
تحليل- محمد العولقي
قل عنه ما شئت: لاعب من كوكب آخر، لاعب فريد من نوعه، لاعب ساحر فوق البساط الأخضر، لاعب جبار قادر لوحده على هد المعبد في كل مباراة ، لاعب غير قابل للاستنساخ ، من المؤكد أن ليونيل ميسي قائد برشلونة الإسباني يستحق أكثر من تلك الشهادات التي يتنزعها بسحره ، ثم تتساقط على رأسه في غزارة أمطار الصيف ، لا غرابة فهو دائما لا يشبع ، يبحث عن المزيد من المجد في كل مباراة يلعبها رفقة فريقه برشلونة ..

حتى ما قبل مباراة برشلونة وليفربول في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا كانت المباراة في أعرافنا وتقاليدنا تسعين دقيقة مع الوقت بدل الضائع ، لكن بعد الإعجاز الكروي الذي صنعه هذا المتمرد على التقاليد والأعراف أصبحت المباراة عند ميسي ثمان دقائق لا غير، يتحدد فيها المصير قبل أن تنتهي من شرب العصير ..
غير ليونيل ميسي مفاهيم الكرة التي تعتمد على القتال والركض وقطع عشرات الكيلومترات فقط لتسجيل هدف ضال قد يأتي بعد جهد وعناء طويلين ، ليونيل ميسي لا يحتاج إلى كل هذا العبث بالدقائق المليئة بالكفاح غير المسلح ، فثمان دقائق تكفيه ليستخرج من قبعة الحاوي قليلا من الحيل الساحرة التي تنهي الجدل في مهده.
مازال بعض المحللين الذين يتقعرون خلف ميكرفونات الاستديوهات التحليلية يتحدثون عن قسوة الكرة وأحكامها التي حرمت ليفربول من العودة إلى الأنفيلد وفي جعبته هدف ضال أو خسارة صغيرة يمكن تداركها بقليل من تحريك برودة الإنجليز ..
لكن كل هذا الغث التحليلي الذي يناقش أسباب تعرض ليفربول لهزيمة على خلاف مجريات اللعب ، يؤكد أن ليفربول كان يواجه ليونيل ميسي منفردا وليس برشلونة بإرث التيكي تاكا المعروفة ..

ليلة الفتك بالبوديجارد ..

يستطيع ليونيل ميسي بعد أن أحدث الفارق بعزفه الساحر المنفرد على وتر الجزئيات الصغيرة أن يوجه الشكر كل الشكر للمدرب الألماني يورغن كلوب ..
يمكنه أيضا تقديم الشكر للاعبي ليفربول ، فقد سمحوا له أن يتنفس في مساحة تغرد فيها العصافير ، مع العلم أن ميسي قادر لوحده على مراوغة فريق بأكمله في مساحة قبر ..
أتفق معكم أن النملة آرنستو فالفيردي كان أكثر دهاء” وعقلانية من كلوب فيما يتعلق بتحريك بيدقه نيلسون سيميدو إلى اليمين ، مع تحول مفاجئ في تموضع سيرجيو روبيرتو، ليمنح ميسي حرية التصرف من العمق وليس من الرواق ، نعم ربما كانت هذه النقلة الشطرنجية القاتلة هي من دقت كل المسامير في نعش كلوب التكتيكي ..
أقول: ربما كان هذا الاستحداث التكتيكي المتفرد للمدرب فالفيردي سببا في تهتك نسيج وسط ليفربول الدفاعي واستعادة وسط برشلونة لحيوية افتقدها طوال 60 دقيقة ، لكن الحقيقة الواضحة أن الساحر ليونيل ميسي هو من فتك بكل بوديجارد يورغن كلوب في ليلة ليفربول الظلماء ..

عندما احتال فالفيردي على كلوب بالانتقال الآمن من صيغة 4/3/3 إلى صيغة 4/4/2 كان هذا التحول قد أربك هندرسون ، فهذا الأخير قفز فجأة إلى سطح الأحداث مع خروج أهم قطعة شطرنجية تحد من تحركات الملك ميسي ، طبعا الأمر هنا يتعلق باللاعب القوي الفنان نابي كيتا ..
بدأ أن فالفيردي وكأنه قد دس المنوم في كأس كلوب ، فقد كان فالفيردي يحصن دفاعه في محاولة لممارسة إغراء تكتيكي يستهدف ترك الاستحواذ كليا لليفر ، ثم ترك الكونترا تاك لعبقرية ميسي ..
حتى ما قبل الدقيقة 75 كان ليونيل ميسي محاطا بكل بوديجارد الوسط ، تناوب شرس يصل أحيانا إلى درجة التهور ، بدأ على ميسي أنه قد استجاب تماما لقانون البوديجارد ، مناوشات بلا خطورة ، ومراوغات عنترية لا تجدي أمام أكثرية في العمق ، في كل مرة يظهر ميسي على مقربة من منطقة الجزاء يهرب فان ديك من المواجهة الفردية ..
كان فان ديك تحديدا يجسد حقيقة أن اللعب (واحد مقابل واحد) سيجعله أضحوكة أمام ميسي ، لهذا كان يترك المواجهة للبوديجارد من ميلنر إلى هندرسون إلى فابينيو ..
عملية الخداع التكتيكية التي مارسها ميسي مع كلوب عرت سذاجة لاعبي ليفربول ، عرتهم تماما ، لأن اندفاع الوسط لتشكيل زيادة عددية في الثلث الأخير من ملعب برشلونة خلق مساحات هائلة أمام ميسي ، لم تكن هذه المساحات لتعري الانضباط التكتيكي لولا سذاجة مدرب طمع في الكثير دون أن يعرف عواقب حكاية الثور الأبيض ..
هذا الاندفاع الليفربولي تضاعف بإهمال في آخر ربع ساعة ، وهنا فتح الحاوي ميسي المجال أمام سحره وبطريقة جعلت من ليفربول فريقا هامشيا .. كيف ..؟

ثمان دقائق في حضرة الملك ميسي..
استفاق ميسي وتحرر من قيود البوديجارد الليفربولي، كانت مهمة سيرجيو روبيرتو بعد نقله من خانة الظهير الأيمن إلى خانة رجل وسط ميدان، توصيل الأمانة إلى ميسي ، وهذا الساحر الذي يقطر خبثا كرويا فعل بلاعبي ليفربول في ثمان دقائق ما فعله المشيب برأس شاعر التمني ..
عند الدقيقة 75 ووسط مد هجومي ليفربولي مهووس تجلت عبقرية ميسي ، تصله الكرة أمام منتصف الملعب وبسرعة فائقة يلتهم مساحة يستحيل أن تسرق من فريق يضم أفضل لاعب في البريمر ليج ، ينقل الكرة إلى سواريز في رمشة عين ، ثم يندفع فجأة إلى الأمام في حركة خادعة غير متوقعه ، يجد الكرة أمام باب المرمى تزغرد عائدة من العارضة وهي تهتف : ما أجمل أن تضعني بيسراك الحريرية في مرمى إليسون بيكر ..
كان هذا الهدف هو من غير معالم المباراة تماما ، وهو من أعاد جمهور برشلونة للهتاف بعد فاصل غريب من صافرات الاستهجان ..
أول من كان يراهن على أن مباراة كامب نو ستلعب على بعض الجزئيات الصغيرة هو ليونيل ميسي وليس فالفيردي ، فبعد الهدف الثاني الذي عزز هدف لويس سواريز في الشوط الأول ، امتلك ميسي زمام المباراة ، كان يناور تكتيكيا وفنيا بإيقاع مختلف لجس النبض ، لاحظوا أنني قلت : امتلك ميسي وليس برشلونة ، وهذه حقيقة لم تكن للتبلور على أرض الملعب حال غاب ليونيل ميسي ..
الواقع أن ليونيل ميسي هو روح وعقل وكيان برشلونة ، هو السم القاتل الذي يتجرعه منافسوه ، وهو اللاعب الذي يحسم كل شيء فرديا ، يمكنه في جزء من الثانية أن يدخل الخيط في سم الإبرة وبراءة الأطفال في عينيه ..
إذا كان ميسي قد فتك بليفربول في ثمان دقائق ، فان الهدف الثالث كان ومضة عبقرية من ميسي ، ومضة كشفت كم مسافة ضوئية يبعد ميسي عن أقرب لاعب يمكن مقارنته به ( هذا إذا كان هناك لاعب يمكن مقارنته بميسي في هذا الزمن )، تفطن ميسي إلى الكثافة التي تطارده مع كل عملية إقلاع ، لذا اهتدى إلى حيلة تتلخص في الحصول على خطأ قريب من منطقة جزاء ليفربول ..
وعندما نال مبتغاه من خلال خطأ ساذج ارتكبه فابينيو كان ميسي يجسد أمامنا حقيقة الاستفادة من أدق تفاصيل الجزئيات الصغيرة ..
الواقع أن الخطأ كان بعيدا بعض الشيء عن المنطقة التي يفضلها ميسي ، ومع ذلك فقد كان ميسي يرى هذه المخالفة فرصة لن تتكرر ، صب ميسي على تسديدته اللولبية سحرا قادما من حقبة جيل برع في هكذا مخالفات مثل الفرنسي ميشيل بلاتيني ، عبرت الكرة كل رؤوس البوديجارد ، وفي نفس تمركز إليسون سكنت الكرة تزغرد ، فما أحلى أن تعانق الشباك بأمر مباشر من الملك ميسي ..

سذاجة كلوب التكتيكية ..

أزعم أنني مهووس بدراسة شاكلات اللعب ، ومغرم بالكثير من متغيراتها ، خبرتي في هذا المجال تجعلني دائما أقدم تصورات فنية من صلب أجواء المباريات المصيرية ..
ورغم هذا لم أكن أتوقع أن يجازف كلوب فنيا ويغامر تكتيكيا في مباراة تتطلب الحذر والخروج من ملعب الخصم بأقل الأضرار الممكنة ..
صحيح أن ليفربول في عهد كلوب يعتنق فلسفة الاستحواذ على الكرة ثم تدويرها ، هذه فلسفة تقليدية ممكن تنجح مع فرق أخرى لا تحبذ الاستحواذ كوسيلة وغاية ، لكن عندما تلعب مع الأصل عليك أن تحتاط لأن لدغات الفريق البرشلوني الأعلى كعبا بميسي قاتلة للغاية ..
محزن جدا أن يكون كلوب قد قلد رقصة برشلونة اللاتينية ثم نسي فيما بعد مشيته الانجلوسكسونية ، فهذا التشبع بفلسفة الاستحواذ أمام ميسي وليس برشلونة خلق نوعا من الارتجاج في الشق الهجومي ..
وإذا كان يورغن كلوب يعشق شاكلة 4/3/3 التقليدية فلأنه يراهن كثيرا على قزاحه المائل هجوميا ، ولكن مع غياب فيرمينيو عن مباراة برشلونة أصيب هذا القزاح بنوع من الشلل الدماغي ..

كان خطأ كلوب أنه تصور أن الهولندي فينالدوم هو قطعة الغيار التي يمكن أن تعطي التوازن للثنائي محمد صلاح و سيدو ماني ، كانت النتيجة أن ليفربول لعب ناقصا في الهجوم ، فالهولندي فينالدوم لم يهضم تصورات كلوب ، وكان عبئا على الفريق هجوميا ، وكان عائقا أمام غزوات ماني القليلة ، و اندفاعات محمد صلاح النادرة..
لست أدري كيف اقتنع كلوب بهذا المتغير في العمق ؟
كيف تناسى أنه بالفعل يمتلك مهاجما متخصصا رغم قلة مشاركاته وهو دانيال ستوريدج ؟
لا شيء يمكن تفسيره بهذا المتغير سوى أن كلوب سقط سقوطا مدويا في فخ السذاجة التكتيكية ، فقد قدم لمنافسيه فالفيردي وميسي هدية ثمينة يستحال أن يرفضها الثنائي في الليلة الأوروبية الكبيرة ..
تفوق فالفيردي في تحريك بيادقه على رقعة الشطرنج ، ونجح في تقديم حماية لنجمه ليونيل ميسي في العمق ، وبهذا الطراز كسب الملك ميسي نقلته الشهيرة وفتك بكل بوديجارد ليفربول في ثمان دقائق لا غير..
بدون شك نحن نعيش زمن ليونيل ميسي ، هو يستحق كل الألقاب هذا الموسم فرديا وجماعيا ، لاعب يرتفع مستواه الفني والبدني مع دخوله سن الثانية والثلاثين فهذه ظاهرة كروية جديدة لم نسمع بها أو نشاهدها من قبل ..
لم يعد مهما ما سيحدث في مباراة الإياب في الأنفيلد ، فما يفعله ميسي هذه الأيام يفوق كل التصورات ، يمكننا الاستمتاع بظاهرة ميسي في زمن باد فيه اللعب الفردي ، ولم يعد أحد يستطيع الفوز بالتهاف الجماهيري سوى هذا الملك الذهبي الذي أعطى تعريفا لكرة القدم لم يكن موجودا من قبل ..!




