حين يغيب الجمهور.. تفقد الأندية معناها

بقلم- سالم ربيع الغيلاني

تمر المجتمعات بين الحين والآخر بلحظات مراجعة صادقة لا تحتمل المجاملة ولا تسمح بتأجيل الأسئلة الصعبة. لحظات يصبح فيها الاعتراف بحقائق الواقع خطوة أولى ضرورية قبل الحديث عن المستقبل. والرياضة في سلطنة عُمان تبدو اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات؛ ليس بسبب النتائج فحسب، بل بسبب التحول الذي أصاب العلاقة بين الأندية وجماهيرها.
فالأندية في أصل فكرتها لم تُنشأ لتكون مجرد فرق تتنافس في البطولات، بل مؤسسات اجتماعية ورياضية تمثل المجتمع المحلي وتعكس همومه وتطلعاته، وتوفر لجماهيره مساحة طبيعية للانتماء والمشاركة؛ وعبر سنوات طويلة أدت الأندية هذا الدور بوصفها الحاضنة الشعبية للشباب والجماهير، ومتنفسًا رياضيًا واجتماعيًا للمجتمع المحلي.


غير أن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجيًا، حتى أصبحت الفرق الأهلية في كثير من المناطق هي الحاضنة الأقرب للجماهير والفضاء الذي تتحقق فيه تلك الإشباعات الاجتماعية والرياضية التي كانت الأندية تؤديها في السابق. ولم يأت هذا التحول من فراغ، بل جاء نتيجة طبيعية لمسار طويل لم يتمكن خلاله االقطاع الرياضي بشكل عام والأندية بشكل خاص من مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها العالم في إدارة الرياضة خلال العقود الأخيرة.


فالرياضة لم تعد نشاطًا ترفيهيًا أو مجرد منافسة موسمية، بل تحولت عالميًا إلى صناعة اقتصادية متكاملة تقوم على الحوكمة والاحتراف والشفافية. وفي هذا السياق الجديد لم تعد المؤسسات الرياضية تُدار بعقلية النشاط المدعوم، بل بمنطق المؤسسة التي تبني مواردها وتدير أصولها وتؤسس لاستدامتها.


غير أن كثيرًا من أنديتنا ظلت أسيرة نماذج تقليدية في الإدارة وصناعة القرار، الأمر الذي انعكس تدريجيًا على علاقتها بقاعدتها الجماهيرية. ومع مرور الوقت بدأ صوت الجمهور يتراجع داخل هذه المؤسسات، بعدما أصبحت عملية اتخاذ القرار في بعض الحالات محكومة برؤية أفراد أو مجموعات محددة أكثر من كونها انعكاسًا لإرادة المجتمع الذي يفترض أن تمثله الأندية.
وعندما يشعر الجمهور بأن صوته لم يعد حاضرًا في رسم السياسات أو تحديد الاتجاهات، فإن العلاقة الطبيعية بينه وبين المؤسسة تبدأ بالاهتزاز. وهذا ما يفسر جانبًا من ظاهرة العزوف المتزايد عن متابعة فرق الأندية في المسابقات المحلية، مقابل الحماس الذي تحظى به الفرق الأهلية داخل المجتمعات المحلية. فهذه الفرق، رغم بساطة إمكاناتها، ما زالت تمنح الجماهير شعور القرب والمشاركة والتأثير، وهو الشعور الذي يفترض أن توفره الأندية بوصفها المؤسسات الأكبر والأكثر تنظيمًا.


المشكلة ليست في وجود الفرق الأهلية، فهي جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الرياضي، بل في أن الأندية فقدت تدريجيًا قدرتها على أن تكون المظلة الجامعة لهذه الطاقات. وبدل أن تكون تعبيرًا عن المجتمع، بدأت في بعض الحالات تتحول إلى مؤسسات تدور في فلك أفراد أو مجموعات محددة، الأمر الذي أضعف صلتها بقاعدتها الجماهيرية التي تمثل مصدر قوتها الحقيقي.


الرياضة الحديثة لا تُدار بعقلية الأفراد، بل تُبنى على مؤسسات قوية تتجاوز الأشخاص وتستند إلى قواعد واضحة من الحوكمة والشفافية والمساءلة. فالمؤسسة الحقيقية هي التي تستمر وتزدهر مهما تغيرت القيادات، وهي القادرة على بناء الثقة وجذب الاستثمار.


ومن هنا فإن إعادة الأندية إلى موقعها الطبيعي داخل المجتمع لا يمكن أن تتحقق عبر تحسينات شكلية، بل عبر إعادة التفكير في نموذج عملها بالكامل. فالنادي الحديث لم يعد مجرد كيان ينتظر دعمه السنوي، بل مؤسسة قادرة على إدارة أصولها واستثمار مواردها وبناء نموذج اقتصادي مستدام يعتمد على الاحترافية في الإدارة والتخطيط، وعلى التفاف جماهيري يشعر بأن هذا الكيان يمثله ويعبر عنه.


وفي هذا السياق، فإن توجه الحكومة نحو خوض تجربة خصخصة أربعة أندية يمثل خطوة إيجابية تمضي بالرياضة في الاتجاه الصحيح، لأنه يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الانتقال من نموذج الدعم إلى نموذج الاستثمار والإدارة الاحترافية. غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع تحول أوسع تقوده الدولة عبر تحديث التشريعات وإعادة هيكلة المنظومة الرياضية وفتح المجال أمام الاستثمار والشراكات.


فالتجارب التي شهدتها الرياضة في عدد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة توضح أن التحولات الكبرى لم تتحقق إلا عندما قادت الحكومات عملية التحديث ووفرت بيئة تنظيمية واقتصادية قادرة على إطلاق إمكانات الأندية وتحويلها إلى مؤسسات احترافية.


والحقيقة التي ينبغي إدراكها بوضوح أننا لا نتحرك من نقطة البداية، بل من موقع متأخر عن ركب سبقنا بسنوات. ولهذا فإن اللحاق بهذا الركب لا يتحقق بخطوات تدريجية بطيئة، بل بقفزة نوعية تجعلنا نبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث بدأوا قبل عقود.


ففي عالم يتغير بسرعة، لم يعد السؤال كيف ندير الرياضة كما اعتدنا، بل كيف نبني منظومة رياضية حديثة قادرة على مواكبة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى