
تحليل: أحمد مختار
ماذا تعرف عن فنلندا؟ الحقيقة أنني مثل الكثيرين، غير ملم بتفاصيل الجغرافيا وأبجديات المكان، لذلك لا أعرف عن هذه الدولة شيء غير أنها تقع في أوروبا، وتعتبر موطن شركة “نوكيا”، إحدى أباطرة شركات صناعة التليفونات في وقت سابق، قبل أن تسقط في فخ الرتابة والتكرار والتقليد، لتصعد على حسابها إمبراطوريات أخرى أصبحت هي الأصل والصورة في زمن “الديجيتال” وما بعد “الأنالوج”.


ولأنني أعتبر نفسي متابعاً قديماً بعض الشيء، فإن فنلندا أيضاً تمثل بالنسبة لي بلاد واحد من أقرب اللاعبين إلى قلبي، إنه ياري ليتمانن، نجم أياكس الذهبي في حقبة التسعينات، واللاعب الذي ارتدى قمصان فرق عظيمة بقيمة برشلونة وليفربول، وكان أقرب إلى القدوة والمثل الأعلى لجيل كامل من اللاعبين والجماهير في فترات سابقة، قبل عالم الإنترنت وغول السوشيال ميديا.
يقول إبراهيموفيتش عن ليتمانن في كتابه “أنا زلاتان”: “لقد أعجبت به كثيراً. سبق له اللعب مع برشلونة و ليفربول و كان قد وصل إلى أياكس للتو، و سرعان ما ترك بصمته الكبيرة علي عكس العديد من اللاعبين في أياكس الذين لعبوا في الغالب لأنفسهم و أرادوا أن يلفتوا الأنظار ليتم بيعهم لنادٍ كبير. كان يبدو أننا نلعب ضد أنفسنا أكثر مما نلعب ضد الأندية الأخرى لكن ليتمانن كان بحق لاعب فريق و كان يهتم بالأمر الأهم للفريق”.
رغم كل روائع ليتمانن وقيمته ومستواه الرائع مع أياكس، إلا أنه وقع في فخ النسيان مع الزمن، ولم ينجح بعد انتقاله إلى ليفربول ليسجل فقط 5 أهداف طوال فترة لعبه بالبريمرليج. المفارقة الغريبة أن هذا الرقم هو نفس عدد أهداف مواطنه تيمو بوكي، والأغرب أن بوكي سجل هذا العدد في 3 مباريات فقط هذا الموسم، ليصبح هداف الدوري الإنجليزي هذا الموسم، وحديث جماهير “الفانتازي” يومياً، وأشهر من شركة “نوكيا” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأنجح من ليتمانن على صعيد لغة الأرقام التي يفهمها شعب كرة القدم حالياً.


تيمو بوكي ليس باللاعب الشاب أو مشروع المهاجم الكبير. هذا الرأي فات أوانه بعدما صار الفنلندي على مشارف الثلاثين من العمر، لكن قصته تبدو غريبة بعض الشيء، من خلال بدايته مع أحد الفرق المحلية في بلاده، ليخطف انتباه مونشي، صانع أمجاد إشبيلية في زمن فات وأحد أهم مهندسي التعاقدات في أوروبا، ليوقع معه سريعاً ويجلبه إلى إسبانيا عام 2008 بالتحديد.
قضى بوكي موسماً واحداً في صفوف الفريق الرديف، ثم صعد إلى الفريق الأول خلال موسم 2009-2010 لكنه لم يشارك كثيراً ليسجل هدف واحد فقط، ويعود إلى موطنه فنلندا من جديد، وكأن مفاتيح هذا اللاعب وُجدت فقط في الدوري الفنلندي. هذا ما كان يعتقده الكثيرون بعد تألقه مع فريق هلنكسي المحلي، وانتقاله بعد ذلك إلى شالكه الألماني لتبدأ تجربته تأخذ نطاقاً أوسع وصدى أكبر.
بوكي مهاجم متحرك، لا يتوقف عن الركض والجري والحركة، لذلك ربما لم يجد مجالاً للتألق في الدوري الإسباني، حيث المساحات الضيقة واللعب المغلق الذي يحتاج إلى أصحاب المهارات الخاصة، وبالتأكيد نتيجة صغر سنه حينها وقلة خبرته فإنه لم يتأقلم بالشكل المنشود، عكس ما أظهره في ملاعب ألمانيا وإسكتلندا وإنجلترا حالياً، مع كرة التحولات السريعة والمرتدات الخاطفة واللعب المفتوح والهجمات المتبادلة، وبالتحديد الشق البدني المطلوب والذي يملكه اللاعب قبل أي شيء آخر.

بدأ جمهور الكرة يعرف تيمو بوكي عن طريق شالكه، لينتقل بعد ذلك إلى سيلتك لكنه لم يستمر طويلاً ليحصل على فرصة ذهبية مع بروندبي الدنماركي، فريق إسكندنافي لديه أجواء شبيهة بما عاشه المهاجم في فنلندا، لذلك بقى في صفوفه لمدة 4 سنوات كاملة، وخاض أكثر من 100 مباراة مع تسجيله 55 هدف، وبعدها جاءت فرصة العمر بالنسبة له، بالذهاب إلى إنجلترا واللعب مع نوريتش، ليتصدر دوري “الشامبيونشيب” ويصعد إلى البريمرليج هذا الموسم، والباقي أنتم تعرفونه بالتأكيد.
مهاجم نوريتش مميز في الإنهاء وترجمة الفرص إلى أهداف، بالإضافة إلى قدرته على الحيازة تحت الضغط والاستلام والتسليم دون مشاكل، لذلك يربط مع لاعبي الوسط والأجنحة بنجاح، ويعرف كيف يتعامل مع المدافعين بحركته المستمرة وتمركزه المثالي، مما جعله يسجل 5 أهداف هذا الموسم في بطولة الدوري، ويصنع هدف واحد لزملائه، أي أنه ساهم في 6 أهداف خلال 3 مباريات فقط.
نجاح بوكي ليس وليد اللحظة، فاللاعب خاض 43 مباراة في “الشامبيونشيب” وسجل خلالها 29 هدفا مع صناعة 10 “أسيست”، مما يدل على نجاعته التهديفية الواضحة وقدرته على التعامل الجيد بل الممتاز داخل منطقة الجزاء، بتسجيل الأهداف من الفرص وأنصافها، وقدرته على خلق الفراغ المطلوب معتمداً على أخطاء المدافعين مستغلاً نقاط ضعف منافسيه.


القناص مرعب الحراس، المهاجم الكلاسيكي القادر على تسجيل الأهداف أمام المرمى، اللاعب المشاغب مواليد منطقة الجزاء، كل هذه العبارات تم إطلاقها على مهاجم الصندوق أو فيما يعرف بإسم “رجل السكر”. وفي التكتيك الانجليزي هو الـ Goal Poacher، على طريقة آلان شيرار مع نيوكاسل ومنتخب انجلترا. بينما في إيطاليا، حصل الأزوري على مونديال 82 عن طريق أهداف القاتل باولو روسي، وعرف بيبو انزاجي التألق رغم أنه ليس لاعب كرة قدم من وجهة نظر كرويف، لأنه فقط يُدرك قيمة الأمتار الأخيرة من الملعب، حيث يقابل الحارس ويلامس الشباك.
أدى تغير طرق التسلل وقوانين اللعبة إلى تمديد واتساع الملعب، وأصبح خط الدفاع المتقدم وفارق الـ 25 متر بين الدفاع والهجوم أمر أقرب إلى المستحيل، على طريقة أريجو ساكي مع ميلان التي انتهت تقريباً إلا مع فرق قليلة جداً. عاد الخط الأخير للخلف وبدأ يقف أمام منطقة الجزاء، حتى الفرق التي تبادر بضغط عال، تلعب بخط دفاع متأخر مع ثنائي ارتكاز بمنطقة الوسط، لذلك قل كثيراً معدل المهاجمين الذين يسجلون فقط، وفق ما كتبه جوناثان ويلسون في مقال قديم عبر “جارديان”.
لم يعد الهداف القابع داخل الصندوق أو خارجه قليلاً هو الأساس، كذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى المهاجم الذي يلمس الكرة كثيراً بعيداً عن المرمى، لكن أيضاً لم يتم إلغاء هذا المركز بشكل كلي، في ظل حاجة الفرق الكبيرة إلى خطة بديلة في بعض المباريات، ومدى أهمية الهدافين إلى أي مدرب لمحاولة إنقاذه من الهزيمة أو حصده لبعض النقاط المحورية في مسابقات طويلة مثل بطولات الدوري.
ورغم كل التطورات والتعقيدات في عالم التكتيك، بقت الحاجة إلى المهاجم الهداف الذي يُحسن التصرف أمام المرمى حاضرة بقوة، لأنك مهما فعلت وخططت وابتكرت ستظل في أمس الحاجة لمن يهز الشباك بأي وضع كان، لذلك من المنطقي أن يعود أحد رجال السكر إلى الواجهة من بوابة البريمرليج هذا الموسم، لأن فريق مثل نوريتش مع دانييل فاركي يلعب باندفاع هجومي واضح، لا يهاب منافسيه ويضغط باستمرار من أجل التسجيل، ليصنع عدد وافر من الفرص رغم هشاشة دفاعه، مما يعني إمكانية استمرار “موضة” تيمو بوكي” طوال الموسم، وعدم تقيدها فقط بحمى البدايات، لأن فريقه يوفر له عدة فرص أمام المرمى، ولأنه مهاجم قناص يعرف من أين تؤكل الكتف، وبصريح العبارة، “رجل سكر” كما يقول الكتاب.




