نجولو كانتي.. قراءة واقع تكتيكي غير مرئي!

تحليل: محمد العولقي

جاءت مباراة منتخبي فرنسا وألمانيا في (يورو 2020) كفرصة ذهبية لقراءة واقع تكتيكي خفي تقمصه المنتخب الفرنسي في ليلة علاج المانشافت بالصدمة الكهربائية..

التحولات التكتيكية الواضحة التي تراها أعين الناس يستطيع المحلل التقليدي شرحها و تفسيرها .. لكن ماذا عن الجوانب التكتيكية غير المرئية التي تحتاج من المحلل إلى قرون استشعار عن قرب و بعد ..؟

ماذا عن الصراعات الخفية التي لا تراها إلا عين محلل بقوة أبصار زرقاء اليمامة ..؟

ماذا عن المعركة المستترة التي تحتاج من المحلل إلى ذكاء ثعلب و أنف فأر عرف كيف ينجو من جحيم تسونامي ..؟

كان متوسط ميدان فرنسا بول بوجبا هو نجم التكتيك المرئي بلا منازع، و استطاع إلى حد بعيد أن يكون طائرة متنقلة هجوميا ، لكن الرادار البشري نجولو كانتي كان نجم التكتيك غير المرئي بلا منازع..

لقد أغدق المحللون بعبارات المديح للدور المرئي الذي اطلع به بنجاح بول بوجبا ممول العمليات الهجومية نحو كليان مبابي و أنطوان جريزمان و كريم بنزيمة ، و كان يفترض أن يسألوا أنفسهم لماذا تألق بوجبا تألقا مرئيا لافتا ..؟

لماذا ارتفع أداء بوجبا عن أدائه المتذبذب مع مانشستر يونايتد ..؟

ولماذا بدأ العمق الدفاعي لمنتخب الديكة فولاذيا يصعب خدشه أو حتى إيذاؤه ..؟

قبل التفسير وجب التوضيح:

في مباراة قمة متكافئة تاريخيا مثل قمة فرنسا وألمانيا تكون المواقف التكتيكية حاضرة بقوة و لو جمعت بين نقيضين..

هناك الهجوم المباشر وغير المباشر، و هناك دفاع مباشر وآخر غير مباشر، لكن الفارق في المواقف تكمن في تحركات اللاعبين، لن أقول ثقافة اللاعبين ولا خبثهم التكتيكي لأنني هنا أتحدث عن محترفين عملهم و رزقهم كرة القدم..

كلنا نركز دائما على حامل الكرة، كيف يناور؟ كيف يراوغ؟ كيف يمرر ؟ كيف يتصرف؟ لكن ماذا عن التحرك بدون كرة ..؟

ماذا يحدث للاعب الذي لا يمتلك الكرة بالذات لاعب الوسط الرابط ..؟ كيف يفكر ..؟ كيف يتدبر أمره؟ كيف يشحذ حواسه للقيام بأدوار خفية تعطي الحصانة التكتيكية انضباطها عند فقدان الكرة ..؟

كيف يتوقع ..؟ كيف يقرأ تحركات الخصم قبل حدوثها..؟
في تصوري أن نجولو كانتي هو محور كل هذه الإجابات، ولمن يريد معرفة الدور الكبير الذي يؤديه هذا اللاعب القصير الذي لا يهدأ ما عليه سوى التركيز على تحركات كانتي بدون كرة و ما قدمه من تضحيات لبوجبا أمام ألمانيا..

عندما يستحوذ بول بوجبا على الكرة يصبح المنتخب الفرنسي في حالة هجوم عاصف، تفكير اللاعبين حينها ينصب نحو الهجوم، حسنا ليس كلهم، هناك كانتي دائما يوفر الحماية اللازمة لهذا الاندفاع الهجومي، وحينما يبدأ في بناء الهجمة في إطار جماعية اللعب يفكر مليا في كيفية التحرك العمودي نحو العمق تحسبا لأي صاعق ألماني..

كثيرون يقيمون لاعب الكرة عند لمسه للكرة، يحكمون عليه عند التمرير الدقيق، عند المراوغة، عند التسديد، عند سرعته في الإقلاع، ومن النادر جدا أن تجد محللا يقيم لاعب مثل نجولو كانتي، هذا لأن معظم أدواره مع المنتخب الفرنسي غير مرئية، قد يشاهدونه فقط عند الاحتكاك أو عند قطع الكرات، من دون أن يسبروا أغوار تحركاته الواعية بدون كرة في عمق الدفاع تحديدا عندما تكون الكرة بحوزة الفريق المنافس..

يرى كانتي جيدا عند استخلاص الكرة من المهاجم أو لاعب الوسط، هذا كفيل بأن نحكم عليه بأنه محور وسط دفاعي هدام أو سقاء شرس يحمل بعض الملوحة في جرته، لكن ماذا عن كانتي عندما يتحول النهج إلى هجوم خاطف و سريع ..؟ ماذا يفعل ..؟ كيف يفكر ..؟ كيف يتوقع ملك التوقعات ..؟

يعمل على تحرير بوجبا في اليمين وأدريان رابيو في اليسار، ثم يتقدم نحو مركز الدائرة ليمنح عمق الدفاع متنفسا في الامتداد مع حرية تقدم بافار يمينا وهيرنانديز يسارا، هنا يسيطر كانتي تماما على أجواء المنافس ويحبط أي مرتد عند قطع الكرات في الثلث الهجومي للفريق الفرنسي..

ومع لاعب مثل كانتي يتكيف مع كل المتغيرات والمواقف
التكتيكية طبيعي جدا أن يطبق ديديه ديشامب طريقة الدفاع من عمق الوسط و ليس من عمق الدفاع كما جرت العادة ..

أجمل ما في كانتي أنه حرباء لكل الشاكلات قابل للطرق والسحب، لاعب يدفعك كي تتألق عندما تلعب إلى جواره، لقد اندهش مدرب مانشستر يونايتد أوليجنار شوليشار من حجم مردود بوجبا في مباراة ألمانيا على عكس ما يقدمه مع فريقه المانيو ، السر هنا فقط يكمن في كانتي، فهو الذي يكون أقرب إليه في حالة الضغط الجماعي على لاعبي ألمانيا، وهو أول من يقدم له الحماية من الخلف عندما يخسر الكرة..

ما كان لديشامب أن يعتنق شاكلة 4/1/2/1/2 لولا أنه يدرك القيمة التكتيكية الكبيرة للاعب مثل كانتي، وعندما يبدأ المنتخب الألماني التحضير للهجمة يجد العمق مختنقا فيضطر توني كروس وجوندوجان وموللر إلى البحث عن الرواقين، طبعا تحرك كانتي في هذه الحالة يدفع بوجبا ورابيو إلى العودة لكن وفقا والتحرك الخطي الخفي لكانتي، بالطبع هذا التحرك التكتيكي لاحظه خبراء اللعبة ولم يلحظه المشاهد أو المحلل الذي يحكم على تألق اللاعب من لمسه للكرة ..

اختار يواكيم لوف صيغة تكتيكية 3/5/1/1 تقريبا في محاولة السيطرة على العمق الفرنسي تحديدا، لم يكن يدري أن كانتي سيغطي كل تلك المساحة الشاسعة من العمق..

كانتي يقدم لنا كمحللين استراتيجية اللعب المتنوع:
اللعب بالكرة .. اللعب والتحرك الذكي بدون كرة .. وبعقلية ذهنية كهذه يمكن لأي مدرب إغلاق منافذ العمق وتشكيل كثافة في الرواقين عندما يهاجمك الخصم ، لكن ليس كل فريق قادر على خلق كل هذا الثراء التكتيكي في التوازن إلا إذا كان كانتي لاعبا في صفوفه..

لو كنت مسؤولا في الفرانس فوتبول على جائزة الكرة الذهبية لمنحتها لهذا اللاعب دون استفتاء و دون لقب و دون استشارة ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى