
تحليل- محمد العولقي
جمع المنتخب المصري العلامة الكاملة في الدور الأول، وغرد وحيدا خارج سرب مجموعته الأولى في نهائيات كأس الأمم الأفريقية ، فهل تلك الحصيلة تسمح بتوجيه سهام النقد نحو صدر مدربه المكسيكي خافيير أجيري؟
في الأدوار التي لا تعترف بأنصاف الحلول ، قد تخدعك نتائج دور المجموعات ، ما لم تنظر بعمق إلى الشكل والمضمون ، نصيحة طرقت باب أجيري مبكرا قبل الدخول في متاهة خروج المغلوب.
لبس المحللون المصريون قفازات النقد مبكرا، منهم من شرح طريقة لعب أجيري، ومنهم من عرى أوراق الفريق الفنية و،كلا الفريقين توقفا عند القناعة التالية:
(منتخب مصر بدون شكل وبدون مضمون، ولعل الفارق الفردي هو من صنع الفارق في مجموعة ليست صعبة وفي متناول الفرقة المصرية)
يبدو المنتخب المصري مع أجيري أشبه بفراشة أغرتها النيران، ثم أحرقتها بعد ذلك، فهل فعلا أجيري يدفع بالمنتخب المصري إلى المحرقة رويدا رويدا..؟
بالنسبة لي تأملت كثيرا في شكل الفريق، واقتنعت أن المنتخب مع أجيري بلا هوية فنية واضحة، من هنا يستحيل أن نناقش المضمون، طالما كان الغطاء التكتيكي للمنتخب المصري مهترئا.
حسنا تأملوا في عمق الصورة المصرية عن قرب، ثم تابعوا معي هذه القناعات:
– المنتخب المصري فاز في الافتتاح على منتخب زيمبابوي بهدف، وكان محظوظا للغاية في نهاية المطاف.
– المنتخب المصري فاز على جمهورية الكونغو بهدفين، وكان لايضا محظوظا في حين كان منتخب الكونغو منحوسا حتى النخاع.
– المنتخب المصري سجل هدفين بفضل الإنهاء المدهش لمحمد صلاح وأحمد المحمدي، ثم ترك منتخب أوغندا يسيطر ويخلق فرصا كالرز، تحطمت أمام الصمود الأسطوري للحارس محمد الشناوي.
قد يقول أجيري: شباك فريقي نظيفة، ودفاعي أقوى دفاع بالأرقام، و سجلنا خمسة أهداف في المباريات الثلاث، فماذا تريدون أكثر من هذا؟
الخلاف مع أجيري ليس في الأرقام، لكنه خلاف في منظومة اللعب، وفي أسلوب يلغي هوية الفريق، طالما كانت القبعة التكتيكية أكبر من الرأس.

* غطاء تكتيكي أكبر من الرأس
عندما هاجم المحللون طريقة المدرب السابق هيكتور كوبر الدفاعية، تحت ذريعة أنها طريقة أنجلوساكسونية لم يعتدها اللاعب المصري الذي يتقرب في تكوينه من اللاعب اللاتينية، لمت المحللين على ذلك الطرح.
كانت حجتي وقتها دامغة، ولقد أثبتت الأيام الحالية مع أجيري أن رؤية كوبر كانت منطقية للغاية.
خطأ فادح أن يضع المدرب أسلوب اللعب أولا ثم يأتي بلاعبين محدودي القدرات الفنية التكتيكية فيطلب منهم تقمص هذا الأسلوب، إن من يفعل ذلك دون وعي أقرب إلى من يضع العربة قبل الحصان.
أجيري اغترف هذا الذنب، حاول إخراج منتخب مصر من عباءة اللعب الدفاعي باعتناق أسلوب لعب هجومي أكبر من قدرات وأدوات التنفيذ.
قلت بعد مشاركة منتخب مصر في نهائيات كأس العالم بروسيا:”إن هذا المنتخب هو أقل المنتخبات الوطنية من حيث الجودة الفنية والتكتيكية وحتى من ناحية جودة ومهارات اللاعبين، وعندما يقتنع كوبر بذلك فلا حرج عليه أن يؤمن مؤخرته أولا ثم البحث عن المرتد الخاطف عبر صلاح وتريزيجيه أو رمضان صبحي سابقا ثانيا”.
خاط مستر كوبر ثوبا تكتيكيا يناسب قدرات اللاعبين أولا، ثم راعى قدرات ومهارات اللاعبين المحدودة فوظفها في طريقة لعب تلائم عناصره، في إطار قالب تكتيكي جماعي يخدم الرواقين، وليس رأس الحربة عديم الحيلة.
صمم أجيري شاكلة 4/2/3/1 دون أن يكون واعيا بمهارات وقدرات هذا الجيل المحدودة، وكان هذا المتغير التكتيكي إيذانا بتدشين مشروع تكتيكي بطيء الإيقاع، لا يخدم مهارات ولا إمكانيات اللاعبين فرديا وجماعيا.
أعطت المباريات الودية التي لعبها أجيري، انطباعا يوحي بأن منتخب مصر يعاني من (هلوسة) تكتيكية تجلت في كثرة التمريرات الخاطئة، ومن سذاجة في توظيف العناصر تجلت في خلطة زاد ماؤها على طحينها، هذا الانطباع المبدئي رصدته مباشرة مع حالة الاحتقان التي بلغت الحلقوم في الثلاث مباريات الأخير، حين كان المنتخب المصري يخرج من عنق الزجاجة بفضل العامل السيكولوجي لاستاد القاهرة، بهدير مدرجاته المرعب للخصوم، والأرض التي تتكلم بلغة سيد درويش.

