إيفرتون سواريس.. الباحث عن الأهداف في زمن الاستعراض

تحليل- أحمد مختار

“الناس كلها بقت فتوات أومال مين اللي هينضرب؟”، مقولة شهيرة للفنان الراحل توفيق الدقن تصلح في الحياة والفن وكرة القدم أيضاً، حيث أن معظم الناس بلا استثناء تريد لعب دور البطل فماذا عن الشريك والمساعد؟ وفي عالم التكتيك مؤخراً، زادت نسبة الأجنحة المهارية بطريقة واضحة، لدرجة أن معظم لاعبي الأطراف في الوقت الحالي يشتركون في صناعة الفرص، بناء الهجمات، المراوغة، الاختراق، لكنهم أبعد بعض الشيء عن المرمى، ولديهم مشكلة الحسم بالثلث الهجومي الأخير، قياساً بأرقامهم المبهرة على المستويات الأخرى.

يتفق الكثيرون أن كلاسيكو إياب نصف نهائي كأس الملك بالموسم الماضي كان الأكثر ندية بين برشلونة وريال مدريد، قياساً ببقية المباريات بين الفريقين خلال نفس الفترة. الحقيقة أن الريال فعل كل شيء ممكن لكنه أضاع فرص محققة ليسجل الكتلان ثلاثة أهداف من ثلاث فرص على التوالي.

فينسيوس جونيور فعل الكثير خلال تلك المباراة، كان مصدر خطورة كبير لريال مدريد، صنع فرص كبيرة في أول 60 دقيقة، وأضاع 2-3 فرص مؤكدة ، لكنه بالنسبة لي لم يكن ذي أداء مثالي، ليس فقط بسبب إضاعة الفرص ولكن أيضا لأنه لم يفعل أكثر من قدراته الحالية، ألا وهي، المراوغة في موقف 1 ضد 1.

ديمبلي في المقابل ربما قدم أفضل أداء ممكن له على مدار الموسم، رغم أنه شارك كبديل ولم يلمس الكرة كثيراً، فقط لأنه استخدم عقله جيداً وحاول البحث عن الفراغ بدلاً من انتظار الكرة كما يفعل دائمأً. فعل عثمان الشيء الذي ينقصه، ألا وهو القطع من دون الكرة في المساحات، والتجول بحرية على اليسار واليمين، بدلاً من انتظار اللعبة في العمق وفقدانها وسط غابة السيقان، لذلك لعب الفرنسي دور البطل في الشوط الثاني، لأنه لم ينتظر الكرة بل سعى لخلق الفراغ بتحركه من دونها، وظهر ذلك في كرتي الهدف الأول والثاني.

المراوغة شيء مهم للغاية، ربما بالنسبة للكثيرين هي المهارة الأهم على الأطلاق، لكن أي فريق كبير يحتاج إلى عنصر التنوع، بمعنى تواجد جناح مهاري، صانع لعب ذكي، مهاجم قوي، ولاعب إضافي على الطرف لا يتوقف عن الحركة. يبدأ المباراة بجوار الخط وفي جزء من الثانية يقطع للداخل، يتحرك خلف الدفاعات وينفرد بالمرمى واضعاً الكرة في الشباك، إنها وظائف محورية للجناح الباحث عن الأهداف، والتي تجعله مطلوباً بشدة بالنسبة لأي مدرب وأي فريق كبير.

إذا أردنا أن نجد مثال لهذه الصفات الخاصة بالجناح الهداف، فإننا يجب أن ندرس دور إيفرتون سواريس مع البرازيل في كوبا أميركا 2019. مهاجم جريميو حصل على الشهرة قبل حتى أن يبدأ البطولة، بسبب هيئته وطريقة تصفيف شعره التي تشبه أحد الشخصيات الكرتونية في مسلسل برازيلي شهير، لذلك ناداه الجمهور بـ “البصلة الصغيرة” وهو ما أعطاه شهرة إضافية داخل الملعب وخارجه، في بلاد عرفت تاريخياً بأنها تقدس الألقاب المستعارة أكثر من الأسماء الحقيقية.

بدايات إيفرتون بها قدر من عدم التوقع الذي يناسب طريقته داخل الملعب. كان يشارك مع فريق فورتاليزا المتواضع بالبرازيل حتى سن 17 سنة، ونصحه حينها مدربه بالانتقال إلى جريميو حتى يتطور بشكل أفضل، لكن الفتى الصغير رفض خوفاً من أن الفتاة التي يحبها تتركه عند السفر وترك المدينة التي يعيش فيها.

“كان يحبها كثيراً، لقد ظن أنه إذا ذهب إلى هناك فسوف يفقدها لم يهتم كثيرا بحياته المهنية. أخبرته أن الفتاة يمكن أن تنتظره، لكن جريميو لن يفعل ذلك. شاب آخر سينتهز الفرصة ثم يندم هو وسيكون الصبي الآخر غنياً وسيظل هو فقيراً”. يحكي مدربه السابق هذه القصة ثم يردد المقولة التي أجبرت اللاعب على الانتقال، حينما صرخ قائلاً: “إذا كانت هذه الفتاة لا تريد أن تنتظرك، فستجد فتاة إيطالية أو ألمانية بعد ذلك”، ليقتنع ويسافر من أجل جريميو.

وعلى الرغم من اسمه المستعار وهيئته التي توحى بأنه شخص فوضوي وجريء، يبدو أن إيفرتون سواريس عكس ذلك تماماً، بحسب ما صرح به أحد مدربيه السابقين لصحيفة “جارديان” الإنجليزية في تقرير سابق.

لم ير أحد إيفرتون يمزح أو يلعب مع الأولاد الآخرين. كان هادئاً للغاية ويركز فقط على عمله داخل الملعب. يعمل بجد ويتدرب بانتظام وينفذ تعليمات المدربين بحذافيرها دون زيادة أو نقصان، لينعكس هذا الماضي على طريقة لعبه مع جريميو ومنتخب البرازيل مؤخراً، حيث يفضل الجناح ملامسة الشباك وهزها بدلاً من الوقوف طويلاً أمام مدافع الخصم من أجل الاستعراض أو إنهاء المراوغة بطريقة تثير إعجاب الجماهير.

مع غياب نيمار وإصابة فينسيوس، وحتى بتواجد هذا الثنائي الذي يفضل الوقوف على الكرة والمراوغة والاحتفاظ بالهجمة طويلاً، عانت البرازيل بشدة خصوصاً عندما تواجه فرق أميركا الجنوبية في البطولات المجمعة، لقوة الدفاعات واللعب بعنف مبالغ فيه بعض الشيء. السيلساو يستحوذ، يتفنن لاعبوه في الحيازة والتمرير والمرواغة لكن بدون أي خطورة هجومية، خصوصاً في ظل تواجد فيرمينو أو جيسوس بالمركز 9.

إيفرتون كان بمثابة الحلقة المفقودة في الهجوم، يتحرك طوال المباراة، يعرف كيف يحصل على التفوق أمام المرمى، ولديه ميزة الحركة في الجانب المظلم لأي مدافع فيما يعرف تكتيكياً بالـ Blind side، حيث يغلق أي مدافع الزوايا القريبة من زاوية رؤية عينه، لكنه يكون أشبه بالأعمى فيما يخص المناطق التي لا يراها بظهره، وبالتالي فإن الجناح الذكي أو المهاجم الذكي هو من يتحرك في هذا الجانب ويأتي دائماً من الزاوية التي لا يلمحها مراقبه، وهو ما يفعله “البصلة الصغيرة” مع منتخب بلاده.

سجل 3 أهداف وصنع هدف، مع أكثر من 19 مراوغة صحيحة، وأرقام لا بأس بها على مستوى الضغط والعرقلة والتمرير وصناعة الفرص. تتحدث لغة الإحصاءات عن إيفرتون سواريس بشيء من التقدير قياساً بما قدمه خلال بطولة كوبا أميركا الأخيرة، فهو جناح قوي تهديفياً، سريع ومهاري ولديه ميزة الانقضاض على الفرص بالثلث الهجومي الأخير.

يحتاج أي فريق الآن إلى مثل هذه النوعية من اللاعبين، خصوصاً الأندية التي تضم عدد كبير من صناع اللعب ولاعبي الوسط الممررين، بالإضافة إلى امتلاكها مجموعة أجنحة تفضل الوقوف على الكرة والمراوغة وصناعة الهدف لا تسجيله.

صحيح أن هؤلاء لديهم أهمية كبيرة في خلق الفراغ أمام لاعبي العمق ونقل الهجمة من جانب لآخر بالإضافة إلى خلخلة دفاعات المنافس، لكن أيضاً الفريق في حاجة إلى من يترجم هذا العمل إلى أهداف، ومن يساعد رأس الحربة الصريح في التسجيل، ومن يقطع باستمرار من الطرف إلى العمق، في انتظار التمريرة القطرية أو البينية التي تأتي من صانع اللعب أو الجناح على الجهة الأخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق