هيثم بن طارق .. شامة على خد الزمن ..!

حكاية يرويها- محمد العولقي

من بين كل رؤساء الاتحادات الخليجية .. يحتل هذا القيادي العماني بالذات مكانة متميزة للغاية .. ربما لا ينافسه أو يدانيه فيها أحد ..

صاحب رؤية إدارية ثاقبة .. عقلية فريدة في مجال الإدارة الرياضية .. وقيادي فذ في فن امتصاص الأزمات .. واسع الخيال .. متفتح الوعي .. متفهم لطبيعة الولادة المستعصية .. جرأة في الطرح .. براعة في التقويم .. ذكاء فطري في تطويق كل المشاكل وفي قراءة خريطة العلل ..

أما عن طريقة عمله المدهشة.. فحدث ولا حرج .. حدس إداري راقي .. وثقافة واسعة .. فلسفة خاصة مزجت بين الطرح العلمي و البعد العملي .. هو أول من أسس البناء الإداري للكرة العمانية .. وهو من أخرجها بداية ثمانينات القرن الماضي من ظلمات الهواية إلى نور الاحتراف المنظم والمبرمج ..

لكن كل هذه الصفات الرائعة و السمات الخالدة ليست وحدهاسبب شهرته خليجيا .. فسبب شهرته الحقيقي أنه فاق كل النواخذة ..تحدى الأعاصير و الأنواء وهو يبحر بالكرة العمانية وسط محيط مضطرب متلاطم الأمواج .. أطبقت شهرته على كل الآفاق. . لأن الكرة العمانية ولدت على يديه ولادة طبيعية.. وبنكهة دائما تحمل عطر وأريج أنفاسه .. كانت مجرد نطفة و مضغة إلى أن شكلها و طوعها مثل أي جواهرجي حاذق ..ثم أسكنها قفصه الصدري .. تغذت من دمه .. شربت من عرقه .. وشبت عن الطوق وهي تحلق بجناحي هذا النورس نحو القمة العالية .. وتنفست من عبق قصائدة التي أسمعت من به صمم ..

إنه هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد .. الأب الروحي للكرة العمانية .. الشامة التي ترونها اليوم على خد الكرة العمانية المتألقة خليجيا .. الرجل الذي سهر وجافاه النوم.. وهو يعمل ويبرمج.. يجمع ويطرح.. ويصيغ معادلة النجاح .. في وقت كانت فيه الكرة العمانية تمشي على الهامش خليجيا .. هو أبو الإدارة الرياضية .. وهو بلسم لكل داء أو ترهل ..

دخل الكرة العمانية من خرم الإبرة .. لكنه نجح في فتح الأبواب والنوافذ أمام مستقبل الكرة العمانية .. جعل منها قصيدة مقفاة تقطر رومانسية .. انطلق بالكرة العمانية نحو الآفاق الواسعة بثقة واقتدار .. و تابعوا الحكاية .. حكاية هذا الهيثم الذي حلق في سماء ملبدة بالعقاب و الصقور و النوارس .. ثم صنع بداية الربيع الكروي العماني ..

في ذات صائفة من العام 1983 .. خاض منتخب عمان أول تحد آسيوي .. كان عليه أن يلعب في مجموعة ملتهبة تضم الجارين الإماراتي و السعودي في الرياض ..

كانت البداية محبطة للغاية .. فهي تأتي قبل أيام من إسناد مهمة قيادة الاتحاد العماني للشخصية البارزة هيثم بن طارق.. شاعر القوافي الهائم في تجليات الفيافي .. خسر منتخب عمان من منتخب الإمارات بثمانية أهداف دون مقابل ..

مضت لحظات من الصمت التام المثقل بالتوتر والدهشة والإحباط .. وعيون الصحفيين مركزة على وجه مدرب منتخب عمان البرازيلي باولو هيكي ..
بدأ وجه هيكي جامدا .. هربت منه كل الدماء .. كيف له أن يبرر الخسارة الثقيلة؟ .. كان يزدرد لعابه بصعوبة.. وهو يواجه جبلا من الكاميرات القديمة .. وأخيرا تغلب على الغصة التي تسكن حلقه .. قبل أن يهتف بصوت مبحوح:
لو بقيت مع هذا المنتخب يوما واحدا سأموت ..

كان تعليقا كاريكاتيريا قاس جدا .. تعليق كان يفترض أن يطيح برأس بهذا المدرب فورا .. وينتهي الأمر .. لكن الذي حدث بعد ذلك كان مفاجئا بحق .. مفاجئ للغاية ..
على الرغم من الانفعال الجارف الذي كان يعصف برئيس الاتحاد العماني هيثم بن طارق ..إلا أنه بذل أقصى جهده ليحافظ على تركيزه و هدوء أعصابه .. تأمل في وجه المدرب باولو هيكي .. ثم رسم ابتسامة واثقة وهو يقول للمدرب :
الضربة التي تقصم ظهري تزيدني قوة ..

بهت هيكي من منطق رئيس الاتحاد .. ثم أشاح بوجهه وهو يفكر .. لكن هيثم بن طارق أضاف في حسم وقد برقت عيناه بوميض فيروزي مخيف قائلا:
أقسم بكل شيء عزيز عليك يا هيكي أن أجعل من منتخب عمان منتخبا قويا يزلزل الأرض تحت أقدام الخليجيين .. وستكون فخورا به .. أقسم أن نجعل من الخسارة القاسية نقطة تحول في فكرنا وأسلوب عملنا ..

صمت هيثم بن طارق برهة .. و راح ينتقي من مكتبة مكتبه ملفا أحمر .. وهو يقول في ثقة:
هذا مشروع نهضة الكرة العمانية .. استراتيجية ذات شقين .. قصيرة المدى وطويلة الأجل .. سنبني خطتنا الأولى على استحداث نمط إداري جديد محسوب بدقة ..

سنبني بيتنا من الداخل طوبة طوبة .. لن يكون هناك مكان للنطيحة والمتردية في عملنا .. سنترك لك البناء الفني والتقني .. وكل توصياتك وخططك الفنية وبرامجك سننفذها دون نقاش ..

التقط هيثم بن طارق نفسا عميقا .. وهو يضع محاور الخطة الآنية .. ثم قال :
كما ترى باولو نحن نبدأ من نقطة الصفر تماما .. لك أن تخوض التجربة معنا وتقاسمنا حلوها ومرها .. ولك أن ترحل أن شئت إذا لم تكن مؤمنا بخوض هذه التجربة ..

رفع هيثم بن طارق رأسه في زهو وهو يضيف باعتداد:

أقسم أنك بعد خمس سنوات لا غير ستفخر أنك كنت ربانا فنيا لهذه التجربة الفريدة .. انفض غبار الهزيمة وتطلع دوما إلى الأمام فغدا مستقبله مختلف تماما عن حاضره..

كما لو أن الدم غلى في عروق البرازيلي باولو هيكي .. فقد شعر بشحنة من التحدي و طاقة جارفة من الصمود .. فهتف بقوة: الفارس النبيل لا يترك حصانه في بداية الطريق ..

أغلق هيثم بن طارق الباب على نفسه .. وغرق في البحث عن منافذ لتنفيذ روزنامة العمل الإداري الذي يؤسس لمرحلة تنتهي فيها الفوضى .. وتكون فيها الغلبة لدوري عماني شامل يرفع من مستوى الوعي عند اللاعبين ..

راهن هيثم بن طارق على مسار تطوير اللعبة ونقلها إلى كل ولايات السلطنة .. كان هذا التوسع النوعي مبني على قاعدة تكوين الكيف بعيدا عن الكم ..

خلق هيثم بن طارق بيئة رياضية حاضنة للمواهب .. فتح الباب أمام الخبرات الفنية .. كما رسم معالم خطة دعم الأندية ماديا حتى تفي بالتزاماتها .. وتخلق مساحة من العمل المتسارع الذي يهيئ القاعدة ويزيدها تماسكا ..

تلاقحت الأفكار عند هذا الرجل الذي عشق الرياضة وعشقته عشقا مبرحا .. في عام واحد حول الاتحاد من مجرد غرفة مظلمة إلى مؤسسة تدب فيها الحركة والبركة ..

كانت السلطنة عام 1984 على موعد مع تنظيم دورة كأس الخليج العربي السابعة .. سرع هيثم بن طارق من إيقاع العمل .. كان اتحاد الكرة مثل خلية نحل دائم الحركة .. بالمقابل كان البرازيلي بولو هيكي يجهز المنتخب تجهيزا علميا مدروسا .. كانت طلباته أوامرا كما يقولون ..

أصدر هيثم بن طارق قرارا بضرورة زيادة وتيرة العمل في مختلف اللجان .. كان هذا التسريع في آلية العمل مبني على تصورات عميقة المدلول .. كان هذا الرجل يستشير الخبراء حول مشكلة ما .. كان متفتحا بفضل فكره الراقي .. و حدسه في تطويق كل المعوقات .. وهو بشهادة كل من عاصره مستمع جيد .. والمستمع الجيد متحدث بارع ..

كان استقدام باولو هيكي من البرازيل ضربة معلم من هيثم بن طارق .. فبعد أن درس طبيعة كرة القدم في الخليج.. اكتشف لاتينية المواهب العمانية .. هتف في ثقة:

المدرسة البرازيلية هي غايتنا .. وعن طريقها سنضع مداميك الكرة العمانية .. فهويتنا برازيلية .. إنها خيارنا المناسب ..

كانت بصمات هيثم بن طارق واضحة على نجاح السلطنة في تقديم بطولة خليجية مثيرة .. فقد كان له دور بارز في التجهيز و الإشراف على البنية التحتية المجهزة بكل سبل التطور .. وفوق هذا تحمل عبء رئاسة الوفد العماني في هذه الدورة ..

ظهر هيثم بن طارق وكأنه قائد المنتخب العماني في تلك الدورة التي كانت البداية الحقيقة للكرة العمانية الحديثة .. بدأ في ذلك العرس مثل قائد أوركسترا ينتقل من لحن إلى آخر بنعومة مدهشة ..

قدم المنتخب العماني مباريات مغلفة بالكثير من الإبهار .. كان الإنجاز الإداري في تلك الدورة بطعم الإعجاز .. نعم لم يفز منتخب عمان .. خسر مبارياته الست .. لكنه في كل مباراة كان يستحق الفوز لو تواجد متمم في الهجوم .. كان المنتخب العماني رائعا وهو يحافظ على مستواه في جميع المباريات.. ولم ينهزم إلا بطلوع الروح .. وبفارق بسيط ذابت من خلاله كل الفوارق السابقة ..

انتهى الحدث الخليجي .. وجمع هيثم بن طارق المجد من طرفيه .. شهادة ميلاد جديدة لكرة عمانية تنمو بسرعة.. مع فكر وعقل هذا القيادي المحنك .. و تتويج غلام خميس كأفضل لاعب في الدورة .. كانت هذه البداية نجاحا ساحقا لاستراتيجية هيثم بن طارق ..

غادر هيثم بن طارق مبنى اتحاد الكرة العماني بعد الانتهاء من المشاركة في دورة كأس الخليج الثامنة بمملكة البحرين .. غادر مسرح الأحداث مع الأسف و الاحترام بعد أن أرسى قواعد العمل الإداري المدروس .. لكنه سلم الراية بعد ذلك لخلفه سعيد بن ناصر الخصيبي.. واضعا بين يديه أمانة تكملة المشوار .. وكان على خلفه السير على بنفس الخط.. ونفس النهج.. دون خروج عن استراتيجية السلف الصالح ..

وتحقق وعد هذا الشاعر والأديب ذي الحس الإداري العالي .. فبعد عشر سنوات فقط انتهت الاستراتيجية بتحول مخيف على خريطة المنافسات الخليجية .. منتخب عمان اليوم قوة خليجية ضاربة .. فاز باللقب مرتين .. وأفلت اللقب من بين يديه ثلاث مرات.. و قد كان أقرب اليه من حبل الوريد .. رابع العالم في كأس العالم للناشئين ..و للنجاح بقية ..

تعيش الكرة العمانية حاليا في بحبوحة وفي رفاهية .. دوري محترفين قوي .. منتخبات قوية .. عقليات إدارية تتوارى أمامها العقليات الأخرى خجلا و كسوفا .. لاعبون بعقلية تؤمن بالفوز ..

كل هذا الفيض الكبير من النجاح ما كان ليصل منسوبه ويبلغ سيله الزبى.. لولا استراتيجية هذا الرجل الذي جعل من هزيمة الثمانية منطلقا نحو آفاق القمة التي يتربع عليها وسط دهشة قارة بأكملها ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق