السلطان قابوس .. أسطورة لا تموت ..!

كتب- محمد العولقي

وكيف للعين ألا تقر وقد نمت في جفن الردى شامخا شموخ الرواسي .. باسقا كنخلة يتساقط منها رطبا جنيا .. كيف للقلب أن يحتمل لوعة الفراق وقد تجلط الدم في الأوعية.. وماتت الدموع في الأحداق .. وكفت البلازما عن تموين المخ بالإشارات الضوئية ..؟

قل لنا بربك أيها القائد السابح في ملكوت الله .. يا من كان الخير معقودا بنواصي خيلك .. من مات في داخلي .. وطن شيدته من دمك ودموعك و ابتسامتك .. أم شعب شب عن الطوق وقد علمته الرماية كل يوم طوال خمسين عاما من حكمك الرشيد ..؟

من قال إن الردى طواك.. وأنت حلم وعلم في جفن كل عماني سهر الليالي طلبا للعلا..؟ من قال إن الموت اصطفاك.. و جسدك الموغل بهموم وطنك يسكن ويتمدد في كل بيت.. وفي تلافيف مخ كل عماني عاش ربيعك ونعيمك .. وفي كل الأماكن التي تشتاق لك وتحن لأيامك الخوالي ..؟

من قال إنك رحلت عنا .. و هجرت وطنا أنت شيدته طوبة طوبة .. وشعب ترعرع في كنفك .. وعاش تحت مسمات جلدك .. يتنفس كما تتنفس .. يفرح كما تفرح .. يسعد وأنت تبني فوق تلال عمان ألف جنة وجنة ..؟

هذه الشمس التي يسير العمانيون في ضحاها شمسك التي لا تغيب .. عينك الساهرة التي لا تأفل .. قلبك الدري الذي ينبض في كل بيت عماني تربى على يديك .. و تغذى على سياستك الحكيمة .. التي نأت بعمان عن صراعات الفرقاء في منطقة ملتهبة بالقضايا الساخنة والخلافات المثخنة بجراح أفسد الود قبل القضية ..

لم تكن سلطانا أو زعيما ثائرا على التقاليد المتخلفة.. فقد كنت فرقدا يهتدي به شعبك ويتلمس خطاك الخالدة في وجدان وطن .. أنت عزه ومجده .. وذاكرة شعب علمته كيف يصغي لهدير المصانع والمعامل .. وأرض عطشى شربت من معاول ساعديك .. هنا أنت دائما أيها السلطان العادل .. في همس القوافي .. في خرير السواقي .. في مروج المراعي .. في عطايا الفلاح و زغاريد الليالي الملاح ..

طيفك دائما هنا .. في يمينك عطاياك .. وفي يسارك قضاياك .. وكيف لحكيم مثلك لمس الصحراء فحولها إلى نعيم على موائد الرحمن أن يمر على التاريخ دون أن يكون كاتبه وحكيمه و سلطان أرقامه .. كيف لقمره أن يأفل ومن حوله نجوم تحرسه وتبارك أعماله ..

حتى والموت يحتويك بين ثنايا أرضك .. هنا أنت دائما .. في دمعة يتيم أطعمته .. في لهفة فقير أكرمته .. في أنفاس سائل قضيت حاجته .. في صحة مريض شفيته بأذن الله .. في شيخ مسن تمسك بتقاليده و تراثه .. في مآقي امرأة مكلومة فرجت كربتها .. في أنفاس رياضي فتحت له ذراعي خيرك ليتألق ويبدع وينتصر للسيفين والحكمة العمانية..

مثلك أيها السلطان لا يموت .. لا يبرح الوجدان النازف .. لا يهجر حقولا رواها بعرقه .. لا يخلف وعدا.. وقد جعل من الجبال مساكن للنساك و معابد للعباد سكان هذه البلاد ..

مثلك لا يرحل .. فأنت هنا دائما في كراريس المدارس .. في دواوين المجالس .. في الكتب .. في تراتيل الصلوات .. في نفحات المساجد .. وتجليات العساجد.. في الملاعب و الأندية .. تنبت أرضك التي ثقلت بموازينك مليون قابوس .. أنت هنا .. ترشد .. تقود .. و تحمي شعبك بين ضلوعك ..

أنت هنا .. سلطان الأرض .. لم تمت مادام إرثك نهرا لا ينضب معينه .. يسيل على الذرى و يغذي شعبك بالعزيمة والإصرار ..تأملوه في الجزر ومع المد الجديد القادم .. هو هنا في أحضان الخليج .. في الريح والموج .. في النوء القوي .. في موته وفي بعثه .. فسلام عليك يوم ولدت .. ويوم رحلت عنا جسدا .. ويوم تبعث حيا بأذن واحد أحد ..

ها قد نقش سلطان الأرض تاريخه في الصخر والرمل وعلى صفحات ماء الخليج .. ها هو في العيون والقلوب تذكار خالد محمود سيرته ..

أيتها الأرض التي دانت لسلطانها خمسين عاما في فرح وحبور .. في سلام ووئام.. بفضل سياسة السلطان قابوس المتوازنة.. ضمي رفات سلطانك ولفيه بزندك .. فما أحلى عبير سلطانك .. وما أروع أنفاس سلطانك .. وما أنقى سريرة سلطانك ..ضمي رفات سلطانك ودعي النسغ يحمل طيفه لأهل الدار و الشقيق الجار ..

يقولون إن الرأسمالية هي من صنعت كارل ماركس .. و إن الفقر المدقع هو من أنتج الصقلي غاليبالدي.. و إن القيصرية الروسية هي من شكلت وعي لينين .. لكن ما رأيكم في سلطان شكل الطبيعة؟ .. ما رأيكم في قائد فذ ولد في قلب محيط متلاطم الأمواج .. ونشأ في ظل عوامل تعرية صارعها حتى صرعها ..؟

ما رأيكم في حكيم عربي صنع شيئا من لا شيء؟.. ما رأيكم في حاكم عاش بين ظهرانينا مثالا للاستقامة.. و نموذجا لحكيم لم يضبط مرة متلبسا بسياسة الانحياز..؟ سلطان زمانه اختاره الله عز وجل ليروض زمجرة الطبيعة.. وليصنع في غضون سنوات قليلة معجزة في قلب الخليج من لحم ودم.. اختاره الله جامعا لشتات العرب .. مرجعا في الملمات .. ومرشدا في المسرات .. ليس هناك ما هو أجمل ولا أروع من هذه الحقيقة التي تضع السلطان قابوس في مكانة خاصة.. يبتعد بها عن أقرانه مليون سنة ضوئية ..

خمسون عاما .. وأنت تبني بالحجر والبشر مجدا من شكيمتك و عزيمتك الفولاذية التي لا تلين .. ارتفعت هامات المآذن في أرضك .. انتصبت قواعد الحضارة .. تعالى البنيان .. وأنتجت وطنا صنع في عمان .. وطن عماني بصناعة محلية لا تشوبة شائبة .. وطن بنكهة عربية أصيلة أعاد للغة الضاد كبرياءها المفقود .. وطن شامخ يغني دائما للسلام والوئام .. وطن تنطلق الحكمة من عقالك .. تطوف العالم وتحيك للدول النامية ثوبا للعيد مطرزا بكل حوريات البحور ..

هذا السلطان الذي اتفق عليه الجميع .. كان الاستثناء في زمن الانكسار .. كان محور الكون في زمن الانتصار .. كان السلطان العادل الذي أسهر الخلق خمسين عاما ثم نام ملء جفونه عن شواردها وهو يسهر الخلق ..

كانت رحلة السلطان قابوس صعبة مريرة لها مذاق الحنظل .. قبل خمسين عاما كانت عمان تلال وجبال وأرض كئيبة تحتويها ريح صرصر .. لم يفت ذلك من عضده .. قرر وقدر فبارز الطبيعة بكل تقلباتها .. أعوام وأعوام لم يذق طعم النوم أو الراحة .. أقسم بزرقة البحر .. وبغبار الصحراء .. وبحبات الرمل أن يجعل من هذه المضارب المقفرة جنة ينعم فيها شعبه بخير ساعديه .. وأن يجعل من شعبه أرقى شعب .. وقتها لم يملك البترول كحال جيرانه .. لكنه كان يراهن على عقله .. وعلى فكره الذي يأكل جسده كما يأكل المهند غمده .. وهب صحته لأرضه .. كان الاستثمار في البشر أرقى سلاح يمكن ان يغير المعادلة ..

كان السلطان قابوس يؤمن أن ثروته الحقيقية في كيفية تعليم شعبه.. ناسه وأهله .. العمل وحده يمكن أن يكون ثروة هائلة تدوم ولا تنضب .. كان يراهن على الصحة باعتبارها بوصلة الكفاح غير المسلح طبعا .. فقد كان يؤمن أن ثروات باطن الأرض لن تصنع شعبا متمرسا صنديدا يأكل قوته من عرق جبينه .. وضع التعليم والصحة أولوية تتماشى مع ثورة البناء ..

تفهم السلطان قابوس بعقليته الفذة وذكائه المتقد أن التوازن مطلوب بين تنمية البشر وتنمية الحجر .. خلق السلطان قابوس توازنا مبكرا في التركيز على التنمية التعليمية والثقافية ..جنبا إلى جنب مع التطور والتنمية في المجالين الاقتصادي والعمراني مع ضرورة بناء الشخصية العمانية وتسليحها بالثقافة والمعرفة ..

كان السلطان قابوس بارعا وهو يتجنب تجارب دول تحيزت للحجر على حساب البشر ..فخلقت ظاهرة من جنون الاستهلاك والرفاهية على حساب المعمار البشري ..

في تلك الحقبة الوعرة القاسية جاء رجل من أقصى الخليج يسعى ..شاب مهندم بثياب الطبيعة الثائرة .. كان يعي تماما قبلته .. سار وسط رماد من دروب شتى .. تحت المطر وزمهرير البرد التحف الضباب .. السحب الزرقاء من فوقه تداعبه .. وأطياف قزاحية تباركه .. كانت معركته قد بدأت .. جدول كل شيء .. وضع فهرس لكل الاحتمالات .. كان حكيما في طرحه .. دائما يقيس كلامه بأوقيات الزئبق .. كان شعاره قليل من الكلام .. كثير من العمل والإخلاص ..

كانت قاعدة السلطان قابوس التي أرسى مداميكها على أرض ثائرة تقوم على الفكر المتجدد ، خلق إنسان عماني جديد يؤمن بأن العلم ثروة وأن العافية تاج على رؤوس الأصحاء.. إنسان عماني جاد لا يمزح في طرحه .. وفي تعاملاته .. وفي أهمية احترام الوقت بالعمل بعيدا عن الضجيج والكلام الذي لا طائل منه ..

كان السلطان قابوس حاد الذكاء .. يمتلك حدسا فريدا من نوعه لم يسبق أن امتلكه غيره .. كان يستشرف الآتي ويستبق الزمن .. كان شخصية فريدة من نوعها .. تفكير يتجدد بأفقه الذي لا يسد ، أفق مغاير صاغته إنسانيته السمحة .. يرسم .. يخطط .. يبرمج .. يسبر أغوار البشر بنظرة واحدة .. وكم كان السلطان يتعوذ من الأيادي الخاملة والأجساد المترهلة.. وكم كان عدوا للنفس التي لا تنفع و البطن التي لا تشبع .. غرس مبدأ العمل و الانضباط في حياة شعبه .. فبقي العماني هو العربي الوحيد الذي إذا تحدث بز المتحدثين .. و إذا حدث صدق .. و إذا أؤتمن صان الأمانة .. و إذا وعد لا يخلف موعدا ..

صار العمانيون أقوياء بفكر معلمهم و ملهمهم وأسطورتهم .. وأغنياء بالعلم والمعرفة وعفة النفس .. وطهارة الروح .. و عنفوان الصحة ..

ومضت القافلة في طريقها تنهض من تحت الركام .. تحول شعب قابوس إلى نمل يعمل ليلا ونهارا بلا كلل أو ملل .. لم يكن السلطان قابوس حاكما تستهويه الأضواء .. كان معلما حكيما .. ملهاما لشعب يتوق إلى العلا مع سهر الليالي .. توالت الأجيال .. تناسلت وهي تحمل جينات فكر هذا الملهم .. وكبر هلال عمان حتى بات اليوم قمرا مكتملا ساهرا فوق مصلى سلطانه العادل ..

اليوم أكمل السلطان العادل دينه لكم .. رضي لكم بحياة مليئة بالحركة والبركة والصحة والمعرفة .. أطمأن إلى أنه أدى الرسالة وصان الأمانة.. وخلق من شعبه شعبا عمليا لا يركن لهبات القريب والغريب .. وطن عفة نفسه تحمل زهد سلطانه .. وطن ثروته اليوم ثلاثة ملايين قابوس .. رحل وقد صاغ رؤية اقتصادية بعيدة المدى ستضع عمان في مقدمة الأمم .. رحل الأسطورة ورصيده في بنك الحضارة أجيال قادمة ستتغذى على فكر ملهمها و معلمها ونبراسها ..

لم يمت السلطان .. لم يرحل .. هو حي يرزق بينكم .. سترونه ملاكا بينكم يرفرف قربكم .. في صرخة مولود جديد .. في ابتسامة طفل صغير .. في لحية عجوز .. سترونه علما في رأسه نار ..يضيء ظلامكم .. يؤنس دروبكم .. سترونه في أحلامكم عندما يثقل المساء جفون العناء ..

سترونه ملاكا يسبح فوقكم لله الواحد القهار .. سترونه دائما في صحيفة أعمالكم .. في أفراحكم وأتراحكم .. لم يمت السلطان وقد صقل وربى وعلم ثلاثة ملايين قابوس .. أما أرضكم الطيبة فستفاخر أنها تحتوي رفات سلطانها الوحيد ..سلطان الزمان العادل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق