كلوب ليفربول .. كيف اغتال بوتشيتينو توتنهام بسلاح الصدمة ..؟

تحليل- محمد العولقي

استغرق الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو أكثر من أسبوعين في رسم معالم الحرب النفسية التي قرر شنها على ليفربول في المترو بوليتانو مسرح مواجهة فريقي ليفربول وتوتنهام الإنجليزيين.

كان السؤال الذي يرهق تفكير مدرب توتنهام: أيهما أكثر فعالية نفسيا: الهداف الإنجليزي هاري كين الذي يعيش مرحلة إبلال من الإصابة التي تعرض لها في الكاحل أمام مانشستر سيتي في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا؟ أم البرازيلي لوكاس مورا بطل موقعة أياكس أمستردام التاريخية ..؟

هذا هو السؤال الخطير الذي طغى على لعبة الحرب النفسية بين بوتشيتينو ويورغن كلوب ، الأول في حيرة من أمره ، فعقله دائما معلق بلوكاس مورا في ظل الظروف التي يمر به كين، وعاطفته تدفعه نحو القائد هاري كين هداف الفريق.

ظل يورغن كلوب مدرب ليفربول يراقب الموقف عن كثب ، فهو الآخر كان محتارا ، هل يبدأ المباراة بالبرازيلي العائد من الإصابة روبيرتو فيرمينيو الذي يلعب دورا محوريا في ضبط شاكلة كلوب التكتيكية ؟ أم يكافئ البلجيكي أوريجي بالتواجد أساسيا نظير مساهمته الفاعلة في هدم المعبد على رأس فريق برشلونة إيابا ..؟

ربما كانت (توووفه) هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي أبرزت الوجه الخفي للحرب النفسية بين المدربين كلوب وبوتشيتينو، كان رهاننا على العامل النفسي تتحكم به قرارات عاطفية قد تلغي الكثير من الفوارق الفردية في النهائي الكبير.

قلنا: الحرب النفسية تتطلب خبثا في قراءة معطيات المباراة، كما أنها لا تحتاج لقرارات عاطفية مهما تم صبغها بواقعية نظام اللعب..

كين وفرمينيو .. مجازفة عاطفية 

كلا المدربين هرولا نحو العاطفة دون الاستجابة للعقل والمنطق معا .. كيف ..؟

مدرب توتنهام بوتشيتينو استجاب لنداء الأرقام التي رجحت كفة هاري كين على حساب لوكاس مورا ، الأول سجل 24 هدفا هذا الموسم في جميع المسابقات ، بما فيها خمسة أهداف في دوري أبطال أوروبا ، هذا من ناحية الأرقام ، أما من ناحية التأثير النفسي فوجود كين مؤشر على إحداث فوضى نفسية بين قلبي دفاع ليفربول الهولندي فيرجيل فان ديك والكاميروني جويل ماتيب ، هذا الكلام طبعا من وجهة نظر بوتشيتينو.

هذه الاستراتيجية النفسية لبوتشيتينو بناها على ثقل وزن كين في الهجوم ، وعلى طوله الفارع الذي سيتسبب في معضلة لقلبي دفاع ليفربول في الكرات العالية ..
ليس هذا فحسب فبوتشيتينو جازف بإشراك لاعب الوسط وينكس وهو اللاعب الذي ظل فريسة للإصابة طوال شهرين كاملين.

وإذا كان بوتشيتينو قد رجح عاطفته على المنطق بإشراك كين على حساب المتوهج أمام أياكس لوكاس مورا ، فيورغن كلوب هو الآخر اقتنع بجدوى تواجد فرمينيو أساسيا على حساب البلجيكي أوريجي لأسباب نفسية بحتة لا علاقة لها بالثوابت التكتيكية.

أخطاء بوتشيتينو القاتلة ..

كيف سارت الحرب النفسية وهي رحاها تدور على مهاجمين متآكلين بدنيا ..؟
ألم نقل في تحليلنا الذي سبق المباراة النهائية أن الرهان على الحرب النفسية يتطلب حضورا بدنيا و ذهنيا في القمة ..؟

ألم نقل أن الحرب النفسية وقودها الناس والحجارة ..؟ أقصد أننا قلنا : إن حشد العنصر البشري عاطفيا معاناه أن المدربين سيسعيان للهيجاء بدون سلاح بدني ..
تابعوا معي من فضلكم:

اعتنق بوتشيتينو شاكلة 4/2/3/1 ، ملأ وسط الميدان بالكثير من المطبات بهدف إعاقة وسط ليفربول الذي يجيد الضغط الكلي وافتكاك الكرات ، وعندما بنى تصورات عمق الوسط على وينكس، فكأنما كان يحاول نزع ورقة الاستحواذ من كلوب.

طوال المباراة كان هاري كين غائبا تماما عن الوعي ، لم يسدد على مرمى العملاق البرازيلي أيلسون بيكر سوى مرة واحدة وكانت في الدقيقة الأخيرة من المباراة، وبعد أن طارت طيور ليفربول بأرزاقها.

أما وينكس المصاب فقد شعر بالتعب عند الدقيقة 60 بسبب الحمل البدني الذي تعرض له من عملية الضغط اللليفربولي على الخصم في وسط الملعب وعدم جاهزيته لخوض أي معركة بدنية ، حينها انتزعه بوتشيتينو ، لكن البديل كان أشبه بالقشة التي قصمت ظهر وسط ميدان توتنهام.

أبدا ليس لوكاس مورا هو الرجل المناسب الرابط بين مساحة متقدمة في الوسط وبين المساحة التي يتوجب على كين التحرك فيها بين قلبي دفاع ليفربول ، كان تموضع مورا دعوة لخلخلة الزيادة العددية في عمق وسط توتنهام.

هذا الخطأ في تقدير بوتشيتينو التقطه يورغن كلوب ببراعة ، فقد تسنى له أخيرا إعادة الحيوية والانضباط للوسط بإخراج الهولندي فينالدوم وإضافة اللاعب جيمس ميلنر اللاعب الجوكر المتعدد المهام.

قد يسأل أحدكم : كيف تكون هذه المتغيرات هي من صنعت الفارق مع العلم أن هدفي ليفربول لا يرجحان كفة هذه المتغيرات ..؟

سؤال في محله ، ويصبح من حق السائل الاحتجاج على طرحنا ، لكن كيف لنا أن نغفل هذه المتغيرات النفسية في لعبة جماعية ككرة القدم.

إذا كان هدف ليفربول الأول من ركلة جزاء في الدقيقة الثانية (سجله محمد صلاح) ، والهدف الثاني من كرة ضالة اقتنصها البديل أوريجي ، فأننا هنا بصدد حالة خاصة في المباريات الكبرى أسمها الصدمة.

الصدمة غير المتوقعة ..

مصطلح الصدمة في كرة القدم واحد من توابع الحرب النفسية ، حالة تحدث إما في بداية المباراة أو في نهايتها ، وأعود وأكرر لا علاقة بين الصدمة وأسلوب اللعب أو متغيرات المباراة ، لكنها ترتبط تماما بالحرب النفسية.

في الهدف الأول ، لم تأت الصدمة محمولة على بساط مخملي من كلوب ، لكنها جاءت بضربة حظ ، وفي لحظة نحس غريبة جعلت الكرة تلامس ذراع الفرنسي موسى سيسيكو ، الغريب حقا تواجد سيسيكو في منطقة يفترض أنها منطقة محظورة من لاعب وسط هجومي ، لكنها الكرة التي تمنحك صدمة لم تكن في الحسبان.

وإذا كان هدف المصري محمد صلاح من ركلة جزاء نفذها بمهارة في مرمى العملاق هوغو لوريس ترجمة فعلية للصدمة النفسية المفاجئة الخارجة عن إرادة لاعبي ومدرب توتنهام ، فالهدف الثاني الذي سجله البديل أوريجي قبل دقيقة على نهاية المباراة ترجمة فعلية للصدمة المقصودة والتي رسم معالمها يورغن كلوب مستخدما ورقة أوريجي لبث الفوضى في خط دفاع توتنهام بعد خروج الباهت فرمينيو.

مفاجأة الاستحواذ التي لم يتوقعها بوتشيتينو.. 

هل فعلا كسب ليفربول لقبه السادس بفضل صدمتي البداية والنهاية ..؟ هل فعلا حقق ليفربول حلم جماهيره بفضل رهان خاسر من بوتشيتينو على هاري كين ، ثم إقحام لوكاس مورا في مركز متاخر لا يصلح ما أفسده المصاب وينكس ..؟

هل فوز ليفربول باللقب الأوروبي كان نتاجا لرغبة محمد صلاح الجامحة و حسن تقدير البديل أوريجي للكرة الضالة التي وصلته من ماتيب وحولها بدقة إلى أقصى الزاوية اليسرى لحارس توتنهام لوريس ..؟

مجحف حقا أن نتجاهل مجازفة المدرب الألماني يورغن كلوب ، فهو في ليلة الحرب النفسية غامر وقامر وهو يلعب النهائي أمام خصمه بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي حفظها لاعبوه عن ظهر قلب.

تصورت أن يفعل كلوب أي شيء في ليلة القبض على اللقب السادس ، لكن لم يتصور أي مخلوق فني أن يتخلى كلوب عن عادته في الاستحواذ على الكرة ..

الغريب أن أول من فوجئ بتنازل كلوب عن الاستحواذ كان بوتشيتينو نفسه ، فقد وجد نفسه متورطا في تقمص أسلوب جديد لا يمت لأسلوب الفريق بأي صلة ..

ترى كيف يخرج بوتشيتينو من هذه الورطة التكتيكية الجديدة التي لا تتناغم مع استراتيجية الحرب النفسية التي خطط لها ..؟

الواقع أن بوتشيتينو مثله مثلنا جلس يتفرج على فريقه وهو يستحوذ على الكرة، وهو يعلم تماما أن الاستحواذ مخالف تماما لنظام فريقه ، فليس اعتياديا أن يسقط الكوري سون إلى الحلف لتبادل الكرات بالتلفون ، لأنه لاعب مساحات يبحث عن الكرة في خط مستقيم وليس في دائرة استحواذ عقيمة لا تهش ولا تنش ، وحتى صانع الألعاب الدنماركي أريكسون ضاع تماما في متاهة الركض خلف التمريرات العبثية دون طائل ، وهو اللاعب الذي تعود أن يقود المرتد الخاطف السريع والتوغل في العمق إذا لزم الأمر، والميزة الأخيرة افتقدها أريكسون الذي كان يحاول جاهدا اقناع زين الدين زيدان بضرورة التعاقد معه بدلا عن بول بوغبا.

طبيعي جدا أن تكثر أخطاء التمرير الدقيق عند لاعبي ليفربول ، فهم أرغموا على تعاطي أسلوب الانكماش مع الاعتماد على مساحات خلف دفاع توتنهام حيث سيدو ماني في اليسار ومحمد صلاح في اليمين.

كان مبدأ كلوب في شاكلة 4/3/3 عدم الاندفاع كثيرا ، عدم المجازفة ، السقوط إلى الخلف مع الضغط على حامل الكرة ، ثم البحث عن صلاح وماني.

بدأ واضحا أن كلوب صاغ هذه الفلسفة لأجل منح صلاح وماني مساحة تنفس ، ما كان لها أن تتوفر لو مارس لاعبو الوسط هوية الاستحواذ.

وعندما وجد بوتشيتينو كلوب يسلمه مفاتيح الاستحواذ دون سابق إنذار ، ارتبك في قراءة محتوى هذا المتغير التكتيكي الخطير ، أي نعم فرح بوتشيتينو قليلا وهو يرى فريقه في الشوط الثاني يهيمن على الكرة ويسيطر على اللعب ، لكنه أدرك متأخرا أنه سقط في محظور التعبئة النفسية ، فقد تأكد فعلا أن الحرب النفسية لكي تؤتي ثمارها يلزمها خبثا تكتيكيا يشوش على رادار من يلجأ للحرب النفسية كسلاح وحيد للانتصار.

كلوب وأربع قطع غيار صنعت اللقب السادس.. 

مرة أخرى يؤكد يورغن كلوب أنه واحد من مهرة فرسان الحذق التدريبي ، فطريقة لعبه الجديدة أمام توتنهام كانت مفاجئة لجميع التقنيين ، ففي كرة القدم يلزمك بعض المجازفة في قراءة محتوى الخصم ، وكلوب كان أستاذا في قراءة أفكار بوتشيتينو.

و إحقاقا للحق ، لم يكن كلوب ليجمع المجد من طرفيه في ليلة المترو بوليتانو لولا أنه أعتمد على أربع قطع غيار رجحت كفة كلوب النفسية و التكتيكية.

قطعة الغيار الأولى تتعلق بالحارس أليسون بيكر ، فقد تعملق البرازيلي في صد ثلاث كرات خطيرة ، أعطت الفريق ثقة في التعامل مع المباراة ، ولولا أليسون لتغيرت المعادلة في ثلاث مناسبات بفضل حسن توقيته وثبات أعصابه وقدراته على تنظيف منطقة جزائه بالتفاهم مع قلبي دفاعه ماتيب وفان ديك.

القطعة الثانية تتعلق بالمدافع العملاق الهولندي فيرجيل فان ديك ، فهذا العلاق نجح في السيطرة على منطقة الدفاع تماما ، كما نجح في جعل كين تحت السيطرة طوال المباراة ، مارس فان ديك هوايته في إبعاد الكرات العالية عن مرمى فريقه ، وكان لتدخلاته أمام سون وكين وديلي آلي الأثر الأكبر في كبح جماح طريقة لعب توتنهام.

القطعة الثالثة تتعلق بالمصري محمد صلاح ، هذا المهاجم السريع جدا أتعب دفاع توتنهام بتوغلاته وحيويته ومحاولاته الكثيرة في اقتحام منطقة الجزاء ، ساهم في خلخلة الدفاع ، ونجح في تقديم نفسه لاعبا حاسما في النهائي ، وعندما يتقدم صلاح لترجمة (صدمة) الجزاء إلى هدف هو ثاني أسرع هدف في تاريخ البطولة الأوروبية الكبيرة بعد لاعب ميلان الايطالي باولو مالديني في مرمى ليفربول بالذات في نهائي اسطنبول التاريخي قبل 14 عاما ، فهذا التصدي للمهمة كشف عن شخصية صلاح الفولاذية في تحمل المسؤولية دون اضطراب.

وصلاح دخل التاريخ الأوروبي من الباب الواسع ، ليس لأنه بهذا الهدف والتتويج أعاد قصة الجزائري رابح ماجر مع بورتو البرتغالي إلى الأذهان بعد ما يزيد عن 32 عاما ، ولكن لأن مردوده في النهائي وتأثيره الكبير على نتيجة المباراة سيضعانه حتما بين أبرز المرشحين للتتويج بالكرة الذهبية.

القطعة الرابعة تتعلق بالدور الكبير الذي أداه البرازيلي فابينيو ، لاعب الوسط الدفاعي الذي كان موفقا في مجاراة خماسي وسط توتنهام ، وفي كثير من المرات تفوق في تعطيل لعب توتنهام وافتكاك الكرات الصعبة في الثلث الدفاعي ، لقد كان البرازيلي مثل حجر الرحى يطحن منافسيه ويغربلهم ويساهم في رسم معالم الكرات المرتدة الخطيرة.

وبالطبع يبقى رجل المباراة النهائية الأول يورغن كلوب الذي خرج أخيرا من جلباب الرجل الفضي ، هذا التتويج المستحق رسمته عبقرية كلوب في مفاجأة خصمه بطريقة جديدة ، ثم كانت ضربته القاضية الدفع بمهاجمه البلجيكي أوريجي على حساب فرمينيو غير الجاهز بدنيا، هذا التبديل أنهى لعبة الحرب النفسية بتسجيل الهدف الثاني في الوقت القاتل ، كما أنهى معاناة كلوب مع النحس الذي لازمه في نهائيين سابقين ..!

مقالات ذات صلة

اترك رد

WordPress Image Lightbox Plugin