
تحليل / محمد العولقي
في أكثر من جلسة يسألونني عن المرونة التكتيكية ..؟
وفي كل مرة أشرح المعنى بالمصطلحات الجافة ولا يصل المعنى ..
أخيرا أهتديت إلى الحل والفضل دوما للمتقدم، مباراة ليفربول و تشيلسي في الجولة الثالثة من البريمر ليج يمكن أن تكون شرحا عمليا لا يحتاج إلى تفسير المفسر ..
بين يورغن كلوب مدرب ليفربول و بلدياته توماس توخيل مدرب تشيلسي دارت واحدة من المباريات التي طغت فيها المرونة التكتيكية على حساب الفنيات و الاجتهادات الفردية ..
ربما مارس كلوب هيمنة تقليدية ليس فيها خبثا تكتيكيا .. فهو عندما يدمن شاكلة 4/3/3 الكلاسيكية، فهو يستقي قوامها من الرواقين أولا و من الفنيات ثانيا ..
بالمقابل يبدو توخيل بشاكلة 3/4/2/1 كمن ينوم خصمه مغناطيسيا ، فهو للأمانة الوحيد في الساحة العالمية حاليا الذي يحقن الكرة اللاتينية بالمضادات الأنجلوساكسونية .. و سأفسر لكم الأمر ..

بدأ توخيل المباراة بإيقاع سريع يولد منه الإعصار .. مارس عمليتي البناء و الهدم بنفس واحد و بجودة مدهشة .. يهاجم بمرونة من الوسط إلى الهجوم .. بينما يتحرك ثلاثي الوسط للأمام لعزل هجوم ليفربول عن وسطه ..
يتألف وسط و هجوم تشيلسي من قزاح مائل، مرة من العمق حيث لوكاكو، ومرة من الممرين حيث مونت و هارفتز، ومرة من تحرير لاعب في المحور ليتحول بمرونة مذهلة إلى مهاجم يربك دفاعات الخصم ..
اندهش بعض المحللين من هذا الثراء في التلون، منهم من أوعز ذلك لقدرات نجولو كانتي و جرجينيو في المحور بالذات و قدرتهما على التكيف و فرض شخصية الفريق تكتيكيا، و منهم من ينسب الفضل للعامل الذهني المرتفع عند لاعبي تشيلسي، لكن الحقيقة أن هذا الثراء ينسب في الأصل لبراعة توخيل في منح خطوط فريقه المرونة التكتيكية ..
كلوب كان يدرك أن نقطة قوة بطل أوروبا تكمن في خط وسطه، و في قدرة كاري هارفز و مونت على تجسيد فلسفة الاستحواذ من الخلف للأمام، و مع ذلك اعتمد بناء تكتيكيا هشا مبدأه الأول و الأخير الاستحواذ، فكيف لك أن تستحوذ أمام فريق يضغط على البناء ككل و يتخذ من مرونته التكتيكية قفلا و مدارا ..؟

يمكنني القول إن هيمنة تشيلسي تكتيكيا على أطوار الشوط الأول أصابت خط وسط ليفربول بقيادة هندرسون و فابينيو بالانفصام في الشخصية ..
و كان يمكن لتوخيل أن يبسط مرونته التكتيكية أكثر و أكثر ويتعامل مع الشوط الثاني بعاصفة أخرى من التحولات الهجومية لولا خطأين غيرا معالم المرونة التكتيكية من حالة الهيمنة و الاستمتاع إلى حالة الدفاع المصحوبة بمرونة الكونتراتاك في أسوأ الظروف ..
الأول : خروج اللاعب نجولو كانتي صاحب الألف رئة مصابا بعد تدخل من سيدو ماني ..
والثاني : خطأ من لاعب الرواق الأيمن جيمس تسبب في ركلة جزاء في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول، حولها محمد صلاح إلى هدف التعادل و طرد أيضا ..

مع نهاية الشوط الأول تحفزت كل حواسي لمعرفة كيف سيحافظ كلوب على طراوة مرونة لاعبيه؟،و كيف سيعوض فارق النقص العددي بعد طرد جيمس؟ و كيف سيمنح وسط ميدانه الحصانة التكتيكية التي ستردم هوة خروج كانتي و تفادي حالة الطرد الطارئة؟
كنت أيضا شغوفا بما سيفعله كلوب بهدية السماء، و كيف سيتستغل النقص العددي؟ هل يمكن أن يبدل جلده و يغير كلاسيكية الاعتماد على الرواقين محمد صلاح و ألكسندر أرنولد يمينا و سيدو ماني و روبرتسون يسارا و يحرك بيادق الوسط قليلا إلى العمق الهجومي..؟
شوط المدربين كما يقال أنصف مرونة توخيل و كشف عورة الرقصة التكتيكية العرجاء التي يعتنقها كلوب ..
ربما بدأ للعيان أن ليفربول سيطر و هيمن و استحوذ على الكرة، لكنك عندما تقرأ الأرقام تنكشف سذاجة كلوب التكتيكية بالأرقام ..
أقحم توخيل الكرواتي كوفاسيتش مكان كانتي، كانت مهمته فقط التشويش على البناء الهجومي لليفر و منع العمق من الاقتحام ..
و مع النقص العددي ارتأى توخيل أن يسند للدبابة روميو لوكاكو ثلاث مهام .. يدافع .. يصنع .. يهاجم .. كان عليه أن ينتقل من الحالة الدفاعية إلى الحالة الهجومية في رمشة عين، بالتأكيد كان توخيل هنا وهو ينتزع من شاكلته المحرك الفني كاري هارفتز يراهن على المرونة التكتيكية ..
لكن للأمانة كان يمكن لليفربول أن يحبط هذه المرونة لو أنه عرف كيف يكسر روابط التكتل الدفاعي ..
كان يمكن أن يركز كلوب على العمق أكثر و يشرك مهاجمين صريحين طالما وقد بدأ الاختناق على الرواقين واضحا جدا ..؟
حالة الإفلاس التكتيكية لكلوب اتضحت من خلال روتينية الكرات العرضية، و الإصرار على الرواقين دون أنياب أو شراسة من العمق، لم ينجح محمد صلاح و لا سيدو ماني في مراوغة واحدة، وهذه كارثة تكتيكية و فنية بكل المقاييس ..
حتى دييجو جوتا الذي حل محل روبيرتو فيرمينيو اختنق في العمق ولم يتوصل بكرات كثيرة، تاه في الزحمة ولم يناور أو يسقط للخلف لفتح ثغرة للقادمين من الخلف ..
و في وقت كان توخيل يحصن دفاعه أحيانا بثمانية لاعبين إلا أنه زاوج بين الامتداد و الارتداد و كان خطيرا و هو ينفخ في المرتد من أنفاس الكرة الأنجلوساكسونية ..
و أي فريق يلجأ للدفاع يبقى التسديد البعيد حلا لبلوغ الغاية و الهدف و تفتيت حصانة التكتل، و تبقى المناورة من العمق حلا ثانيا ينتج عنه أخطاء على حدود منطقة الجزاء لكن شيئا من هذا لم يحدث لسذاجة الرؤية التكتيكية التي انتهجها كلوب..
لقد تصورت كل شيء إلا أن يصر كلوب و يرهق لاعبيه بالكرات البالونية داخل منطقة جزاء تشيلسي التي يتعامل معها الحارس ميندي و خط الدفاع بسهولة و دون تعقيد، كان هذا الأسلوب تأكيدا على حالة العجز التي بلغها الليفر في أمسية الأنفيلد ..

و على الرغم من السيطرة و الاستحواذ لم يخلق ليفربول فرصا واضحة وجها لوجه مع الحارس، بعكس تشيلسي الذي كاد يلدغ مرمى أليسون بيكر لولا التوفيق الذي صاحب المدافع ماتيب في اللحظة الأخيرة ..
حتى التغييرات كان توخيل أذكى في منح فريقه المزيد من الصلابة الدفاعية و المزيد من جرعات المرونة التكتيكية عند الانتقال من الخلف للأمام، في حين جاءت تبديلات كلوب تقليدية عادية (تغيير للتغيير) ليس فيها دهاء تكتيكي أو متغير فني، يخرج هندرسون يدخل لاعب في نفس مركزه تياجو الكنتارا، يخرج روبرتسون يدخل مكانه ظهير بنفس الواجبات ..
و للذين يسألونني دائما عن المرونة التكتيكية، عليهم بمعاودة مشاهدة درس توماس توخيل في الأنفيلد، درس نسخة طبق الأصل من الدرس الذي قدمه لنا أمام مانشستر سيتي في نهائي دوري الأبطال ..!