نشازات وفوضى تكتيكية في العمق ..
إذا كان أجيري قد اطمأن على جداره الدفاعي العازل المؤلف من أحمد حجازي ومحمود علاء وأحمد المحمدي و أيمن أشرف، ومن خلفهم الحارس الرائع محمد الشناوى، فلا شك أن خط الوسط مسؤول تماما عن حالة الترهل التي ضربت أطناب المنتخب، والسبب رهانه على عناصر ضعيفة المحتوى ومتهالكة المبتغى.
وإذا كان أجيري يعتنق فلسفة تدوير الكرة والاحتفاظ بها، بحيث تبدأ الغارات الهجومية عبر متوسط الهجوم عبدالله السعيد ، فإن هذه الفلسفة ضجت بالكثير من النواقص والسلبيات على مستوى الانضباط التكتيكي.
وبما أن فلسفة الاحتفاظ بالكرة وتدويرها أطول فترة ممكنة لإنهاك الخصم وكشف ثغراته ، فهذه الفلسفة خلقت فوضى في العمق، والسبب غياب التجانس وتضارب المهام بين محوري الارتكاز محمد النني وطارق حامد وتحتهما عبدالله السعيد، الذي يلعب دائما في الوسط وفقا وقدراته، وفي منطقة تتيح له أن يدخل إلى العمق الهجومي ليؤدي مهام المهاجم الكلي، كما كان الحال مع كوبر في تصفيات كأس العالم، وهدفه الشهير في مرمى غانا خير دليل على أن تقييد السعيد حوله إلى لاعب يتحرك رأسيا على الهامش دون فاعلية.
إذا كانت نشازات العمق قد غيبت الكثير من نجومية محمد صلاح، فلأن عناصر الوسط افتقدت إلى المرونة التكتيكية، وغرقت في أدوار فوضوية لا تخدم البناء، كما افتقدت إلى الحيوية المطلوبة، لهذا بدأ المنتخب المصري مترهلا ومكشوفا عندما يفقد لاعبوه الكرة في العمق، فالضغط الجماعي يكاد يكون غائبا، والمساندة للعمق بادت جزئيا ولا أقول كليا.

الإيقاع البطيء مشكلة السعيد والنني
كانت أكبر علامة استفهام في طرح أجيري تتعلق بلاعب أرسنال محمد النني، كيف يكون محورا أساسيا في لعبة تتطلب لياقة المباريات وتركيزها ..؟
المعروف أن النني يفتقد لحساسية المباريات الكبيرة ذات الإيقاع السريع، من منطلق أنه ظل احتياطيا في آرسنال مع أولاي أيمري، فما هو المبرر التكتيكي الذي يجعل أجيري يغامر ويجازف بالاعتماد على لاعب غير جاهز فنيا وبدنيا ونفسيا ..؟
لماذا لم يكن نبيل دونجا مثلا هو خياره الأول إلى أن يحين تجهيز النني ..؟
الدفع بالنني كان أهم مؤشر في انخفاض الرتم وفي هبوط منسوب وسط الملعب أثناء عمليتي البناء والهدم، ولقد تحمل طارق حامد عبء هذه المجازفة التكتيكية الغريبة وحيدا دون مساعدة، فهو في ظل انعدام الوزن اضطر أحيانا لتقمص دور الهدام ثم دور البناء في نفس الوقت، وهي عملية مزدوجة مرهقة ومكلفة بدنيا و ذهنيا، ولعل هذا الانفصام في الواجبات يدفعنا للتساؤل: أين دور عبدالله السعيد في ظل منظومة بطيئة تعمل بدعاء الوالدين ..؟
حاول أجيري توظيف عبدالله السعيد في دور (الليدر) خلف المهاجم مروان محسن، بحيث يشكل نقطة ارتكاز حول الضلعين محمد صلاح يمينا و محمود تريزيجيه يسارا، لكن هذا التوظيف خلط مهام صلاح وفضح منسوب مروان محسن، وخنق مهارات تريزيجيه ..كيف؟
بدأ خط وسط منتخب مصر أمام منتخبات نص نص بلا إيقاع أصلا، لا يحسن الاستحواذ ولا يحسن الارتداد عند فقدان الكرة، وهذا الخطأ التكتيكي لا يتحمله عبدالله السعيد بطبيعة حال، والذي وجد نفسه مطالبا بمهام أكبر من قدراته وفي غياب الحماية الكافية من محوري الارتكاز.
لا عبدالله السعيد قدم نفسه على أنه صانع ألعاب يخدم مروان محسن وصلاح وتريزيجيه، ولا هو قدم نفسه على أنه لاعب وسط رابط.
هذا التوظيف الخاطئ ساعد في تقييد صلاح وفي شل حركة مروان، أما تريزيجيه فقد تمرد على هذا الهراء التكتيكي باحثا عن متنفس في العمق بصورة فردية لا تتعلق باستراتيجية لعب أجيري.
شاكلة 4/2/3/1 فيها الكثير من التحريض الهجومي، لكنها بحاجة إلى خط وسط يضرج بين حماية المنطقة عند الارتداد، و الفاعلية القصوى عند الامتداد
ولكي تجني ثمار هذه الطريقة فلا بد من رجل وسط ميدان هجومي رابط سريع وذكي يمتلك قدرات السوبر مان الخارقة، وهذه السمة أو الميزة ليست في السعيد البطيء في التحضير والضعيف جدا جدا من الناحية البدنية، والسؤال الصارخ الذي يزعج المحللين: لماذا سلم أجيري مفاتيح المنطقة السحرية للاعب متقدم في السن وضعيف من الناحية البدنية ..؟
هل مستر أجيري يجهل أن الكرة الأفريقية كرة قاسية يغلفها الاندفاع والاحتكاك البدني القوي ..؟
ربما لا يوجد في بر مصر كلها لاعب يصلح لأن يكون جنرال لشاكلة أجيري، لهذا كان يفترض ان يبني طريقة لعبه على الرواقين محمد صلاح وتريزيجيه، من خلال شاكلة تحرر أمامهما المساحات وتتيح لهما خدمة البناء الفني دون إضرار بالشاكلة التكتيكية، لكن توظيف السعيد قتل انطلاقات صلاح، وضيق عليه المساحات، وهو امر دفع بتريزيجيه للبحث عن حلول فردية اجتهادية من العمق، بعيدا عن الضوابط التكتيكية للمدرب أجيري كما أسلفت.

مروان محسن من مساوئ أجيري
من مساوئ شاكلة أجيري التكتيكية أنه أخطأ في الحساب وفي التقدير، فساهم بهذه الطريقة في تحنيط رأس الحربة، كما قدم خدمة لمراقبي محمد صلاح في تقييده مع اختناق الممرات في العمق.
مروان محسن أبعد من أن يجسد دور المهاجم القناص الذي يحول أنصاف الفرص إلى أهداف، ليس لأن بطء مروان عاملا سلبيا في تواضع رد الفعل عند فقدان الكرة فقط، ولكن لأن مروان في تكوينه ليس المهاجم القناص الذي ولد في صندوق منطقة الجزاء فهو مثل كريم بنزيمه يهوى السقوط إلى الخلف لفتح الممرات واستلام الكرة، وهذه الشاكلة لا تتطلب مهاجما مزورا مثل مروان بل تحتاج إلى مهاجم قار وثابت مثل المخضرم أحمد علي.

كيف ينفد المنتخب المصري بجلده من نار أجيري..؟
نعم كان المنتخب المصري محظوظا في الدور الأول لسببين:
الأول: تواجده في مجموعة عادية جدا لا تمثل منتخبات الثقل في القارة السمراء. ثانيا: لأن مرماه نجا بأعجوبة من أهداف مؤكدة، أما لتألق الحارس محمد الشناوى، أو لسوء طالع مهاجمي زيمبابوي والكنغو و وأوغندا.
وطالما وقد دخلت البطولة مرحلة الجد – والجد الله الله عليه – فلا سبيل أمام أجيري سوى إعادة تقييم طريقة لعب سلفه الأرجنتيني هيكتور كوبر ، فهو مطالب في أدوار الخطأ فيها ممنوع أن يعدل من مسار شاكلته البيئة، فمنتخبات مثل السنغال وغانا والجزائر أكثر نضجا ودهاء من المنتخبات التي قابلها في مرحلة جس النبض وجمع النقاط.
البناء الفني يجب أن يستند على عطاءات محمد صلاح دون تقييده، ويجب أيضا أن يعطي أدوارا في العمق للفنان محمود تريزيجيه الذي أكد في أكثر من مباراة أنه ممرر جيد ، وقادر على كشف اللعب وتحرير محمد صلاح من معتقليه.
أجيري ولا شك يلعب بالنار، وفي حالة إصراره على طريقة لعبه المحفوفة بالمخاطر، وإيمانه ببعض العناصر التي شاخت، فإنه سيتجرع مرارة الخروج، ما لم يقم بترميم الواجهة التكتيكية للوسط قبل الدخول في جولات لا تحتاج إلى فلسفة التجريب بالمجرب، فهل سيتعلم أجيري من أخطائه؟ أم أنه يصر على تقليد الفراشة التي احترقت بنار الإغراء ..؟


