته، تبدو المؤسسات الرياضية أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للتآكل بفعل صراعاتها الداخلية وضعف بنيتها الإدارية، حتى بات النجاح الفردي في بعض الأحيان أشبه بمحاولة نجاة شخصية داخل واقع مرتبك، لا ثمرة طبيعية لمنظومة ناضجة تعرف كيف تصنع الإنجاز وتحافظ عليه.
ولهذا، فإن النجاح اللافت الذي حققه رشيد جابر في العراق لا يمكن قراءته بوصفه إنجازًا شخصيًا معزولًا، بقدر ما ينبغي فهمه بوصفه مؤشرًا كاشفًا لطبيعة العلاقة المختلة بين الكفاءة الفردية والإطار المؤسسي الذي يفترض أن يحتضنها ويمنحها الاستقرار. لقد استطاع رشيد أن يفرض نفسه في واحدة من أكثر البيئات الكروية العربية تنافسًا واضطرابًا، وأن يقود فريق القوة الجوية إلى لقب الدوري العراقي، كاسرًا هيمنة فريق الشرطة التي امتدت لسنوات طويلة، ومؤكدًا أن المدرب العُماني يمتلك من الكفاءة والقدرة ما يؤهله للمنافسة حين تتوافر له البيئة الملائمة، والثقة اللازمة، والحد الأدنى من الاستقرار الإداري والفني.
ولعل تاريخ الرياضة العُمانية خلال العقود الأخيرة يؤكد ذلك بوضوح؛ فالإنجازات الكبرى غالبًا ما جاءت عبر الأفراد أكثر من المؤسسات. من محمد المالكي إلى محمد عامر الكثيري وعلي الحبسي، ومن فوزي بشير وعماد الحوسني إلى العداء علي البلوشي، تبدو أغلب هذه النجاحات أقرب إلى انتصارات الإرادة الشخصية منها إلى نتاج منظومة متكاملة. وحتى في الألعاب الجماعية، بقيت الإنجازات محدودة ومتقطعة، بينما ظلت الألعاب الفردية أكثر قدرة على فرض حضورها الخليجي والقاري.
ومن يتأمل تاريخ الرياضة العُمانية خلال العقود الأخيرة يلاحظ بوضوح أن الإنجازات الكبرى غالبًا ما جاءت عبر الألعاب الفردية، لا الجماعية. ففي ألعاب القوى مثلًا، استطاعت الأسماء الفردية أن تصنع حضورًا آسيويًا وخليجيًا لافتًا، بينما بقيت الرياضات الجماعية تدور في دائرة التذبذب والإخفاق. وحتى الاتحادات التي يفترض أن تكون أكثر نضجًا واستقرارًا، لم تستطع بناء مشروع طويل الأمد يرسخ ثقافة الإنجاز ويحوّل النجاحات المؤقتة إلى حالة دائمة. والنتيجة أن النجاحات تأتي في شكل ومضات سريعة سرعان ما تخبو، لأن البيئة التي يفترض أن تحافظ عليها وتطوّرها بيئة مضطربة، لا تزال تبحث عن هويتها التنافسية وعن قدرتها على الانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط الحقيقي.
كانت تجربة رشيد مع المنتخب الوطني كانت نموذجًا دقيقًا لهذه الإشكالية. ففي بطولة الخليج بالكويت ظهر المنتخب بصورة مختلفة؛ فريق يمتلك الانضباط، والروح، والقدرة على المنافسة حتى اللحظات الأخيرة، وكاد أن يمنح عُمان لقبها الخليجي الثالث. كان المنتخب آنذاك يبدو وكأنه وجد أخيرًا شيئًا من توازنه الفني والذهني، واستعاد جانبًا من شخصيته التي افتقدها طويلًا، لكن هذا التوازن نفسه انهار سريعًا في التصفيات القارية، لتعود حالة التذبذب من جديد، وكأن المشكلة أعمق من مجرد مدرب أو قائمة لاعبين أو حتى جهاز إداري. هنا تحديدًا تتجلى أزمة المنظومة؛ فالفرد يستطيع أن يحقق نجاحًا مرحليًا، لكنه يظل عاجزًا عن مواجهة اختلالات أكبر منه، اختلالات تتعلق بثقافة مجتمع رياضي يعاني على مستوى الاستقرار، وعلى مستوى طريقة بناء المشاريع الرياضية المتكاملة.
وربما لهذا السبب بدا نجاح رشيد في العراق أشبه بحالة إثبات متأخرة؛ إثباتًا أن المشكلة لم تكن دائمًا في الأشخاص، بل في بيئة رياضية غير مستقرة، ما تزال عاجزة عن بناء مشروع واضح المعالم. فحين وجد رشيد فريقًا أكثر استقرارًا ومنظومة أكثر وضوحًا، استطاع أن يترجم أفكاره إلى نتائج حقيقية، وأن يقدم نفسه بوصفه مدربًا قادرًا على صناعة الفارق.
وفي الجهة المقابلة من المشهد، يقف نادي صور باعتباره صورة مكثفة لهذا التآكل المؤسسي الذي أصاب كثيرًا من الأندية العُمانية. فهذا النادي -الذي كان يومًا- أحد أكثر الأندية التصاقًا بجمهوره وبيئته الاجتماعية، لم يكن مجرد فريق كرة قدم، بل حالة وجدانية متكاملة؛ مساحة يلتقي فيها الناس على المحبة والانتماء والذاكرة المشتركة.
لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة كشف كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تلتهم حتى أكثر الكيانات رسوخًا. فمنذ أكثر من عقد يعيش النادي حالة إنهاك مستمرة بسبب التجاذبات الإدارية والصراعات على النفوذ والسلطة، حتى بدا وكأن كل طرف يتعامل مع النادي بوصفه مساحة لإثبات الغلبة، لا كيانًا ينبغي الحفاظ عليه. ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة مجرد خلافات إدارية عابرة يمكن احتواؤها أو تجاوزها، بل تحولت إلى حالة استنزاف طويلة أفقدت النادي جزءًا كبيرًا من هويته وهيبته وحضوره الجماهيري، حتى أصبح الحديث عن النادي مرتبطًا بالأزمات أكثر من ارتباطه بالرياضة نفسها.
وكان بإمكان هؤلاء الذين يدّعون حب النادي ألّا يجرّوا مشاكله إلى المحاكم، وألّا يحولوا خلافاتهم إلى معارك تستنزف الكيان وتستهلك ما تبقى من استقراره. فالإدارات لا تدوم، وما يُفسد اليوم يمكن إصلاحه غدًا إذا بقي الكيان نفسه متماسكًا. وهذه ليست مطالبة بالصمت عن التجاوزات، ولا بتجاهل الأخطاء، ولكنها رجاء أن يكون النادي أولًا وثانيًا وثالثًا، وأن تكون مصلحته فوق الحسابات الشخصية والانتصارات المؤقتة.
فإذا كانت المصلحة تتطلب تدخل القضاء فلا بأس، لكن أن يظل النادي طوال هذه السنوات رهينة النزاعات، يتنقل بين أروقة المحاكم ويعيش حالة استنزاف مستمرة، فذلك أمر يبعث الحرقة في نفوس جماهيره. وما ينطبق على صور ينطبق على أندية أخرى كثيرة، لكن رائحة احتراق بعضها لم تفح بعد كما فاحت في صور.
ما بين رشيد ونادي صور تتجلى الحكاية كاملة؛ فرد استطاع أن ينهض بنفسه حين وجد البيئة المناسبة، ومؤسسة عجزت عن حماية نفسها من صراعاتها الداخلية. الأول أثبت أن الكفاءة قادرة على فرض ذاتها مهما كانت العراقيل، والثاني كشف كيف يمكن للخلافات أن تدمر كيانًا يمتلك كل مقومات البقاء.
ولهذا، فإن الحاجة اليوم لم تعد مقتصرة على البحث عن مدرب ناجح أو إدارة جديدة، بل على مراجعة أعمق لفكرة المؤسسة الرياضية نفسها؛ كيف تُدار؟ وكيف تُبنى علاقتها بجمهورها؟ لأن الرياضة التي تعجز عن حماية مؤسساتها ستظل تعتمد على الأفراد بوصفهم استثناءات مؤقتة، فيما تبقى المنظومة نفسها عاجزة عن إنتاج النجاح واستدامته.




