
بقلم- سالم ربيع الغيلاني
لم تعد اللقاءات الإعلامية التي تنظمها مؤسسات الدولة مجرد مناسبات بروتوكولية عابرة تُستدعى فيها الكاميرات لتلميع الصورة أو إعادة إنتاج الحضور الرمزي للمسؤولين، كما لم تعد الدعوات الموجهة للإعلاميين والنخب قائمة على انتقاء الأصوات المهادنة أو الشخصيات التي تدور في فلك المجاملة والانسجام الكامل مع الخطاب الرسمي. ثمة تحول يتشكل بهدوء في طبيعة العلاقة بين المؤسسات والمجتمع؛ تحول فرضته طبيعة المرحلة، واتساع مساحة الوعي، وتراجع قدرة الخطاب التقليدي على الاكتفاء بعرض الإنجازات دون الاقتراب من الأسئلة الأكثر تعقيدًا وحساسية. وفي هذا السياق، بدا اللقاء الإعلامي الأخير الذي نظمته وزارة الثقافة والرياضة خطوة تستحق التوقف عندها، ليس لأنه قدم صورة مثالية مكتملة، وإنما لأنه عكس -ولو بصورة أولية- إدراكًا متناميًا بأن المؤسسة الحديثة لا تُقاس فقط بما تنجزه، بل أيضًا بقدرتها على تفسير ما تفعله وتحمل عبء النقاش العلني حوله، فالمؤسسة الواثقة من سلامة إجراءاتها لا تخشى الضوء، ولا تعتبر النقد خصومة، بل جزءًا ضروريًا من عملية التصحيح والتطوير.
لقد حمل اللقاء قدرًا مقبولًا من الشفافية من خلال استعراض المنجزات والخطط والمستهدفات، وفتح المجال لأسئلة مباشرة بعضها لم يكن سهلًا أو عابرًا، وهذه المساحة ــ مهما بدت محدودة ــ تظل ضرورية لأن الجمهور لم يعد معنيًا فقط بمعرفة النتائج النهائية، بل بفهم الطريق المؤدي إليها؛ كيف تُصنع القرارات؟ وما الأولويات؟ ولماذا تتقدم بعض الملفات بينما تبقى أخرى حبيسة التصريحات والعناوين؟ ومع ذلك، فإن اللقاء لم يذهب إلى بعض المناطق الأكثر حساسية، إذ بقيت ملفات مهمة خارج دائرة النقاش التفصيلي، مثل مشروع خصخصة بعض الأندية، وقضية فك الدمج، إضافة إلى استراتيجية الرياضة العمانية التي أُعلن عنها منذ فترة لكن تفاصيلها التنفيذية ما تزال غامضة إلى حد يجعلها أقرب إلى فكرة عامة منها إلى مشروع واضح المعالم.
ورغم ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء لا تكمن فقط فيما طرحه، بل فيما كشفه أيضًا بصورة غير مباشرة؛ إذ بدا واضحًا أن معظم الاتحادات الرياضية ما تزال بعيدة عن هذا النوع من الانفتاح، رغم أنها الأكثر التصاقًا بالجمهور والإعلام والأكثر عرضة للنقد والتقييم. ومع ذلك، لا تزال أغلبها تميل إلى إدارة المشهد من خلف جدار الصمت، وكأن الغياب عن النقاش العام شكل من أشكال الحماية لا أحد أسباب اتساع الفجوة بينها وبين الشارع الرياضي. وخلال أحاديث جانبية جرت أثناء الاستراحة القصيرة المصاحبة للقاء، وُجه سؤال مباشر إلى بعض رؤساء الاتحادات حول أسباب عزوفهم عن تنظيم لقاءات مماثلة، فجاءت الإجابات مختلفة في صياغتها لكنها متفقة في جوهرها: ضعف الإمكانات، والظروف المالية، وعدم وجود ما يستحق الاستعراض.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هنا: ألم تكن هذه الظروف معروفة قبل الوصول إلى مواقع المسؤولية؟ ألم يكن من المفترض أن تأتي الإدارات الجديدة وهي تدرك حجم التحديات وتحمل برامج وأفكارًا تتكيف مع هذا الواقع بدلًا من الاكتفاء بشرحه بعد الوصول إلى المنصب؟ وحتى لو كانت هذه المبررات واقعية، فإن ذلك لا يبرر الغياب عن المواجهة أو الصمت الطويل، فمن حق الجمهور أن يسمع ويفهم ويحدد بنفسه ما إذا كانت هذه التبريرات مقنعة فعلًا أم مجرد إعادة تدوير لأعذار مستهلكة. إن الاحتماء بالزخم الجماهيري والإعلامي لكرة القدم لم يعد مقنعًا، بل يبدو أقرب إلى الهروب نحو اللعبة الوحيدة القادرة على ابتلاع الضوء كله، بينما تواصل بقية الاتحادات واللجان الرياضية العمل في المناطق المعتمة بعيدًا عن النقد والمتابعة، مع أن كرة القدم نفسها لم تتطور نسبيًا إلا لأنها بقيت تحت ضغط الضوء والمساءلة والاهتمام الجماهيري المستمر.
والمفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا من المسؤولين الحاليين كانوا، قبل وصولهم إلى مواقع القرار، الأكثر قدرة على رؤية الأخطاء، والأشد حماسًا لانتقاد الأداء القائم، والأكثر امتلاءً بالحلول والمقترحات، لكن ما إن انتقلوا من مقاعد النقد إلى مقاعد الإدارة حتى تبدلت زوايا الرؤية، وكأن المنصب لا يمنح السلطة فقط، بل يعيد تشكيل الإدراك ذاته. ولعل أكثر اللحظات دلالة في اللقاء تمثلت في السؤال الذي طرحه أحد الحضور حول أهمية اهتمام الوزارة بالرياضة المجتمعية، عبر توفير مماشٍ ومسارات تُمكّن أفراد المجتمع من ممارسة أنشطتهم الرياضية اليومية باعتبار ذلك جزءًا من مشروع الصحة العامة وجودة الحياة، لا مجرد ترف عمراني يمكن تأجيله. غير أن الإجابة جاءت كاشفة أكثر مما كانت مفسرة؛ إذ رد الوزير بأن هذا الملف يقع ضمن اختصاص بلدية مسقط، مخاطبًا السائل بأنه كان أحد مسؤولي البلدية سابقًا، قبل أن يضيف بأن الوزارة ستخاطب البلدية بشأن الأمر. وهنا بدا المشهد وكأن مؤسساتنا لا ينقصها الوعي بالمشكلات بقدر ما ينقصها الاعتراف بأنها مشكلات مشتركة أصلًا؛ فكل جهة بارعة في الإشارة إلى الباب المجاور بوصفه المدخل الصحيح للحل.
والمفارقة الساخرة أن المسؤول، ما إن يغادر منصبه، يستعيد فجأة حاستي البصر والسمع تجاه القضايا التي كانت تمر أمامه يوميًا دون أن تستوقفه كثيرًا، وكأن الكرسي الإداري لا يمنح النفوذ وحده، بل يوزع أيضًا جرعات متفاوتة من “العمى المؤسسي المؤقت”. أما بعد الخروج من المنصب، فتعود الرؤية حادة إلى درجة تمكّن صاحبها من اكتشاف كل الأخطاء التي لم يكن يراها وهو داخل المكتب نفسه. وفي الحقيقة، لا تبدو المشكلة هنا في شخص بعينه، بل في عقل إداري اعتاد التعامل مع القضايا العامة بوصفها “ملفات اختصاص” لا قضايا حياة، ولهذا تصبح الرياضة المجتمعية شأن بلدية، والصحة شأن وزارة أخرى، والشباب شأن جهة ثالثة، بينما يبقى الإنسان نفسه موزعًا بين الإدارات، ينتظر أن تنتهي المراسلات الرسمية كي يجد ممشى يستطيع أن يمارس فيه رياضة المشي.
إن العمل المؤسسي الحقيقي، خصوصًا في المجال الرياضي، لا يقوم على إدارة الصورة أو الاحتماء بالأعذار، بل على وضوح الرؤية وشجاعة المواجهة والقدرة على الاعتراف بالقصور قبل البحث عن تبريراته، فالمؤسسات التي تتقدم ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك شجاعة النظر إلى أخطائها بوعي نقدي، لا بعين مرتبكة تخشى الضوء.
