
تقرير – أحمد مختار
اختارت إدارة برشلونة التعاقد مع رونالد كومان وليس بوكيتينو بسبب كونه لاعباً سابقاً في الفريق، بل أحد النجوم الكبار في تاريخ النادي. لاعب أسطوري سابق، واحد من أيقونات النادي تاريخيا، ولديه شخصية قوية بين جميع من يعرفه، لذلك فهو حائط صد أمام الغضب الجماهيري واللغط الإعلامي، ومسكن فعال لإبعاد شبح الانتخابات المبكرة.
برشلونة في الفترة الماضية ليس لديه تكتيك لكنه لا يملك نظاما من الأساس، بالتالي يمكن وضع سبب آخر منطقي لتفضيل كومان، أنه اسم يعرف طبيعة تشكيل النادي ومراكز القوى داخله، لذلك يستطيع التعامل معها أو تفكيكها ببطء بطريقة أنسب من بوكيتينو الغريب عن برشلونة، وهنا وجهة نظر جديرة بالاحترام.

كومان مع شعبيته وسط المشجعين، وسائل الإعلام، اللاعبين القدامى، كل هذه الأمور تجعل قدرته على تقليل سطوة النجوم الكبار داخل غرفة الملابس أمر ممكن، لأن الصدام معه سيكون مكلفاً ولن يمر مرور الكرام، كما حدث مع سيتيين على سبيل المثال.
كانت هذه وجهة نظر المشجعين والإعلاميين، الذين أيدوا قدوم رونالد كومان إلى تدريب برشلونة، لكن بعد مرور نحو 3 أشهر على بداية الموسم الكروي الجاري، هل حقاً نجح كومان في السيطرة على غرفة الملابس وتحجيم مراكز القوى داخل الفريق وإعادة هيكلته تكتيكياً وخططياً بالشكل الصحيح؟
ثورة مضادة

اعتقدت الغالبية العظمى في كتالونيا أن كومان سيضحي بالكبار سريعاً ويعطي الفرصة للشباب، لكن هذا لم يحدث وربما لن يحدث. فخلال الميركاتو الصيفي، رحل سواريز فقط بشكل سيء بعد فترة طويلة من الشد والجذب بين جميع الأطراف، بينما كان هناك رحيل متوقع وسلس للثنائي أرتورو فيدال وإيفان راكيتيتش، بسبب كبر سنهما وتبقي عام واحد فقط في العقود.
في المقابل، استمر بيكيه، بوسكيتس، روبرتو، ألبا، وبقت مشكلة ميسي بلا حل، حيث استمر اللاعب رغماً عنه، وسيرحل مجاناً -إذا أراد- بعد نهاية الموسم الجاري دون موافقة برشلونة. وبالحديث عن علاقة المدرب نفسه بالأسماء الشابة أو المواهب الجديدة، سنجد اهتماماً واضحاً بالثنائي أنسو فاتي وبيدري، مقابل تهميش غير منطقي لكل من كارليس ألينيا وريكاردو بوج وحتى ديست، قبل إصابة روبرتو وإجباره على إشراكه.
كل ما سبق يؤكد بأن ما حدث في برشلونة لا يمت للثورة بصلة، بل هو أقرب إلى الثورة المضادة، التي امتصت غضب الجماهير وأفرغت شحنات العصبية في أكثر من إتجاه، لكن دون أي تأثير فعلي وحقيقي داخل الملعب وخارجه، لذلك ظلت المشاكل كما هي، وتضاعف البعد بين الجمهور والجهاز الفني للفريق بقيادة كومان حتى الآن.
طريقة اللعب

يصر رونالد كومان على اللعب برسم 4-2-3-1، مهما كانت المعوقات والغيابات. فالمدرب بدأ الموسم بتواجد جريزمان على اليمين، كوتينيو في المركز 10 وفاتي على اليسار، وفي العمق ميسي، ثم راهن على ميسي في المركز 10 وكل من كوتينيو وبيدري على الأطراف، وفاتي في المقدمة كما حدث في الكلاسيكو، وبعدها بيدري وديمبلي على الأطراف، وفي العمق جريزمان وميسي، كما لعب أمام يوفنتوس في تورينو، مع الاعتماد على ثنائية دي يونج وبوسكيتس في محور الارتكاز، ثم بيانيتش بدلاً من بوسكيتس المصاب.
الحقيقة أن هذا الرسم لا يعطي البارسا أفضل انتشار ممكن، خاصة من دون الكرة، بسبب وجود مساحات كبيرة بين الأظهرة والجناحين، خاصة جهة ديمبلي الذي لا يدافع كثيراً، جنباً لجنب مع صعوبة تغطية ثنائي المحور لكل هذه الفراغات، خاصة مع كبر سن بوسكيتس وانخفاض مستواه، ونقص لياقة بيانيتش، حتى عندما يشارك بدلاً منه.
وصل أتليتكو مدريد إلى مرمى برشلونة من اليمين، صنع ريال بيتيس عدة فرص أيضاً من نفس الجهة، مما يعني وجود خلل حقيقي في هذا الجانب، بالإضافة إلى كثرة التغيير في مراكز اللاعبين، والذي أفقد المجموعة التجانس والتناغم،ب فجريزمان لعب كجناح أيمن، مهاجم، وصانع لعب، وميسي أيضاً يعود كثيراً للخلف رغم أنه يجب أن يتواجد بالثلث الأخير فقط، كذلك لعب بيدري مباريات عديدة رغم صغر سنه وقلة خبرته، ولم يستعد كوتينيو بعد مستواه بعد عودته من الإصابة، دون نسيان إصابة أنسو فاتي لمدة 4 أشهر على الأقل.

التحول من 4-2-3-1 إلى 4-0-6

المتابع الجيد لفريق برشلونة، سيلحظ فوراً التغييرات الخاطئة لكومان في المباريات التي يتأخر فيها بالنتيجة، حيث أنه يفضل تفريغ خط الوسط بالكامل من لاعبيه، مع رمي أكبر عدد ممكن من المهاجمين دفعة واحدة، لتتحول خطته من 4-2-3-1 إلى ما يشبه 4-0-6، بتواجد رباعي في الدفاعي وخماسي هجومي، مع الاكتفاء بكوتينيو فقط في منطقة المنتصف، رغم أنه ليس لاعب وسط صريح من الأساس.
حدث ذلك نصاً أمام الريال على سبيل المثال، حيث أنه رمى بكل أوراقه الهجومية دفعة واحدة، دون مراعاة لعوامل التجانس والتأقلم والتناغم في التشكيلة، مع الدفع بأكثر من لاعب مهاجم في الأمام، وتفريغ خط الوسط تماماً، بخروج السيء بوسكيتس وعدم إشراك بوج أو بيانيتش بدلاً منه، مما جعل وسط برشلونة مفتوحاً أمام مصراعيه، ليحصل الريال على أكثر من فرصة عن طريق المرتدات الخاطفة والتحولات السريعة.
الأغرب من ذلك أن الأمر تكرر بحذافيره أمام خيتافي، أتليتكو مدريد، ليخسر الفريق 3 مرات بشكل واحد في مباريات الليجا. بعد تأخره في النتيجة بفارق هدف، يقوم المدرب بسحب لاعبي الوسط وإدخال عناصر الهجوم، ليفقد البارسا السيطرة تماماً على مجريات اللعب، ويضرب بسهولة عن طريق التحولات، مع فشله في خلق فرصاً حقيقية أمام مرمى منافسيه.
المثير للاهتمام أن كومان ربما أول مدرب في تاريخ برشلونة الحديث لا يعطي أي أهمية لخط الوسط بهذا الشكل، حتى لويس إنريكي نفسه، الذي كان يملك الـ MSN في أفضل أحواله لم يقامر أبداً بهذا الشكل، حيث أنه ظل يعتمد على الثنائي راكيتيتش وبوسكيتس لأطول فترة ممكنة، من أجل حماية مرمى فريقه من المرتدات، ومحاولة التحكم بقدر ما في نسق المباريات.

الحل؟

مسميات الخطط تشبه أرقام التليفون، مجرد كلمات على الورق، لكن في الملعب السر في التحرك والتمركز، لذلك ليس بالضرورة أن يلعب برشلونة برسم 4-3-3 أو 4-2-3-1 أو حتى 4-4-2، لأن الأهم الانتشار السليم داخل الملعب، خلق الفراغات خلف خطوط المنافس، والتمركز المثالي من دون الكرة، مع التحكم في المساحات جيداً بين الدفاع والوسط، وهذا ما يفتقده برشلونة حتى الآن في مبارياته السابقة.
يحتاج الفريق إلى عمل أكبر على مستوى خط الوسط، سواء بإضافة لاعب آخر إلى ثنائية المحور، أو حتى إعطاء الوجوه الشابة مثل ألينيا أو بوج فرصة، لمشاركة دي يونج منطقة الارتكاز. كذلك يمكن الاعتماد على جناح صريح مثل ديمبلي على الخط، وبيدري في الجهة الأخرى أو كوتينيو، من أجل مزيد من السيطرة والتحول إلى ثلاثية الوسط عند الحاجة.
هناك حل آخر مع تألق ديست على اليمين، بلعب جريزمان في هذا الجانب، كنصف جناح ونصف مهاجم إضافي، مع وضع ميسي في المركز 10 أثناء الاستحواذ، وفتح الملعب في الجهة الأخرى يساراً بلاعب سريع ومتحرك مثل ديمبلي أو ترينكاو، مع وضع ثلاثي صريح في المنتصف، يبدأ من دي يونج وينتهي بالثنائي ألينيا/ بوج وبيانيتش على سبيل المثال.
لماذا أيضاً لا يجرب الفريق تكتيك ثلاثي الخلف؟ بعودة دي يونج كـ ليبرو بين قلبي الدفاع لونجلي ومينغويزا أو أراوخو، وفتح الملعب على الطرفين بثنائي من الأظهرة الأجنحة مثل ألبا وديست، وفي الوسط ثنائي صريح، أمامه ميسي وديمبلي وجريزمان كثلاثي هجومي متحرك غير ثابت بين الطرف والعمق. كلها مجرد أفكار وحلول تحتاج إلى هيكل خططي يصنعه كومان، من أجل توازن تكتيكي أكبر للفريق الكتالوني في قادم المواعيد.




