
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم يعد الحديث عن الرياضة في عُمان مقتصرًا على نتائج المباريات أو ترتيب الفرق أو حسابات المنافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبح الحديث اليوم أقرب إلى قراءة مشروع وطني يتشكل بهدوء، ويعيد تعريف الرياضة بوصفها قطاعًا تنمويًا واقتصاديًا واجتماعيًا قادرًا على صناعة الأثر، لا مجرد استهلاك الدعم وانتظار الإعانات. ومن هنا تأتي أهمية قانون الهيئات الرياضية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (59/2026)، الذي يمكن اعتباره أحد أهم التحولات التشريعية في تاريخ الرياضة العُمانية الحديثة.
فالقانون الجديد لا يبدو مجرد تحديث إداري أو إعادة ترتيب للعلاقة بين الوزارة والأندية والاتحادات، بل يحمل في جوهره رؤية مختلفة لطبيعة الرياضة نفسها؛ رؤية ترى في الرياضة صناعةً للمستقبل، ومنصةً للاستثمار، ومساحةً لبناء الإنسان والاقتصاد معًا. ولهذا، فإن قراءة القانون تكشف بوضوح أن وزارة الثقافة والرياضة والشباب تمضي بخطوات متقدمة نحو إعادة تشكيل البيئة الرياضية العُمانية بما يتوافق مع روح رؤية عُمان 2040، وبما يجعل الرياضة أكثر انفتاحًا على آفاق التطوير والاحتراف والاستدامة.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذا القانون هو التحول من فلسفة “سد الاحتياجات” إلى فلسفة “خلق الفرص”. ففي مراحل سابقة، كانت الأندية الرياضية تُدار في إطار يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الحكومي والعمل الأهلي المحدود، الأمر الذي جعل كثيرًا من الطموحات الرياضية تصطدم بإمكانات مالية وإدارية متواضعة. أما اليوم، فإن السماح للشخصيات الاعتبارية، سواء من المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص، بامتلاك الأندية الرياضية، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة كليًا في تاريخ الرياضة العُمانية.
إن هذا التحول لا يعني مجرد تغيير في شكل الملكية، بل يعني إدخال عقلية اقتصادية وإدارية مختلفة إلى القطاع الرياضي؛ عقلية ترى في النادي مؤسسة قابلة للنمو والاستثمار وصناعة القيمة، لا مجرد كيان يبحث عن تغطية مصروفاته السنوية. ومن شأن ذلك أن يخلق بيئة أكثر احترافية في الإدارة، وأكثر قدرة على تطوير المنشآت، واستقطاب الكفاءات، وبناء الأكاديميات، وتعزيز ثقافة التسويق والرعاية والاستثمار الرياضي.
كما أن القانون حمل ملامح واضحة لتعزيز الحوكمة والشفافية والانضباط المالي والإداري، وهي خطوة ضرورية لأي مشروع رياضي حديث. فالرياضة المعاصرة لم تعد تقوم على الحماس وحده، بل على الإدارة الرشيدة، والقدرة على التخطيط، ووضوح الصلاحيات، وكفاءة اتخاذ القرار. ومن هنا، فإن إعادة تنظيم العلاقة بين الوزارة والاتحادات والأندية، ووضع أطر رقابية وتنظيمية أكثر دقة، يعكس رغبة حقيقية في بناء منظومة رياضية أكثر استقرارًا واحترافية.
ومن التحولات اللافتة أيضًا ما يتعلق بتنظيم المنازعات الرياضية. ففي السابق، كانت كثير من القضايا الرياضية تتجه إلى القضاء العادي، بما يحمله ذلك من طول الإجراءات وتعقيد المسارات القانونية أحيانًا، وهو أمر لا ينسجم دائمًا مع طبيعة الرياضة التي تقوم على عامل الزمن وسرعة الحسم. أما القانون الجديد، فقد اتجه نحو تكريس التخصص الرياضي من خلال إنشاء لجان قضائية أو شبه قضائية داخل المنظومة الرياضية، تتولى الفصل في النزاعات بصورة أسرع وأكثر تخصصًا.
وهذه الخطوة تمثل نقلة قانونية مهمة، لأنها تنسجم مع المعايير القارية والدولية الحديثة التي تقوم على استقلالية المنظومة الرياضية ووجود أجهزة متخصصة للفصل في القضايا المرتبطة بالعقود والاحتراف، والانضباط، والانتخابات، والمسابقات. كما أنها تمنح البيئة الرياضية العُمانية قدرًا أكبر من الاستقرار والثقة، وتختصر كثيرًا من الوقت الذي كانت تستنزفه الخصومات التقليدية.
والأهم من كل ذلك أن القانون يعكس إدراكًا متقدمًا بأن الرياضة لم تعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت جزءًا من الاقتصاد الوطني ومن صناعة جودة الحياة. فحين تصبح الرياضة قادرة على جذب الاستثمار، وخلق الوظائف، وتنشيط السياحة، وتحريك الإعلام والتسويق والفعاليات، فإنها تتحول إلى قطاع منتج ومؤثر، لا مجرد مساحة ترفيهية محدودة الأثر.
ومع ذلك، فإن القوانين مهما بلغت جودتها وحداثتها، تبقى مجرد نصوص ما لم تتحول إلى ممارسة حقيقية على أرض الواقع. فأنسنة القوانين والتشريعات خطوة مهمة، لكنها ينبغي أن تتبعها خطوات أكثر عمقًا تعبر عن جدية المشروع الوطني ورغبة حقيقية في ترجمة أهدافه إلى واقع ملموس يشعر به الرياضي، والنادي، والمستثمر، والجمهور. فنحن لسنا بحاجة إلى قوانين تلمّع صورتنا أمام الآخرين دون أن يكون لها أثر فعلي في الميدان، بل نحن بحاجة إلى إرادة تنفيذية حقيقية، ودعم غير محدود من صنّاع القرار الوطني، كلٌّ في مجاله، حتى تتحول هذه النصوص إلى منجزات، وهذه الرؤى إلى مؤسسات، وهذه الطموحات إلى واقع يرفع من مكانة الرياضة العُمانية.
إن نجاح القانون لن يقاس بعدد مواده أو حداثة صياغته، بل بقدرته على خلق بيئة رياضية مختلفة؛ بيئة تؤمن بالاحتراف، وتدعم الاستثمار، وتحمي المواهب، وتمنح الأندية القدرة على النمو والاستقلال والاستدامة. فالقوانين وحدها لا تصنع النهضة، لكنها تفتح الطريق لها، ويبقى الرهان الحقيقي على من يملك الشجاعة والإرادة لتحويلها إلى مشروع وطني حيّ قادر على صناعة المستقبل.
لهذا، يمكن القول إن قانون الهيئات الرياضية لا يمثل مجرد محطة تشريعية جديدة، بل يمثل بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الرياضة العُمانية؛ مرحلة تقوم على الانفتاح، والشراكة، والاحتراف، والاستدامة، وصناعة الفرص. وإذا ما أُحسن تطبيق هذا القانون، فإن الرياضة العُمانية قد تكون على موعد مع نقلة نوعية حقيقية، تنقلها من حدود الإدارة التقليدية إلى فضاء أوسع من التنافسية، والتأثير، والحضور، الإقليمي والدولي.
فالرياضة التي كانت يومًا تبحث عمن يدعمها، قد تصبح قريبًا قطاعًا قادرًا على أن يصنع القيمة، ويخلق الفرص، ويقود التنمية، وهذا ربما هو المعنى الأعمق الذي يحمله القانون الجديد، والاتجاه الذي تبدو وزارة الثقافة والرياضة والشباب عازمة على المضي فيه بثقة ووعي للمستقبل.




