
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم تفاجئني الهزيمة الأخيرة لمنتخبنا الوطني لكرة القدم، كما لم أستغرب عدد الأهداف التي استقرت في شباكنا، ولا الصورة الباهتة التي ظهر بها الفريق طوال دقائق اللقاء؛ فما حدث، إذا ما قرأناه في إطار الظروف التي تحيط بالمنتخب والمرحلة التي يمر بها، يبدو أمرًا طبيعيًا إلى حد بعيد، بل إنه أقرب إلى جرس تنبيه منه إلى ناقوس خطر، لأنه يكشف الواقع كما هو، بعيدًا عن النتائج المخادعة التي قد تمنحنا شعورًا مؤقتًا بالرضا بينما تواصل العيوب نموها في الظل.
فالجميع، قبل أن يتولى المدرب المغربي طارق السكتيوي قيادة الأحمر، كان يجمع على أن منتخبنا بحاجة إلى تغيير حقيقي يتجاوز حدود الأسماء إلى جوهر الفكرة نفسها؛ تغيير يمتد من العناصر إلى الأداء، ومن طريقة اللعب إلى العقلية التي تُدار بها المباريات. ومثل هذه التحولات لا تُنجز بقرار عاجل أو معسكر قصير، بل تحتاج إلى وقت وصبر ومراحل متدرجة من البناء والمراجعة والتصحيح قبل أن تتبلور في صورة فريق قادر على مجاراة سقف الطموحات المتصاعد في الشارع الرياضي، والارتقاء إلى مستوى التطلعات التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الانتظار.
ومن هذا المنطلق، فإن الخسارة أمام أندونيسيا، وما رافقها من أداء متواضع وارتباك فني واضح، يمكن النظر إليها بوصفها إحدى محطات التغيير لا أولى علامات الفشل. فالهزائم، على قسوتها، أكثر قدرة على كشف العيوب من الانتصارات، وأكثر صدقًا في تعرية مواطن الخلل التي قد تخفيها النتائج الإيجابية المؤقتة. وما يحتاجه الجهاز الفني اليوم ليس فوزًا يوارِي النواقص ويؤجل مواجهتها، بل واقعًا واضحًا يضع المشكلات تحت الضوء، لأن المشاريع الرياضية الجادة لا تُبنى على الأمنيات ولا على ردود الفعل اللحظية، وإنما على الاعتراف بالأخطاء والعمل على معالجتها.
ولهذا فإن المنتخب يحتاج في هذه المرحلة إلى الصبر والهدوء أكثر من حاجته إلى الأحكام المتسرعة وردود الفعل الانفعالية، خصوصًا من الإعلام الذي يفترض أن يكون شريكًا في صناعة الوعي لا وقودًا للضجيج. فما زال الطريق طويلًا قبل الوصول إلى مرحلة الحصاد، وطريق البناء في كرة القدم لا يُفرش عادة بالانتصارات المتتالية، بل تمتلئ محطاته بالعثرات والتراجعات المؤقتة والدروس القاسية. ومن يريد منتخبًا قويًا ومستدامًا عليه أن يتقبل هذه الحقيقة، وأن يدرك أن البناء الحقيقي غالبًا ما يكون أبطأ مما يرغب الجمهور، لكنه أكثر رسوخًا إذا أُحسن التعامل معه.
فنحن أمام مدرب جديد ما يزال يتعرف على أدواته ويعيد ترتيب أوراقه، وأمام مجموعة من اللاعبين تجاوز عدد منهم الثلاثين عامًا، وأمام إدارة اتحاد لم تكمل عامها الأول بعد، فضلًا عن واقع رياضي معقد يحد من فرص التطور. فالكثير من لاعبينا ما زالوا يعيشون بين متطلبات كرة القدم وأعباء الوظيفة، وهي معادلة لا تساعد على صناعة التفوق المستدام في لعبة أصبحت تُدار في معظم دول العالم بمنطق الاحتراف الكامل، وتُبنى فيها الإنجازات على تفرغ اللاعبين واستقرار المنظومة وتكامل الأدوار.
والحقيقة أن نجاح أي منتخب لا يتحقق بوجود عنصر واحد مهما بلغت جودته، بل يحتاج إلى تكامل ثلاثة أضلاع رئيسة: جهاز فني يعرف ماذا يريد وكيف يصل إليه، ولاعبون يمتلكون الجودة اللازمة للتنفيذ، وإدارة اتحاد تدرك أن دورها لا يقل أهمية عن دور المدرب أو اللاعب. وإلى جانب هذه الأضلاع الثلاثة، يبرز دور الإعلام بوصفه شريكًا مهمًا في عملية البناء، حين يمارس دوره في المراقبة والنقد المسؤول والتحفيز على التحسن والتطوير. ولذلك فإن التعاقد مع مدرب جيد أو امتلاك مجموعة من المواهب لم يكن يومًا كافيًا لصناعة إنجاز مستدام، لأن هذه العوامل قد تمنح تفوقًا مؤقتًا أو لحظة نجاح عابرة، لكنها لا تؤسس وحدها لمشروع قادر على الصمود والاستمرار.
لقد مرت على الكرة العمانية أسماء تدريبية كبيرة مثل كيروش ولوجوين ولوروا وفيربيك وغيرهم، وهي أسماء تركت بصماتها في أماكن عديدة، ومع ذلك ظل سقف الإنجاز محدودًا. ولم يكن السبب أن هؤلاء المدربين يفتقرون إلى الكفاءة، بل لأنهم عملوا داخل منظومة لم تستكمل شروط النجاح. فالمشكلة، في معظم الأحيان، لم تكن في الأسماء التي تقف على الخط، بل في الأرضية التي تقف عليها، وفي البيئة التي يفترض أن تحتضن المشروع وتمنحه فرص النمو والاستمرار.
وللأسف، فإن بعض الإدارات التي تعاقبت على الكرة العمانية فضّلت صدى الميكروفون على هدوء العمل، وبعضها امتلك الرغبة في التغيير لكنه استخدم الأدوات الخاطئة، ومنها من تحترف الاستماع إلى نفسها، وتتعامل مع الآراء المختلفة بوصفها نقصًا في الفهم أو محدودية في الوعي، وهي حالة تمثل خطورة وعائق حقيقي أمام التطور والإصلاح.
ومن هنا، فإن نجاح مشروع السكتيوي لا يرتبط بما يقدمه داخل الملعب فقط، بل بما يحيط به خارجه أيضًا. فالطريق يبدأ من تطوير المسابقات المحلية ورفع جودتها الفنية والتنظيمية، ويمر باستقطاب الكفاءات القادرة على دعم العمل المؤسسي، ويتعزز ببناء شراكات فاعلة مع مختلف الجهات ذات العلاقة. فبناء منتخب قوي لا يُصنع في تسعين دقيقة، ولا داخل معسكر تدريبي عابر، وإنما يبدأ من منظومة رياضية متكاملة تعرف وجهتها، وتمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائها، والصبر الكافي للمضي في طريق البناء حتى نهايته. وعندها فقط تصبح نتائج اليوم، مهما كانت قاسية، مجرد خطوة ضرورية على طريق مستقبل أفضل للكرة العمانية.
