برانكو مع منتخب عمان.. فخ أم ضربة معلم؟

رؤية- محمد العولقي

أحسب أنني أتكئ على خبرة فنية طويلة، أكسبتني حدس قراءة ما بين سطور كل صفقة، تستهدف تجديد الأجواء والهروب من مخلفات الماضي، الاتحاد العماني وبعد أن صبر صبر أيوب، أقال المدرب الهولندي آروين كومان، وتعاقد بشكل دراماتيكي مع الكرواتي المخضرم برانكو ايفانكوفيتش، هرب الاتحاد العماني من نار غرب أوروبا مستنجدا بشرقها، فهل يجد في مدرسة الشرق الجنة التي يبحث عنها المنتخب العماني لكرة القدم، في مرحلة حساسة هي بمثابة مفترق طرق؟..

كومان المدرب السابق للمنتخب العماني

قبل الخوض في تفاصيل نقل مقدرات الكرة العمانية من المدرسة اللاتينية الهادئة، إلى المدرسة الأنجلوساكسونية الصاخبة، أسأل الاتحاد العماني سؤال المليون: هل الكرواتي برانكو المدرب الذي يناسب مقاسات اللاعب العماني حاليا ..؟

وهل الاتحاد العماني يؤمن بأن برانكو هو رجل المرحلة، وعقليته التدريبية قادرة على الطيران بالأحمر إلى نهائيات كأس العالم القادمة ..؟..

يفترض أن الاتحاد العماني يمتلك الكثير من الأسباب التي دفعته دفعا نحو تغيير هوية المنتخب العماني، بينها مثلا أنه وبعد نصف قرن من اعتناق الكرة اللاتينية البسيطة، اكتشف بقدرة قادر أن إمكانيات ومؤهلات الكرة العمانية أكبر من أن يتم حشرها بين بصلة الكرة اللاتينية وقشرتها، هل فعلا برانكو المكوك الشرقي، الرجل المناسب لمرحلة الانتقال التدريجي من مدرسة إلى أخرى ..؟

هل يعتقد الاتحاد العماني أن تغيير جلد الكرة العمانية يمكن أن يحدثه برانكو بين يوم وليلة ..؟، إذا كانت الإجابة مستحيل، فلماذا اختار برانكو بالذات، في مرحلة المجازفة أو الخطأ فيها ممنوع ..؟..

أقول هذا لأن تغيير المدارس الكروية يحتاج على الأقل إلى عقد من الزمن، إلا إذا كان الاتحاد العماني واثقا أن برانكو يمتلك سحرا خاصا، أو أن له كرامات أو عصا تكتيكية، كعصا موسى يمكن أن تحدث الانتقال في غمضة عين، هل الاتحاد العماني يدرك هذه الحقيقة ..؟

هل يعي أن المرحلة الحالية يفترض أنها مرحلة قطف الثمار وجني محصول خمسين عاما، وليست مرحلة التجريب بالمجرب والعبث بالمدارس الكروية ..؟، بصراحة، وهنا مكمن الخطر، برانكو مدرب تكوين، مدرب بناء، وليس مدربا آنيا قادرا على تطويق كل حالات الطوارئ، إنه مدرب ظل كثيرا يعمل في الظل، رغم خبرته الطويلة التي قضاها كرحالة في غرب آسيا ..

إذا كان الاتحاد العماني يعلم قبل توقيع العقد، أن برانكو مدرب تكوين و بناء، وأن حلم بلوغ كأس العالم كبير عليه، فتلك مصيبة ولا شك، أما إذا كان الاتحاد العماني لا يعلم بتلك الحقيقة الواضحة فالمصيبة أعظم ولاشك، والآن بعد هذا الفاصل من الغمز واللمز، دعونا ندخل في صلب الموضوع، لكن ليس قبل أن أعترف لكم بأنها المرة الأولى طوال مسيرتي المهنية، أدعو الله أن يخيب ظني، وأن ينتصر برانكو على تسونامي مخاوفي انتصارا كاسحا..

مدرب البناء هل يحدث المعجزة؟

برانكو أثناء المؤتمر الصحفي

منطقيا منتخب عمان في المرحلة الثانية والحاسمة من تصفيات كأس العالم، فالمسألة من وجهة نظري مسألة وقت، سيتأهل إلى المرحلة الأخيرة، وهنا سيبقى التأهل إلى نهائيات كأس العالم القادمة، الهدف الأسمى الذي تعيش عليه الجماهير العمانية، تبدو بطاقة التأهل إلى المرحلة الثانية في الجيب، فهو فقط يحتاج إلى ست نقاط من ثلاث مباريات، أمام أفغانستان وقطر وبنجلاديش، مهمة يمكن لمنتخب عمان إنجازها وهو مغمض العينين، وبدون مدرب أو وسيلة مساعدة، هذا يعني أن المدرب الجديد برانكو سيكون على المحك في المرحلة الثانية من التصفيات، وهذا الميدان يا حميدان.

يخوض منتخب عمان أول مباراة رسمية تحت قيادة برانكو 31 مارس في العاصمة الطاجيكية دوشنبه أمام منتخب أفغانستان، ترى ما ترتيبات برانكو لهذا اللقاء؟ كيف سيتعامل مع المباراة؟ والأهم كيف سيتعامل مع لاعبي منتخب عمان نفسيا وتكتيكيا وفنيا؟، ماذا سيجد أمامه بالضبط؟، منتخبا من 11 لاعبا، أم 11 لاعبا يشكلون 11 فريقا؟.

ثم هل برانكو فعلا يدرك أن هدف التعاقد معه ليس إصلاح ما أفسده كومان فقط، ولكن التأهل إلى نهائيات كأس العالم بأي ثمن وبأية طريقة؟، هنا ضعوا خطا تحت بأي ثمن وبأية طريقة، والمعنى أن الاتحاد العماني لا يريد من برانكو الدخول في مرحلة انتقالية طويلة، بل يريد اختزال المسافة، يريد المضي في خط مستقيم لبلوغ الهدف من أقصر الطرق، هكذا أتصور مفهوم التعاقد مع برانكو، ما لم يكن للاتحاد العماني رأي آخر ..

ورغم أن هذا الهدف يخالف فكر برانكو – نظريا غلى الأقل- كمدرب بناء ومدرب تكوين، إلا أنني سأفترض معكم أن عصا برانكو السحرية يمكن أن تحدث معجزة التأهل، لكن كيف سيتم ذلك دون المرور بمرحلة انتقالية؟،ربما كان الهدف أقرب لو أن الاتحاد العماني سار على النهج اللاتيني المحبب لطبيعة اللاعبين العمانيين، إنما جلب مدرب من الشرق حيث الكرة الضاغطة واللياقة البدنية الخارقة والعراكية الجسدية القوية والدائمة..

هذا يعني أن الأولوية عند برانكو ستكون لتغيير جلد الكرة العمانية تدريجيا، ومع أن أول استحقاق عماني تحت قيادة برانكو لن يكون صعبا، بالنظر إلى تواضع منتخبي أفغانستان وبنجلاديش، إلا أن برانكو سيكون تحت الضغط الجماهيري، وتحت مجهر الصحافة والفنيين، كيف ستكون اختيارات برانكو؟،ما طبيعة نهجه؟، وما حدود دهائه التكتيكي؟،هل سيلعب أمام أفغانستان بفلسفته هو، أم أنه سيترك المجال لفلسفة سلفه، على الأقل حتى يستكشف بواعث وقدرات لاعبي منتخب عمان؟

برانكو .. كيف يفكر؟

تشكيلة المنتخب العماني

قرأت سيرة برانكو التدريبية، وتمعنت في طريقة لعبه، وهي طريقة أساسها الجانب البدني أولا، وهذا جيد بالطبع، لأن النواحي التكتيكية لا تصنع الفارق في آسيا، إلا من رحم ربي، مربط الفرس هنا اللاعب العماني نفسه، فهو سيجد نفسه مرغما على التخلي عن خصوصياته الفنية، التي نما وترعرع عليها حسب طبيعة الكرة اللاتينية التي تقوم على مبدأ الخلق الفردي والمهارات الفنية الفطرية..

ويبقى الانتقال إلى مدرسة برانكو، مرتبط بقدرة برانكو نفسه على إيجاد 11 لاعبا يعملون كفريق واحد، وليس 11 لاعبا يشكلون 11 فريقا، إنها معضلة نفسية بالدرجة الأولى، ربما كان في وسع برانكو خلق توليفة تشكل عائلة واحدة أو فريق واحد، لكن هذا الانتقال يحتاج إلى وقود لا ينضب، والوقود هنا بحسب أفكار برانكو يتعلق باللياقة البدنية الخارقة..

ترى كيف سيرتقي برانكو بالمنتخب العماني بدنيا؟، إذا كان الدوري العماني ضعيف جدا من الناحية البدنية، فكيف سيتجاوز برانكو هذا العائق الخطير ..؟

لا أدعي في العلم فلسفة، لكن خبرتي كمتابع فني تقول: مسألة خلق وتحويل اللاعب العماني إلى رهوان، يركض كالآلة، صعبة وهي في العرف التكتيكي معقدة جدا، اللاعب العماني شأنه شأن اللاعب الخليجي، ضعيف بدنيا، لأن خصائصه الفنية تتركز في الجزئيات التي هي في متناوله، وليس في الكليات التي تتحكم في تكنيك اللاعب وتكتيكه، المسألة هنا مسألة ثقافة واحتراف ونظام وبلاوي زرقاء يطول شرحها، وهذه ملاحظة خطيرة جدا، عدم التفات برانكو لها مبكرا، سيعني أنه سيلعب بالنار على مقربة من برميل البترول..

لن نبخس برانكو حقه في هضم تصورات المرحلة القادمة، لن نشطح ونرفع ضد مدرسته قضية للمداولة، سنقر مبدئيا أنه مدرب جيد وسنتمنى أن التعاقد معه ضربة معلم، وسنسلم أنه متعطش لترك بصمة شرقية على الكرة العمانية، ربما كان دافع برانكو المعنوي أهم من إمكانيات الاتحاد العماني، ومن الإدارة نفسها، دافع ربما كان رهان برانكو الأول وأملنا الخفي في أن يقلب العقليات رأسا على عقب..

الاتحاد العماني..الذي أوله شرط آخره نور

الاتحاد العماني لكرة القدم

من ضمن سمات ومميزات برانكو كمدرب، أنه صبور جدا ولا يستعجل النتائج، إنه مدرب يعمل في صمت، وعلى نار هادئة، لبلوغ مرحلة التكامل على فترات، فهل حسب الاتحاد العماني لهذه الميزة حسابا ؟ أم أنه يجهلها من الأساس؟

يجب أن يكون الاتحاد العماني واضحا مع برانكو من البداية، لأن الذي أوله شرط آخره نور، وطالما أن الاتحاد العماني يجيش كل قدراته وإمكانياته المادية والبشرية في سبيل تحقيق حلم العمانيين ببلوغ نهائيات كأس العالم القادمة في دولة قطر..

فلا بأس طالما وقد وقعت فأس برانكو على الرأس، من مصارحة برانكو بأنه هنا في مهمة عاجلة لا تحتمل التجارب وطول المراحل، مرحلة مدتها عام واحد يكون فيها أو لا يكون، يجب أن يكون التعامل مع برانكو واضحا وضوح الشمس في سماء مسقط، نحن نحتاجك كمدرب مرحلة آنية، ولا نحتاجك كمدرب تكوين أو بناء، للانتقال من الكرة الناعمة إلى الكرة القاسية المغلفة بالعراك الجسدي والاندفاع البدني القوي..

على الاتحاد العماني أن يهيئ لبرانكو محيطا إداريا قويا وفعالا، أما حكاية روح المنتخب العماني، فهي مسؤولية المدرب، لابد أن يصنع تلك الروح من شخصيته ومن قدرته على خلق فريق واحد، تتوحد فيه الهويات والألوان، من دون مبالغة منتخب عمان حاليا يضم جيلا مبدعا وطموحا ومجتهدا، فقط تنقصه العصا السحرية التي توظف إمكانيات اللاعبين الفنية، ضمن بوتقة تكتيكية يجب أن تنصهر فيها كل تلك القدرات الفنية الكبيرة..

برانكو مطالب بأن يوازن بين فنيات اللاعبين كأساس يبنى عليه، وبين نهج جديد يرفع من قيمة اللاعبين لياقيا وتكتيكيا، ولكي تتحرك كوامن ودوافع اللاعبين يلزم توظيف قدرات اللاعبين ضمن نهج تكتيكي واضح، لا يبالغ بفلسفة لعب بدنية هي أكبر بلا شك من قدرات وإمكانيات اللاعبين..

إنني هنا أتقمص دور المحلل الفني الذي يقرأ ما بين السطور، استنادا إلى تجارب عمانية سابقة بالدليل العملي وبتناول كل أدوات المحيط، هذه القراءة التحليلية لفكر برانكو الاستباقية، ناتجة عن رصد لتجاربه السابقة مع الأندية الخليجية التي دربها من الملعب نفسه، وليست مستلهمة من ندوات المجالس أو المقاهي ..

مسك الختام ملاحظة: أتمنى من كل قلبي أن يكون الاتحاد العماني قد سبقني في سبر أغوار برانكو، حتى لا يقع في الفخ هذا أولا..

أما ثانيا: أقولها بالفم المليان وأجري على الله: إذا لم يتأهل المنتخب العماني إلى نهائيات كأس العالم القادمة، وقد تهيأت الظروف الموضوعية والذاتية، فلن يرى مطارات المونديالات حتى بعد نصف قرن ..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق