مارادونا .. يا عيب الشوم ..!

كتب: محمد العولقي

ارتبط اسم دييجو مارادونا بمواقف مخجلة خارج النص، استنزفت و لا زالت الكثير من سمعة لاعب يظل مثار جدل مع كل سقوط جديد خارج ميادين الساحرة..

وما يؤسف له حقا أن اللاعب العبقري الذي تفضله أجيال ما قبل الثمانينات على البرازيلي بيليه، ما يكاد يخرج من ورطة حتى يسقط في محاذير أخرى، أقل ما يمكن وصفها بأنها مخزية و معيبة في حقه كبطل أو ملهم في نظر من عشقوه قبل احترافه عالم المخدرات ، وهو عالم مليء بالضياع، الداخل فيه مفقود و الخارج منه مولود..

وليس في وسع بيليه الذي تفضله أجيال ما تحت الثمانينات أن يشمت في غريمه وهو يرى خطاياه مثل زبد البحر ، قدر شعوره بأنه لازال كما كان قدوة للصغار و الناشئين ، فهو لم يضبط ولو لمرة واحدة متلبسا بفعل مشين كتلك الأفعال التي يغترفها دييجو دون وعي ..

لطالما كنت من أشد المدافعين عن مارادونا اللاعب في كل أطروحاتي ، لكن دييجو لا يدع وقتا كافيا لتدافع عنه أو تلتمس له الأعذار ، فسلسلة تجاوزاته كإنسان مستفز لا تنتهي، وقد بلغت الحلقوم فعلا..

هذا الأسبوع حملت لي مواقع التواصل الاجتماعي مفاجأة مارادونية جديدة، أرغمتني فعلا على شطب دييجو من النماذج التي أستشهد بها أمام الصغار و الناشئين..

بدأ مارادونا في الفيديو المسرب من حفلة ماجنة مثل أنبوبة بوتيغاز تثير الاشمئزاز ، ليس لأنه كان ثملا و غائبا عن الوعي، بفضل ما تستقبله معدته المضغوطة أصلا من خمور و ومواد أخرى تذهب بالعقول، فهذا عمل معتاد و متوقع ، ولكن لأنه بالفعل أصبح قدوة سيئة للصغار، ينصح بالابتعاد عن قلة أدبه وعدم مشاهدته في هكذا أوضاع مخلة بالذوق العام..

في وقت كان الاتحاد الدولي لكرة القدم يحتفي بهدفه الإعجازي الثاني في مرمى إنجلترا قبل أربعة وثلاثين عاما ، عندما تخطى كل اللاعبين الإنجليز ببراعة في أربعين مترا ، كان مارادونا يحتفي بهذا الهدف الاستثنائي متبرجا حتى مما يستر عورته ، و يا له من سقوط أخلاقي في غاية الألم في ذكرى تظل وشما في تاريخ كرة القدم قديمها و حديثها..

كل شيء أصبح عند مارادونا ممكنا جدا ، فمثلما كان لاعبا قديرا يروض منافسيه ويخطف قلوبنا ، صار اليوم إنسانا سليط اللسان مستفزا لم يعد يحظى بتعاطف من عشاقه..

نعم مارادونا دائما كان يردد عندما كان لاعبا عبقريا نعم أستطيع، لم يكن الاعتذار يوما ما في قاموسه ، فهي مفردة مشطوبة تماما ولا يتعامل معها تحت أي ظرف ، فهو عندما سجل هدفه الشهير بقبضة يده اليسرى في مرمى الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون في ربع نهائي مونديال المكسيك، نسب الأمر إلى يد الله، و كأنه يبرئ نفسه من سرقة علنية راح ضحيتها المنتخب الإنجليزي و الحكم التونسي علي بن ناصر ..

كل شيء يستطيع فعله مارادونا بسهولة مهما كانت المحاذير أمامه ، فهو يستطيع تعاطي الكوكايين بالسهولة التي يلعب بها كرة القدم ، وهو يستطيع أن يعاقر الخمور و النساء أمام كل سكان البسيطة بالسهولة التي يتبرز بها ، وهو يستطيع أن ينجب ابن حرام ويتنصل من فعلته ، وهو الكائن الوحيد الذي يستطيع التجرد من التي شورت في رقصة ماجنة ويظهر أمام الملأ بلا ورقة توت، يعني يا مولاي كما خلقتني، كل شيء عند مارادونا مباح، من قلة الأدب إلى قلة العقل، إلى أشياء أخرى التحديث عنها فعل فاضح في الطريق العام..

لقدر شعرت بالإحراج عندما هرول نحوي أحد اللاعبين الصغار، وهو يفتش في جواله عن تلك اللقطة السيئة و المسيئة لمارادونا قائلا:

“هل هذا هو دييجو الذي تقنعنا بأنه أفضل من لعب كرة القدم عبر التاريخ، وليس ليونيل ميسي أو كرستيانو رونالدو أو زيدان ..؟”

بالفعل كانت ورطة، وربما كانت المرة الأولى في حياتي التي تمنيت أن تنشق الأرض و تبتلعني أمام الصغير المندهش، فكيف أفسر للصغير خطأ مارادونا الجديد، مع العلم أن الواضحات من الفاضحات ..؟

كيف أقنعه أن مارادونا اللاعب، ليس هو مارادونا الإنسان الذي فشل في التدريب وفي تسيير حياته وفي أن يجمل صورته قليلا أمام جيل جديد يستطيع أن يكشف تعاطفا معه بضغطة زر لا أكثر ..؟

عن أي مارادونا نتحدث اليوم وقد صار مسخرة لا يثير الشفقة فحسب ، وانما يثير الغثيان و الكثير من الهوامش التي تتخطى ما هو مألوف و معروف ..؟

كنت أنوي أقول للصغير: “شاهد مارادونا كلاعب فقط و لا تشاهده كإنسان في حجم كيس من القمح، يمكنك تقليد مارادونا كلاعب ، لكن إياك أن تقلده كإنسان أدمن جنون الخروج عن النص ، لكن هذا ليس كافيا، فعندما تهتز صورة مارادونا أمام الصغير ، يصعب إقناعه بأن هذا الشيء يمكن أن يكون ملهما أو مثالا في تلقين الصغار مفهوم كرة القدم مهما كانت عظمته كلاعب ، فالسلوك هو الجاذبية كلها، وسر الخلود في قلوب كل الأجيال، وهو مالم يفهمه مارادونا كما فهمه منافسه بيليه..

لن أعلق خطأ مارادونا الجديد على شماعة حرية شخصية ، فمارادونا ليس ملكا لنفسه ، فهو دائما تحت مجهر المقارنات التي لا ترحم، وتحت مجهر أجيال سمعت عنه ولم تشاهده على الطبيعة ..

هل جن مارادونا وفقد عقله، وهو الذي سيحتفل بعد ثلاثة أشهر بعيد ميلاده الستين ..؟

لم يعد مقبولا أن نصف مارادونا بأنه فتى طائش أعتاد خطف الأضواء بتصرفاته الغبية ، ولم يعد مقبولا أن ننساق خلف حماقات تبرير مخالفاته الوقحة، خصوصا ونحن هنا نتحدث عن رجل دخل سن الشيخوخة يجدر به أن يحسن خاتمته أمام بناته و زوجته كلوديا التي هجرها بقسوة، مع العالم أنها الوحيدة التي ساندته عندما كانت حياته على حافة الموت ..

شاهدت فيديو مارادونا الراقص الماجن المقزز ، فملأت صورة بيليه رأسي ، فهو طوال ثمانين عاما لم نسجل عليه مخالفة واحدة تهز صورته أمام الصغار و الناشئين ، بعكس دييجو الذي يهرول بتصرفه الجديد الأرعن نحو الهواية .. و يا عيب الشوم عليك يا دييجو ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق