الأندية الرياضية..أما آن الأوان لنهضة متجددة؟

توووفه- المر بن محمد الهاشمي

(1)
تطرق جلالة السلطان المعظم هيثم بن طارق-أبقاه الله- خلال لقائه بشيوخ محافظة جنوب الشرقية إلى الرياضة بقوله” سوف يتم النظر في الأندية الرياضية إن شاء الله، لها دور مجتمعي وهي متنفس للشباب، فالرياضة صحة واليوم الرياضة أصبحت حتى صناعة وبالتالي سوف ينظر لهذا الأمر إن شاء الله”.

ولا شك أن الرياضة وخاصة الألعاب الجماعية جزء مهم من حياتنا، سواء كنا متفرجين أو مشاركين، وإذا أمعنا النظر في القيمة الأساسية للرياضة والغرض منها نجد أنها تطورت تطورا كبيرا وغدت إحدى وسائل تعليم المهارات الحياتية الضرورية، ولهذا السبب ينظر إلى الرياضة على أنها جزء مهم من المنهاج التعليمي سواء الرسمي أو غير الرسمي.

وقد نص أحد مبادئ اللجنة الأولمبية الدولية في الميثاق الدولي على أن :” ممارسة الرياضة حق من حقوق الإنسان، ويجب أن تتاح لكل فرد إمكانية الرياضة دون تمييز من أي نوع وبروح الأولمبية” وللرياضة أثر كبير في تقوية العلاقات بين أبناء المجتمع فمن يمارسون الرياضة يعتادون على الالتقاء بشكل منتظم ومستمرون دون انقطاع، مما يوطد أواصر المحبة والتلاقي بينهم وهذا كفيل بتقوية أساسات المجتمع وتدعيمها.

(2)
وما لا يخفى على أحد وخصوصا المتتبع لتاريخ تأسيس الأندية الرياضية بالسلطنة، أنها انتشرت بطريقة تلقائية استجابة لرغبات ذاتية، ولم يخطط لإنشائها وانتشارها بصورة منظمة منذ البداية، فبدايتها كانت بملاعب ترابية وبمقرات من الخشب ولم يراع مدى توفر مقومات نجاحها كما ينبغي تأدية لرسالتها العظيمة، بل إن الرياضة العمانية بأكملها منذ نشأتها لم يحدد لها هدف ورؤية واضحة تسير عليها وهذا انعكس على هذه الأندية التي لم تحدد لها أدوار وأهداف واضحة في المجتمع يتم العمل عليها وبناؤها لبنة لبنة سوى ممارسة الأنشطة الرياضية– الواضح من تسميتها-

ثم أثقلت بمهام أخرى أيضا ثقافية تفوق قدراتها الإدارية والمالية، والقرائن والشواهد التي يفرزها الأداء الحالي لهذه الأندية يبرهن على ذلك، وهذا الأداء الناتج عن وضع الأندية الرياضية بلا شك أثر سلبا على المنتخبات الوطنية في المشاركات الخارجية بشكل واضح للجميع، ولم تحرز هذه المنتخبات النتائج والمراكز المتقدمة التي يتوقعها المجتمع، وهو ما أثر سلبا على رسالة الأندية في الوسط الاجتماعي المحيط بها وأدى إلى عزوف أفراد المجتمع عنها..

وتغطية لجوانب القصور بالأندية تم الاتجاه سابقا لدمج بعض الأندية، أملا في النهوض بها، وقد أنتج هذا الدمج عزوفا أكثر من أفراد المجتمع عن هذه الأندية نظرا لضعف الانتماء لهذه الأندية وعدم تقبلهم للدمج وللمسافة التي تفصل بين الأندية المندمجة، وبعد المنشآت عن أفراد المجتمع، وظلت هذه الأندية بفروعها بولاياتها لسنين بدون أية منشآت، مما زاد الفجوة وفقدان الثقة بها.

وإذا رجعنا أيضا لتاريخ الدعم المقدم للأندية الرياضية فبوجه عام ظلت نسبة ومقدار الدعم الحكومي المقدم لقطاع الرياضة عموما والأندية الرياضية خصوصا ضئيلة جدا لا تتناسب مع الدور المنشود لهذه الأندية ولا تكفي لتلبية متطلباتها المستمرة لأنشطتها وبرامجها ومشاركاتها فمثلا طوال العقد (1983-1993) ظل مبلغ الدعم المقدم للأندية (284 ألف ريال عماني) يوزع على ما يقارب الخمسين ناديا، كما لم يتم التفكير بتحويلها لمراكز مالية، وضعف الاهتمام بتنمية استثماراتها، وتسويق أنشطتها بالشكل الجيد، وحتى إن وجد المستثمر فإن التعقيد والبيروقراطية المتبعة في الحصول على الموافقات تنفر المستثمرين وتبعدهم عن الاستثمار بهذه الأندية..

وإلى يومنا هذا فإن الدعم المقدم لهذه الأندية لا يتناسب مع الأنشطة والبرامج والمشاركات، ومطالبة الوزارة بتفعيل كل الألعاب الرياضية مع برامج ثقافية وشبابية، ومطالبات للتحول للاحتراف، والمؤكد والثابت من تجارب الدول التي سبقتنا بالمجال أن قطاع الشباب والرياضة لن يرتقي طالما ظلت هذه الأندية دونما تطوير وتعطى الاهتمام الذي تستحقه.

(3)
لا ريب أن حديث جلالة السلطان-حفظه الله- بمثابة نهج للعمل واجب تنفيذه، وبما أن الكل مدرك ما تعانيه الأندية الرياضية من تحديات فالنهوض بها بداية ينبغي مراجعة اختصاصات وزارة الرياضة والثقافة والشباب فيما يختص بالرياضة، وإعطاء صلاحيات أوسع وأكبر للجنة الأولمبية العمانية بالإشراف ومتابعة وتقييم الاتحادات الرياضية..

فمثلا جاء بالبند (17) من اختصاصات وزارة الثقافة والرياضة والشباب ” إقرار مشاركات الهيئات الخاصة العاملة في المجال الرياضي في اللقاءات والمؤتمرات الرياضية” وجاء بالبند (18) من اختصاصات الوزارة ” تنظيم اللقاءات والمباريات والمسابقات في كافة المجالات الرياضية على المستويين المحلي والخارجي”..

وهي بلا شك اختصاصات معنية بها اللجنة الأولمبية العمانية والاتحادات الرياضية واللجان الرياضية كل حسب اختصاصه، وعلى الوزارة أن ينصب جل تركيزها وعملها خلال الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) على تنمية الأندية الرياضية والنهوض بها بحكم أنها الأساس والقاعدة لتنمية الرياضة بالوطن مع الرياضة المدرسية..

ويبقى دور الوزارة الرئيسي هو الإشراف العام على هذه الجهات ودعمها ومتابعة أعمالها والتنسيق بينها والنهوض بمستوى الرياضة بالدولة، وتحفيز المجتمع وتشجيعه على ممارسة الرياضة كجزء من نمط الحياة، وجذب ورعاية المواهب وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضة، وفيما يخص الأندية الرياضية فالأولويات تستوجب مراجعة قانون الأندية الرياضية الصادر بالقرار الوزاري رقم (124 / 2008 ) ليصبح أكثر مرونة ويعطي مجالس إدارات الأندية صلاحيات أكبر خصوصا فيما يتعلق بالتسويق والاستثمار..

كما أنه آن الآوان أن تحدد فترة العضوية بمجالس إداراتها لدورتين انتخابيتين فقط لضمان دخول قيادات جديدة قادرة على التحديث والتجديد والتطوير أسوة بالاتحادات الرياضية ويكون دور إدارتها تشريعيا وإشرافيا فقط، وأن تكون للأندية إدارات تنفيذية بعقود مؤقتة أو بنظام الانتداب والإعارة وليس بالتعيين تجنبا للبيروقراطية والروتين على أن يكون من ضمن أعضاء هذه الإدارة التنفيذية مدير للتسويق والاستثمار، ووضع معايير أعلى للمترشحين لمجلس الإدارة من حيث المؤهلات والخبرات، وإيجاد بيئات مثالية جاذبة لأفراد المجتمع بالأندية الرياضية، وزيادة الدعم المالي لهذه الأندية، وتحويل هذه الأندية لمراكز مالية قوية وباستثمارات تعزز جهودها وعلى الصناديق الاستثمارية بالسلطنة وغرف تجارة وصناعة عمان والقطاع الخاص أن تكون شريكة في النهوض بهذه الأندية تلبية لنداء الوطن وقائده الملهم.

(4)
إن ارتفاع معدل الشباب والأطفال في العدد الإجمالي للسكان، وتوزعه على المحافظات والمناطق بالسلطنة، يتطلب منا وقفة جادة في تنمية الأندية الرياضية وتغيير معالم وجهها الحالي لتكون أكثر إشراقا ومساهمة في التنمية بالسلطنة، فالأندية متنفس وأسلوب حياة لدى الشباب والأطفال والكبار ووجهة للتخلص من الضغوطات اليومية ووسيلة لوقاية الشباب من الانحراف وبيئة لتشجيع الإبداع والابتكار..

فهل سنرى برؤية عمان 2040 والخطة الخمسية التنفيذية العاشرة (2021 -2025 ) واستراتيجية الرياضة العمانية المنتظرة توجها حقيقيا لتنمية الرياضة والنهوض بالشباب رياضيا في مختلف الألعاب والرياضات، وهل سنرى واقعا جديدا أفضل يصنع بالأندية الرياضية والرياضة المدرسية باعتبارهما الأساس وقاعدة الهرم الرياضي، لتكون فعلا إحدى حاضنات التربية كما أراد لها جلالة السلطان قابوس بن سعيد-طيب الله ثراه- بقوله: “علينا أن نغرس في أبنائا السجايا الحسنة من خلال البيت والمدرسة والمسجد والنادي”. وزاد عليها تأكيدا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-أبقاه الله- بقوله: ” تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تربية الأبناء جزء من أصل المجتمع العماني”.

وهل سنرى مستقبلا أندية ببيئات مثالية جاذبة تستقطب مختلف شرائح المجتمع وتشبع احتياجاتهم ورغباتهم فيما يتعلق بالرياضة باعتبارها من أهم المؤسسات التربوية ذات النفع العام، هذا ما سيكشفه لنا المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى