كوارث برشلونة ..!

كتب- محمد العولقي

أقدر نفسيات عشاق ومحبي فريق برشلونة المضطربة هذه الأيام، ففي الواقع لم يعد الحديث عن الكوارث الدفاعية أمرا مستساغا، حتى لو بدأ للعيان قدرة ليونيل ميسي على ترقيع ثوب البلوجرانا، وتعويض تلك الكوارث بلمحات من وحي الخيال ..

أدرك تماما أن دفاع برشلونة لم يكن يوما ما في مستوى قوة خط هجومه، وأعلم تماما أن دفاع برشلونة في غياب سد حراسته الألماني تيرشتيجن أوهن من بيت العنكبوت، بدليل أن هذا الخط الغريب في تركيبته، أصبح يقدم للجماهير البرشلونية كوميديا مسيلة للدموع، لوهلة أشعرني دييغو سميوني مدرب فريق أتلتيكو مدريد أنه رجل يفهم في تراكمات رد فعل دفاع برشلونة، أشعرني سميوني أنه مدرب الأوقات الحرجة، مدرب الأنفاس الأخيرة، مدرب يفهمها وهي طائرة، رغم أنه اكتوى كثيرا من نيران البلوجرانا سابقا، فما فعله ببرشلونة في ظرف عشر دقائق درسا يستحق القراءة والمتابعة والتأمل ..

أبدا لم تكن في وارد مفكرة سيميوني أن مباراة نصف نهائي السوبر الإسباني على ملعب الجوهرة بمدينة جدة ستلعب على الجزئيات الصغيرة، هذا كلام نظري لا ينطبق على برشلونة بكل تأكيد، قبل المباراة بساعات جاءني اتصال من لاعب كبير، لخص المباراة من وجهة نظره قائلا: لكي يفوز أتلتيكو مدريد على برشلونة يجب على سيميوني اللعب بحذر طوال شوط كامل، لأن انتزاع الفوز من برشلونة يتطلب مراعاة الجزئيات الصغيرة، قلت له رأيي الفني في المباراة بما قل ودل بناء على الهشاشة الدفاعية لبرشلونة، وليس بناء على عقلية سيميوني أو فالفيردي.

يا عزيزي الحديث عن الجزئيات الصغيرة مسألة عبثية مبالغ فيها، ففي الواقع أن دفاع برشلونة ينسف تلك النظرية – أقصد نظرية الجزئيات الصغيرة- ، فما أسهل أن تتجول في الثلث الدفاعي للبرشا على كيف كيفك، وما أهون أن تضرب العمق الدفاعي بأقل مجهود، من هنا لا أظن أن سيميوني بحاجة إلى الجزئيات الصغيرة، لأنها في الواقع أصبحت تفاصيل كبيرة وخطيرة عند برشلونة، يمكن لأي مهاجم التسجيل من أي وضع، بسهولة من يتنفس الهواء الطلق بحرية ..

أقول هذا وأنا أبحث عن سبب منطقي فرض على مدرب برشلونة أرنستو فالفيردي تنحية الفرنسي لانجليت، لحساب بلدياته صامويل أومتيتي البعيد تماما عن فورمة المباريات الكبيرة، أثبت سيميوني- حتى وأنا أول من يكره فكره الدفاعي الخانق- أن مباراة كرة القدم يمكن أن تلعب في عشر دقائق فقط، الأكثر غرابة أن هذه الحقيقة سيكون طعمها بمرارة العلقم عندما يكون هذا الخصم هو برشلونة بشحمه ولحمه، الفريق الذي يضم بين صفوفه الحاوي ليونيل ميسي، الرجل الألمعي الذي تغريه الألقاب، كما تغري النيران الفراشات في عز حماسها، لا أظن أن فالفيردي يتحمل مسؤولية انهيار برشلونة أمام الأتلتيك في الدقائق العشر الأخيرة، لأن مثل هذا الظن يعني ببساطة أن فالفيردي هو من يدير العرض، وهو من يتحكم في المنظومة، ويضبط ساعتها الرملية على توقيت فكره ومفكرته..

حتى الآن لا يريد فريق كبير بحجم برشلونة أن يفهم أن قوة الهجوم تبدأ من الخلف وليس من الأمام، كما أن مسيريه يقعون في خطأ تكتيكي قاتل عندما يفرضون ثقافة التيكي تاكا على مدافعين، يفترض أن مهمتهم الوحيدة حماية الخلف، وتنظيف المنطقة من المخلفات الهجومية، وليس نصرة الأمام بزيادة عددية أفسدت كل شيء، الحقيقة الأخرى أن هزيمة برشلونة من الأتلتيك بهذه البساطة والسذاجة معا، أكدت أن الفريق يفتقد إلى القائد الميداني الذي يوجه ويربط الخطوط ويتحكم في منظومة اللعب نفسها ويتحكم حتى في تحركات المدافعين، حتى لا نرى الحبل على الغارب، والفوضى تدب في خطوط الفريق في غياب الموجه والرادع لتحركات النفس اللوامة والرأس الدوارة ..

مع احترامي وتقديري وامتناني لفنيات ليونيل ميسي، وعبقريته في إنقاذ برشلونة من ورطات كثيرة هذا الموسم، إلا أنه ليس القائد المثالي الذي يمكنه ضبط بوصلة الفريق في الأوقات الحرجة، أتفق تماما مع من يقول إن ميسي هو الكل في الكل، وإنه المتحكم الفعلي بالفريق داخل وخارج الملعب، وليس المغلوب على أمره فالفيردي، لكن جينات القيادة الحكيمة ليست متوفرة فيه، كما أن بلازما الكابتن الذي يرفع من منسوب معنويات اللاعبين ليست كاريزما تسبح في دماء ميسي، رغم اعترافي أنه لاعب عبقري لم يصل بعد إلى مرحلة التعقل في شخصيته القيادية طبعا، رغم أنه يشارف على الثالثة والثلاثين من عمره ..

هل تذكرون قلب الأسد كارلوس بويول القائد الذي كان يضع الفريق كله على حافة الجنون كلما تعلق الأمر بمباراة مصيرية من العيار الثقيل؟، تلك الكاريزما كانت قارب النجاة للفريق في أوقات صعبة كثيرة، وكانت الدليل الذي قاد برشلونة للفوز في موسم واحد بستة ألقاب تاريخية، لازالت ترتبط دائما بشارة القيادة الحكيمة لقلب الأسد بويول ..

أدري تماما أن مشاعر جماهير برشلونة لم تعد بحاجة للمزيد من جرعات التنكيت والتبكيت، ولكن مع دفاع من هذا النوع يمكن العبث به غسيل ومكوى في عشر دقائق فقط، لا يمكن لرفاق ميسي أن يذهبوا بعيدا في دوري أبطال أوروبا، وإن حدث وبلغوا دورا متقدما فستكون فاتورة ذلك التجاوز باهظة، ومع فريق تستقبل شباكه الأهداف الغبية والذكية معا في كل مباراة، تبقى إمكانية الاحتفاظ ببطولة الدوري محل شك كبير، ما لم تحدث معجزة تجعل دفاع برشلونة الهش قويا ومتماسكا، وهذا أمر بعيد المنال بالنظر للعناصر الدفاعية التي يمتلكها الفريق هذا الموسم ..

وكما أن كرة القدم تدور، حالها حال الكرة الأرضية وفقا ونظرية الفلكي البولندي كوبرنيكوس، فمن الأجدى ترميم الواجهة الدفاعية لبرشلونة حتى تدور كرة برشلونة كما كانت أيام بويول، فبيكيه شاخ ولم يعد يقوى على مجاراة الإيقاع السريع، وأومتيتي سلبته إصابته المزمنة كل الصلابة، ولانجليت ليس في مستوى عراقة برشلونة، وجوردي ألبا استهلك وليس له بقية، وسيرجي روبيرتو ليس السوبرمان الأخضر الذي يعول عليه..

ويا أيها البرشلونيون الحالمون والمتعصبون، بهذا الدفاع الساذج لا يمكن لفريقكم الصمود على مختلف الجبهات، طالما وهو لا يفرق بين عمله كصمام أمان ، ودوره كرجل مرور مهمته تنحصر في مساعدة المهاجمين على غزو الشباك، طالما الإشارة نحو مرمى برشلونة دائما خضراء ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق